كتاب تاريخ الفقه الإسلامي وأدوارُهُ للأستاذ جعفر السبحاني ص 417 - ص 439
( 417 )

أدوار الفقه الشيعي
6

الدور السادس

عصر تصعيد الاجتهاد والنشاط الفقهي

(1180ـ 1260هـ)

لقد بلغ النشاط الاَخباري ذرْوته، وعمّت أفكاره كافة المراكز على الرغم من بذل محاولات جادَّة للحد من نشاطه، والحيلولة دون انتشاره من قبل لفيف من المحقّقين أمثـال: سلطان العلماء (المتوفّى 1064هـ)، والفاضل التوني صاحب الوافية (المتوفّى1071هـ)، والمحقّق الشيرواني صاحب الحاشية على المعالم ، ولم تتكلّل جهودهم بالنجاح، إلى أن قام رجل العلم والقلم، والتحقيق والتدقيق، المحقّـق البهبهـاني (1118ـ 1206هـ) وأحسَّ بخطورة الموقـف، فانتقل من النجف الاَشرف إلى كربلاء، وهي يومئذ معقل الاَخباريين يتزعمها الفقيه الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، فحضر أبحاثه أياماً، ثمّ وقف يوماً في الصحن الشريف، ونادى بأعلى صوته: أنا حجة اللّه عليكم، فاجتمعوا عليه، و قالوا ماتريد: فقال: أُريد من الشيخ يوسف يمكّنني من منبره و يأمر تلامذته أن يحضروا تحت منبري، فأخبروا الشيخ يوسف بذلك، وحيث إنّه كان يومئذٍعادلاً عن مذهب الاَخبارية، خائفاً من إظهار ذلك من جُهّالهم، طابت

( 418 )
نفسه بالاِجابة. (1)
وألَّفت هذه الحادثة منعطفاً تاريخياً في قلب الموازين لصالح الاَُصوليين، حيث وضع المحقّق البهبهاني أصابعه على النقاط الحسّاسة التي كانت الاَخبارية تتشدّق بها.
وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نسلط الاَضواء على سيرة المحقّق البهبهاني، والدور الذي لعبه في إحياء التيار الاجتهادي، وإخراج المجتمع من ورطة الاَخبارية.

حياة المحقّق البهبهاني و سيرته
ولد المحقّق محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني سنة 1118هـ في إصفهان، وقرأ المقدّمات فيها، ثمّ انتقل إلى النجف من جرّاء نشوب القلاقل والفتن وأكمل فيها دروسه عند العلمين الجليلين: السيد محمد الطباطبائي البروجردي ـ جدّ السيد بحر العلوم ـ و السيد صدر الدين القمي المشهور بالهمداني شارح كتاب «وافية الاَُصول» ولمّا تزوّد من معين تلك الحوزة و صاهر أُستاذه السيد محمداً الطباطبائي، انتقل حينها إلى بهبهان معقل الاَخباريين في ذلك الزمان، ومكث هناك ما يربو على ثلاثين سنة، لعب فيها دوراً هاماً في التعليم والتربية والتأليف والتصنيف، وقد أحسَّ بعد حقبة من الزمن انّه لو هاجر إلى الاَماكن المقدسة لبذل عطاءً ضخماً.
فنزل النجف الاَشرف، ولم يلبث فيها إلاّ قليلاً، ثمّ انتقل إلى كربلاء حيث كانت تعجّ بالاَخباريين يومذاك.

____________
1 . المامقاني: تنقيح المقال:2|85.


( 419 )
يقول شيخنا المجيز الطهراني: لما ورد المترجم كربلاء المشرّفة قام بأعباء الخلافة، ونهض بتكاليف الزعامة والاِمامة، ونشر العلم بها، واشتهر تحقيقه وتدقيقه، وبانت للملاَ مكانته السامية، وعلمه الكثير، فانتهت إليه زعامة الشيعة ورئاسة المذهب الاِمامي في سائر الاَقطار، وخضع له جميع علماء عصره، وشهدوا له بالتفوّق والعظمة والجلالة، ولذا اعتبر مجدّداً للمذهب على رأس هذه المائة، وقد ثنيَّت له الوسادة زمناً، استطاع خلاله أن يعمل و يفيد، وقد كانت في أيامه للاَخبارية صولة، وكان لجهّالهم جولة، وفلتات وجسارات و تظاهرات أُشير إلى بعضها في «منتهى المقال» وغيره، فوقف المترجم آنذاك موقفاً جليلاً كسر به شوكتهم، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الاَعاظم، الناهضين بنشر العلم والمعارف، وله في التاريخ صحيفة بيضاء يقف عليها المتتبع في غضون كتب السير ومعاجم الرجال. (1)
والذي يعرب عن خطورة الموقف و انّه بلغ الاَمر إلى الطعن بالعلماء والتشنيع بهم، هو ما ذكره المحقّق البهبهاني وتلميذه.
أمّا الاَوّل فيشتكي المحقّق في رسالة «الاجتهاد والاَخبار» من الاَخباريين ويخاطبهم بقوله: ما الوجه في مطاعنكم الشديدة المنكرة بالنسبة إلى المجتهدين، والتشنيعات المتكثّرة الركيكة على هوَلاء المتقين الورعين، وما المحلّل لهتك حرمة الاَحياء والاَموات من الموَمنين، وإيذائهم مع كونهم من أزهد الزاهدين، وأصلح المتدينين؟! بل ربما تأمّلتم في عدالة من يقرأ كتبهم ويسلك سبيلهم؟!
ولم هذه التفرقة بين الموَمنين؟ وممّ هذه المعركة المهيّأة بين العالمين؟ وما هذه البغضاء والنفرة الحادثة بين الشيعة؟ ومن أين اجترأ الجهلة على الطعن في الاَعاظم والاَجلّة بنسبتهم إلى متابعة أهل السنّة وأبي حنيفة؟! وغيرها من

____________
1 . الطهراني: الكرام البررة:1|171.

( 420 )
الاَُمور السخيفة؟! وأدخلوا أنفسهم بين العلماء وآرائهم في الآراء مع أنّهم لا يعرفون الهرّ من البرّ، مهدوا لاَنفسهم قواعد مضحكة، ويفتون بفتاوى ركيكة، يدّعون أنّهم أخباريون و انّكم لو اطّلعتم على فتاويهم وقواعدهم لتنفّرتم عنهم، وحذرتم منهم ووجدتم إياهم لا هم منكم ولا أنتم منهم. (1)
وأمّا تلميذه فقال: وقد كانت بلدان العراق لا سيّما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدومه من معاشر الاَخباريين، بل و من جاهليهم والقاصرين، حتى أنّ الرجل منهم إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا ـ رضي اللّه عنهم ـ حمله مع منديل، وقد أخلى اللّه البلاد منهم ببركة قدومه، واهتدى المتحيِّر في الاهتمام بأنوار علومه. (2)
هذه إلمامة عابرة عن اتساع نفوذ الاَخبارية في الربوع العلمية، فحان الوقت الآن لبيان أنّه كيف عولج هذا الداء المستعصي على يد المحقّق البهبهاني.
فقد قام (قدس سره) بذلك عن طريق تقويض الاَُصول التي ركن إليها الاَخباريون، وقد أوعزنا إلى تلك الاَُصول سابقاً، ونعود إليها الآن لغاية التوضيح، ولمعرفة الاَساليب التي اتخذها البهبهاني لمعالجة الموقف.
1. ذهبت الاَخبارية إلى أنّ العمل بظواهر القرآن تفسير بالرأي تشمله الروايات المستفيضة الواردة في النهي عن تفسير القرآن بالرأي، كقولهم: من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب. (3)
وأجاب المحقّق: انّ التمسّك بظواهر القرآن بعد الفحص عن مخصصها ومقيدها وناسخها وما ورد حولها من أئمّة أهل البيت ليس إلاّ عملاً بالقرآن

____________
1 . الرسائل الاَُصولية: رسالة الاجتهاد والاَخبار:216.
2 . أبو علي الحائري: منتهى المقال في أحوال الرجال:6|178 برقم 2852.
3 . الصدوق: إكمال الدين وتمام النعمة:256 الحديث 1.

( 421 )
وتدبّراً فيه، وأين هو من تفسير القرآن بالرأي؟! فشتّان بين من ينظر إلى القرآن بذهن صاف وخال من كل الشوائب يستهدي به، ومن اتخذ موقفاً خاصاً حياله، فينظر إليه ليستخرج منه الدليل الدال على معتقده وإن لم يكن على صواب.
2. زعمت الاَخبارية انّ الحجّة عبارة عن الكتاب والسنّة وليس للعقل دور في استنباط الاَحكام الشرعية فيما له مجال، واستدلوا على ذلك بأنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول. (1)
وقد قام المحقّق البهبهاني بتأليف رسالة في الحسن والقبح العقليين، وأثبت فيها حجّية حكم العقل في المستقلات العقلية، وانّه لا صلة لقولهم إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول إلى هذا النمط من الاستدلال، فإنّ ما ورد في الحديث عبارة عن الظنون المتراكمة من هنا وهناك باسم القياس والاستحسان و المصالح المرسلة فانّ دين اللّه لا يصاب بهذه الظنون دون الاَحكام العقلية القطعية التي لا يشكّ فيها ذو فطرة سليمة كاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان ، أو حكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، إلى غير ذلك من الاَحكام الفطرية الواضحة.
3. اتخذت الاَخبارية سنداً على الاَُصوليين بأنّهم يعتمدون على الاِجماع مع أنّ الاِجماع أصل لاَهل السنّة، وهم أصل له يستعملونه في الفقه ويستدلّون عليه. غير انّ محقّقنا البهبهاني نبه على أنّ الاشتراك في اللفظ لا يكون سنداً لصالح الاَخباريين، فإنّ الاِجماع عند الاَُصوليين يختلف جوهراً عن الاِجماع عند أهل السنّة، إذ انّ الطائفة الثانية يتّكلون على الاِجماع بما هو إجماع، فالاِجماع بما هوهو حجّة عندهم، والشيعة ترى أنّ الاِجماع طريق إلى تحصيل قول المعصوم على الاَساليب المقررة في علم الاَُصول.

____________
1 . الفوائد المدنية:162.

( 422 )
4. لقد أفرط الاَخباريون إذ قالوا بقطعية تمام الاَحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ، وبذلك استغنوا عن علم الرجال.
قال الاَمين الاسترابادي: إنّ العلم بأحوال الرجال غير محتاج إليه، لاَنّ أحاديثنا كلّها قطعية الصدور عن المعصوم، فلا نحتاج إلى ملاحظة سنده، وأمّا الكبرى فظاهر، وأمّا الصغرى فلاَنّ أحاديثنا محفوفة بالقرائن المفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم، ثمّذكر القرائن المدعاة. (1)
ثمّ إنّ المحقّق البهبهاني أخذ بتفنيد تلك القرائن التي اعتمد عليها الاَخباري في قطعية الاَخبار في رسالة الاجتهاد والاَخبار. (2)
وبما انّ نقل كلامه في المقام يخرجنا عن إطار البحث، فنحيل القارىَ الكريم إلى رسالة الاجتهاد والاَخبار.

ابتكاراته الاَُصولية
لقد تمتع البهبهاني بذهن وقّاد، و ذكاء مفرط ساعده على ابتكار قواعد وأساليب جديدة في علم الاَُصول، منها:
1. إذا تعلّق الشكّ بأصل التكليف فالاَصل هو البراءة، وقد استدل عليه بحكم عقلي فطري من قبح العقاب بلا بيان، وعزّزها بآيات وروايات قد ذكرت في مبحث البراءة من فرائد الشيخ الاَنصاري.
2. كان الاَصل عند العلماء هو تقديم الجمع على الترجيح في تعارض الاَخبار وعليه سار شيخنا الطوسي في كتابيه حتى اشتهر بأنّ الجمع أولى من

____________
1 . الفوائد المدنية:89.
2 . لاحظ الرسائل الاَُصولية، رسالة الاجتهاد والاخبار:115ـ162.


( 423 )
الطرح، إلى أن جاء المحقّق البهبهاني فعين للجمع والترجيح ضابطة كلية، وهي انّ الجمع لو كان أمراً مقبولاً عند العقلاء وسائداً بينهم، فالجمع مقدَّم على الترجيح، كما هو الحال في العام والخاص والمطلق والمقيد.
وأمّا إذا لم يكن الجمع مقبولاً فهو من موارد الترجيح، وبذلك أثبت انّ الجمع التبرعي أي الجمع بلا شاهد لا دليل عليه، وقد كان لهذه الضابطة آثار مهمة في الاستنباط والتحقيق.
3. إذا تعارضت الرواية مع القاعدة القطعية العامة، فالمشهور هو تقديم النصّ على القاعدة، على خلاف ما عليه المحقّق البهبهاني فقدم القطعي على النص الظني.
فمثلاً انّ مقتضى القاعدة القطعية هي حرمة التصرّف في مال الغير بلا رضاه، وإليه يشير قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : «لا يحل مال امرىَ مسلم إلاّ بطيب نفسه» لكن وردت الرواية على أنّ العابر يجوز له أن يأكل من ثمار الاَشجار حين اجتيازه من دون أن يحوز منها.
فعلى قول البهبهاني لا يعمل بالرواية أمام القاعدة القطعية ولا يمكن الصمود أمامها.
وعلى ذلك بنينا في بحوثنا الاَُصولية بأنّ القرآن لا يخصص بالخبر الواحد، والتفصيل في محله.
4. كان الطابع العام السائد على فقه القدماء هو جعل الاَُصول العملية في رتبة الاَمارات، ولذا يستدلّون على المسألة بالخبر الواحد، وفي الوقت نفسه يستدلّون بالاَصل.
وقد جاء المحقّق البهبهاني وفرّق بين الاَمارات و الاَُصول، وجعل لكلّ

( 424 )
حداً، وأثبت انّ الاَصل دليل حيث لا دليل (الاَمارة).
وعلى ضوء ذلك قسم الاَدلّة إلى الاجتهادية والفقاهية، كما نقله الشيخ عنه في أوائل أصل البراءة من الفرائد.
إلى غير ذلك من الاَفكار الرائعة و التحليلات الرائقة، التي استطاع بها تصعيد النشاط الاجتهادي.
***
تلاميذه
غاب نجم العلم وتوفي المحقّق البهبهاني عام 1205هـ ، ولكن الركب الفقهي الذي أشاد معالمه لم يزل سائراً نحو الاَمام بفضل تلامذة مدرسته وهم:
1. السيد محمد التستري (المتوفّى 1206هـ).
2. السيد أحمد الطالقاني النجفي (المتوفّى 1208هـ).
3. المولى مهدي النراقي (المتوفّى 1209هـ).
4. السيد محمد مهدي بحـر العلوم (المتوفّى1212هـ) موَلف «الفوائـد الرجالية» في ثلاثة أجزاء وغيرها.
5. السيد أحمد العطار البغدادي (المتوفّى 1215هـ).
6. الشيخ أبو علي الحائري صاحب «منتهى المقال» (المتوفّى 1216هـ).
7. الشيخ عبد الصمد الهمداني الشهيد (المتوفّى 1216هـ).
8. ولد المحقّق البهبهاني الاَكبر محمد علي (المتوفّى 1216هـ).

( 425 )
9. المولى محمد كاظم الهزار جريبي الشهيد في كربلاء عند هجوم الوهابيّين عام 1234هـ، موَلّف كتاب «إرشاد المنصفين».
10. الشيخ محمد هادي الشهرستاني (المتوفّى 1216هـ).
11. الميرزا مهدي بن هداية اللّه بن طاهر الخراساني الشهيد (المتوفّى 1218هـ).
12. السيد ميرزا مهدي القاضي الطباطبائي (المتوفّى 1222هـ).
13. السيد جواد العاملـي (المتوفّى 1226هـ) موَلّف الموسوعة الفقهية الشهيرة المسمّاة «مفتاح الكرامة» في عشرة أجزاء.
14. الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1227هـ) موَلّف «كشف الغطاء».
15. الميرزا أبوالقاسم القمي (المتوفّى 1231هـ)موَلّف كتاب «قوانين الاَُصول».
16. السيد علي الطباطبائي صاحب الموسوعة الفقهية المسمّاة بـ«رياض المسائل» (المتوفّى 1231هـ).
17. السيدمير محمد حسين بن مير عبد الباقي (المتوفّى 1233هـ).
18. السيد دلدار علي نصر آبادي الهندي (المتوفّى 1235هـ) صاحب كتاب «مسكن الفوَاد» و «دعائم الاِسلام» و«الشهاب الثاقب».
19. الشيخ أسد اللّه التستري الدزفولي الكاظمي صاحب كتاب «كشف القناع» و «المقابس» (المتوفّى 1237هـ).
20. عبد الحسين الابن الثاني للوحيد (المتوفّى 1240هـ).
21. السيد ميرزا يوسف التبريزي (المتوفّى 1242هـ).

( 426 )
22. السيد محمد حسن الزنوزي الخوئي (المتوفّى 1246هـ) موَلّف كتاب «رياض الجنة» و«دوائر العلوم».
23. شمس الدين بن جمال الدين البهبهاني (المتوفّى 1247هـ).
24. السيد محمد القصير الخراساني (المتوفّى 1255هـ).
هذه كوكبة زاهرة من تلاميذ المحقّق البهبهاني.
ثمّ أعقبهم جيل آخر كانوا من تلامذة تلاميذه أمثال:
1. السيد محسن الاَعرجي (المتوفّى 1227هـ) موَلّف كتاب «المحصول في الاَُصول».
2. شريف العلماء محمد شريف بن حسن علي (المتوفّى 1245هـ).
3. المولى أحمد النراقي (المتوفّى 1245هـ) صاحب الموسوعة الفقهية المسمّاة بـ «مستند الشيعة».
4. الشيخ محمد نقي عبد الرحيم(المتوفّى 1248هـ) موَلّف كتاب «هداية المسترشدين في شرح أُصول معالم الدين».
5. السيد عبد الفتـاح المراغي (المتوفّى نحـو 1250هـ) موَلّف «عناوين الاَُصول» في القواعد الفقهية في جزءين.
6. السيد محمد باقر الشفتي الاصفهاني (المتوفّى 1260هـ) موَلّف كتاب «مطالع الاَنوار في شرح شرائع الاِسلام» المطبوع.
7. الشيخ محمد إبراهيم بن محمد حسن الخراساني الاِصفهاني المعروف بالكلباسي (1180ـ 1261هـ) موَلّف كتاب «إشارات الاَُصول» في مجلدين.

( 427 )
8. السيد إبراهيم القزوينـي (المتوفّـى 1264هـ) صاحب «ضـوابـط الاَُصول».
9. الشيخ محمد حسن بن محمد باقر (المتوفّى 1266هـ) صاحب «جواهر الكلام».
إلى غير ذلك من الاَعلام الذين بذلوا جهودهم في إرساء دعائم الفقه وإحياء النهج الاجتهادي، ولكلّ آثار وكتب وموسوعات.
وقد اقتصرنا على ذكر أسمائهم محيلين ترجمتهم إلى كتاب طبقات الفقهاء الذي أخذ على عاتقه ترجمة هوَلاء الاَعلام.

ميزات الدور السادس
لقد تبيّن ممّا ذكرنا ميزات هذا الدور وأهمها:
1.تصعيد النشاط الفقهي، ومكافحة الرجعية والجمود، وإعادة العقل إلى ساحة الاستدلال، وإحياء الدور الذي قام به المحقّق الاَوّل ومن أعقبه خصوصاً المحقّق الثاني والمحقّق الاَردبيلي ـ قدّس اللّه سرّهم ـ.
2. ظهور ابتكارات أُصولية على يد الوحيد البهبهاني، سار على ضوئها تلامذته في كتبهم الاَُصولية والفقهية كـ«رياض المسائل» للسيد علي الطباطبائي و «قوانين الاَُصول» للميرزا القمي و«المستند» لاَحمد النراقي.
3. تم في هذا الدور القضاء على الاَخبارية وأفكارها وتقلّص نشاطها ولم يبق منهم إلاّ النزر اليسير.
واستطاع المحقّق البهبهاني أن يغيّـر وجهة نظر زعيم الاَخباريين في


( 428 )
عصره، فقد بدأ الشيخ يوسف البحراني يميل إلى مدرسة الاَُصوليّين شيئاً فشيئاً حتى أنّه أخذ يقول في المقدمة الثانية عشرة من مقدّمات الحدائق:
وقد كنت في أوّل الاَمر انتصر لمذهب الاَخباريين، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، إلاّ أنّ الذي ظهر لي بعد إعطاء التأمل حقّه في المقام، و إمعان النظر في كلام علمائنا الاَعلام هو إغماض النظر عن هذا الباب و إرخاء الستر دونه و الحجاب، و إن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والاِبرام.
أمّا أوّلاً: فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين.
وأمّا ثانياً: فلاَنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلّه بل كلّه عند التأمل لا يثمر فرقاً.
وأمّا ثالثاً: فلاَنّ العصر الاَوّل كان مملوءاً من المحدّثين و المجتهدين، مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الاَوصاف.
ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف إلاّمن زمن صاحب «الفوائد المدنية» سامحه اللّه تعالى برحمته المرضية، فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الاَصحاب، وأسهب في ذلك أيّ إسهاب، وأكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الاَطياب. (1)
ولاَجل الوقوف على العناية التي أولاها المحقّق البهبهاني على إزالة الفكرة، فقد كانت المناظرة بينه و بين صاحب الحدائق على قدم وساق، يحكي المحدّث القمي عن الحاج كريم أحد سدنة الروضة الحسينية المقدسة انّه كان

____________
1 . الحدائق الناضرة: 1|167ـ170.

( 429 )
يقوم بخدمة الحرم في شبابه، وذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم و هما واقفان يتحاوران، وطال حوارهما حتى حان وقت إغلاق أبواب الحرم، فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم، واستمرا في حوارهما وهما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن وهما يتحاوران، فلما حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الذي ينفتح على القبلة، واستمرا في حوارهما و هما واقفان، فتركهما وذهب إلى بيته ونام، فلمّا حلّ الفجر ورجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرين في الحوار والنقاش، فلمّا أذّن الموَذن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى الحرم ليقيم الصلاة جماعة، ورجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن وافترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، وأذّن وأقام وصلّى صلاة الصبح.
4. تأليف موسوعات في علم الاَُصول قام بها جملة من فطاحل العلماء كالميرزا القمي صاحب «قوانين الاَُصول» والشيخ محمد تقي الاِصفهاني صاحب «الحاشية على المعالم». والسيّد إبراهيم القزويني صاحب «الضوابط»، والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي موَلّف «إشارات الاَُصول».
5. ظهور موسوعات فقهية كبيرة كـ«معتمد الشيعة في أحكام الشريعة» للشيخ مهدي النراقي و«مستند الشيعة في أحكام الشريعة» للشيخ أحمد النراقي و«جواهر الكلام» للشيخ محمد حسن النجفي، وبعين اللّه انّ ما ألّفه هوَلاء الاَقطاب الثلاثة تعد موسوعات فقهية لم ير الزمن مثلها إلى أعصارهم، فقد طبع الجواهر في 42 جزءاً، كما انّ «مستند الشيعة» على طريق الطبع، وقد خرج منه عدّة أجزاء، وأمّا «المعتمد» فقد طبع في جزءين كبيرين رحليّين عسى أن يقيض اللّه سبحانه أصحاب الهمم لتحقيقه وعرضه في أُسلوب أنيق.

( 430 )

المراكز العلمية في الدور السادس
كانت للشيعة يومذاك حوزات علمية عامرة في مناطق مختلفة، فكانت حوزة إصفهان ذات نشاط كبير، تخرّج منها علماء أفذاذ، ذوو اختصاصات مختلفة، وقد مر انّ المحقّق البهبهاني كان إصفهانياً، وإنّما أُطلق عليه البهبهاني نظراً لمكثه الطويل في مدينة بهبهان أحد معاقل الاَخباريين يومذاك.
وقد انقرضت الدولة الصفوية عام 1135هـ في هذا الدور على يد الاَفاغنة، وأوجدت قلاقل و اضطرابات لم تدم طويلاً حتى تسلمت الدولة الزندية زمام الاَُمور، ودامت إلى أواخر القرن الثاني عشر.
وتليها حوزة شيراز حيث عجّت بالاَُصوليين والاَخباريين والرياضيين والحكماء والفلاسفة.
ومع أنّ نور العلم لم يطفأ في سائر المراكز كجبل عامل وحلب وخراسان، إلاّ أنّ حوزة كربلاء و النجف قد نشطت من بينها وصعّدت من جهودها.
وقد تقلّص النشاط الاَخباري وانحصر في البحرين والقطيف و الاَحساء حيث يشاركون الاَُصوليين في جميع المواقف وينتفعون بوسائل الحياة العصرية كما ينتفع منها الاَُصوليون مع أنّ الاَصل عندهم هو الحظر إلاّأن يقوم دليل على الحلية.


( 431 )

أدوار الفقه الشيعي
7

الدور السابع

عصر الاِبداع والتطور الفقهي

(1260ـ 1414هـ)

رائد الحركة الفكرية : مرتضى الاَنصاري
إنّ الحركة العلمية التي قادها رائد الفكر والتحقيق المحقّق البهبهاني خلفت وراءها أجيالاً من العلماء الفطاحل، وتراثاً علمياً ضخماً في مجالي الفقه والاَُصول ، وقد مرّ انّ ثلّة من تلامذته ألّفوا موسوعات فقهية وأُصولية دحضوا بها حجج الاَخباريين الباطلة، ومهّدوا الطريق لظهور حركة علمية جديدة تتمتع بالاستضاءة من التراث العلمي الذي خلّفه المحقّق البهبهاني وتلامذته مع إبداع أُسلوب جديد في الاَُصول والفقه، ورائد هذه الحركة الجديدة ـ وإن كان في الحقيقة استمراراً للنهج العلمي الذي قاده البهبهاني ـ هو الشيخ المحقّق المدقّق مرتضى بن محمد أمين المعروف بالاَنصاري، الذي ولد عام 1214هـ في بلدة دزفول، وتعلّم الدروس الابتدائية في موطنه، ثمّ شرع في الاَُصول والفقه، ونال مرتبة سامية فيها، ولم تقنع نفسه بما تعلّم فيه، فأعدّ العدّة مع والده لزيارة العتبات المقدّسة عام 1232هـ وله من العمر آنذاك 18 سنة، فورد كربلاء


( 432 )
المقدّسة يوم كانت تعجّ حوزتها العلمية بفضلاء وعلماء كبار وعلى رأسهم العلمان الجليلان:
1. السيد محمد بن السيد علي المعروف بـ«السيد المجاهد» (المتوفّى 1243هـ) موَلّف كتاب «المناهل في الفقه».
2. الشيخ محمد شريف العاملي المازندراني المعروف بـ«شريف العلماء» (المتوفّى 1245هـ).
فمكث الشيخ في كربلاء أربع سنين تردّد خلالها إلى حلقات دروس العلمين الجليلين إلى أن احتل والي بغداد مدينة كربلاء المقدّسة، فغادر الشيخ مهجره ونزل الكاظمية، وبقي فيها سنة واحدة، ثمّ هاجر إلى النجف الاَشرف، فحضر هناك دروس المحقّق الشيخ موسى كاشف الغطاء قرابة سنتين.
ثمّ غادر العراق متوجهاً إلى موطنه عام 1239هـ، فمكث فيها مدّة قليلة، ثمّ جاب مدن إيران للاستفادة من علمائها.
ينقل لنا التاريخ انّه بدأ برحلته العلمية من دزفول ونزل في مدينة بروجرد، فحضر بحث الشيخ أسد اللّه البروجردي (المتوفّى 1270هـ) موَلّف كتاب «فوائد الاَحكام» فأقام فيها شهراً تاماً لم يجد فيها بغيته، فغادرها متوجهاً إلى إصفهان يوم كان زعيمها العلمي هو السيد محمد باقر الشفتي (المتوفّى 1260هـ) وقد جرت بينه و بين الشيخ مباحثات ومناظرات وقف من خلالها السيّد، على عظمة الشيخ ومكانته وسمو منزلته، فطلب منه الاِقامة في إصفهان وإلقاء المحاضرات فيها، لكن الشيخ رجح أن يغادرها ليواصل رحلته العلمية حتى هبط بلدة كاشان التي كان زعيمها العلمي يومذاك هو الشيخ أحمد النراقي (المتوفّى 1245هـ) موَلّف كتاب «مستند الشيعة في أحكام الشريعة» وقد وجد في محاضراته ضالّته، فمكث فيها أربع سنين حضر خلالها دروسه ونبغ في الفقه والاَُصول على يديه.

( 433 )
كما اشتغل بالتأليف والتصنيف.
ولما عزم الشيخ على مغادرة كاشان عام 1244هـ نال من أُستاذه الروَوف إجازة مفصلة أدّى فيها حقّ الشيخ، ثمّ واصل رحلته العلمية إلى مشهد الرضا (عليه السلام) ، فبقي هناك مدّة ثمّ رجع قافلاً إلى العراق، فهبط النجف الاَشرف عام 1246هـ ، وكانت يومذاك المدرسة الكبرى للشيعة، وكانت الرئاسة العلمية على عاتق العلمين الجليلين الكبيرين:
1. الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1254هـ).
2. الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر (المتوفّى 1266هـ).
وقد حضر دروس الشيخ كاشف الغطاء إلى أن استقل بالتدريس وطار صيته في أوساط النجف العلمية، وأقبل على دروسه بشغف، العديد من العلماء والفضلاء، و اشتهر بالنبوغ والتفوق العقلي.
ولما لبّى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر نداء ربه عام 1266 انتخب الشيخ بإيصاء منه مرجعاً للشيعة خضعت له القلوب والاَفكار، وانتقلت الزعامة العلمية إليه بلا منازع، وقام بأعبائها بحزم وحكمة وإرادة صلبة إلى أن لبّى نداء ربه ليلة الثامن عشر من شهر جمادى الاَُولى من شهور عام 1281هـ.
هذه إلمامة عابرة، وعرض خاطف لحياة الشيخ الاَعظم الذي كرّس حياته في التدريس والتأليف، وإعداد الفضلاء، وتربية المجتهدين، وإرساء دعائم النهضة العلمية الحديثة التي تعد بحق ثورة علمية كبرى قلّما اتّفق نظيرها في العصور السابقة، وقد حفلت كتب التراجم بالثناء عليه وإطرائه وخدماته الجليلة، وتلامذته، والتراث الذي تركه.

( 434 )
إبداعاته العلمية
ترك الشيخ آثاراً جليلة لم يزل بعضها مداراً للتدريس في الحوزات العلمية، وأخص بالذكر كتابين قيمين وهبا للشيخ خلوداً في التاريخ، هما:
الاَوّل: كتاب «الفرائد» المشهور بالرسائل، وهو يضم رسائل مختلفة تبحث عن أحكام القطع والظن، ثمّتحدّد مجرى أصل البراءة والاشتغال، وتتطرّق إلى مبحث الاستصحاب، ثمّ إلى أحكام التعادل والتراجيح، وقد علّق عليه تعاليق كثيرة تربو على سبعين تعليقة.
والحقّ انّ الشيخ خدم العلم وأهله بهذا الكتاب القيّم خدمة عظيمة لما قدم لاَبناء جيله من أفكار.
1. تحرير أحكام القطع والظن، وقد قسّم الظن إلى ظن خاص وظن مطلق، وأعطى لكلّ حكمه.
2. قام في رسالة البراءة والاشتغال بتبيين مجاريهما، وقد كانت غير منقّحة ومهذّبة في كلمات السابقين، و انّهم ربما كانوا يحتجون بالبراءة بدل الاشتغال مع أنّ المحل كان مجرى للثاني وبالعكس. فهذّب الشيخ مجاري الاَصلين بوجه لا يختلط أحدها بالآخر.
3. قرّر موقف الدليل الاجتهادي من الاَصل العملي وبالعكس، وانّهما لا يُحتَجّان بهما معاً وإن كان مضمونهما واحداً.
وهذا الاَمر وإن كان موروثاً عن المحقّق البهبهاني إلاّ أنّ الشيخ بعقليّته الخلاّقة طرح تقسيماًجديداً لتقديم الدليل الاجتهادي على الاَصل العملي، وأسماها بالشكل التالي: التخصيص والتقييد، الحكومة ، الورود.

( 435 )
4.قام في رسالة الاستصحاب بعقد تنبيهات بعد الفراغ من إثبات حجيته عن طريق الاَخبار، أودع فيها أفكاره الاَبكار وآراءه البديعة، فمن راجعها يقف على أنّه الموَسس لكثير من القواعد الواردة فيها وإن كان لبعضها خلفيات في كلمات المتقدمين عليه.
وخلاصة الكلام أنّه (قدس سره) أحدث الاِبداعات التالية:
1. مبحث الاستصحاب الكلي.
2. مبحث الاستصحاب التعليقي.
3. مبحث الاَصل المثبت.
4. مبحث بقاء الموضوع في المستصحب.
5. مبحث دوران الاَمر بين التمسك بالعام أو استصحاب حكم المخصّص.
6. مبحث تقدّم الاَصل السببي على المسببي.
وبعين اللّه انّما استعرضه في هذه الفصول الستة تعد أفكاراً أبكاراً لم تقرط بها اذن الدهر قبل ذلك.
الثاني: كتاب «المكاسب»، هذا هو الكتاب الثاني الذي تدور حوله حلقات الدراسة والبحث في الحوزات العلمية الشيعية.
يبحث فيه عن أحكام المكاسب المحرّمة بأنواعها المختلفة:
ثمّ عن أحكام البيع بمختلف فصوله.
ثمّ عن أحكام الخيارات بأقسامها المختلفة.
ثمّ عن الشروط الشرعية وغيرها.

( 436 )
ثمّ عن أحكام القبض والنقد والنسيئة.
ففيها دقائق علمية تعرب عن أنّ الكتاب وليد فكر خارق العادة، والموَلف لا يغوص في بحار الفقه إلاّ ويخرج بالدرر والدراري والجواهر الثمينة، وقد قال الدكتور السنهوري في حقّه: لو وقفت على كتاب «المكاسب» للشيخ الاَنصاري قبل تأليفي لكتاب الوسيط لغيّرت كثيراً من الاَُسس التي بنيت عليها، وللكتاب تعاليق ربما تربو على 30 تعليقة، أفضلها تعليقة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (المتوفّـى 1337هـ).
والكتاب لم يزل محور الدراسات في الاَُصول والمعاملات إلى يومنا هذا أودع فيه حصيلة أفكاره وإبداعاته.
قال المحدّث النوري وهو أحد تلاميذه: قد عكف على كتبه وموَلّفاته وتحقيقاته كلّ من نشأ بعده من العلماء الاَعلام والفقهاء الكرام الذين صرفوا هممهم وبذلوا جهودهم وحبسوا أفكارهم فيها وعليها. (1) تلاميذه
كان الشيخ يلقي دروسه في الجامع الهندي في النجف الاَشرف، ويغص فضاوَه بما ينوف على الاَربعمائة من العلماء والطلاب، وقد تخرج عليه عدد كبير من الفقهاء والمجتهدين الذين تسلّموا منصة الرئاسة العلمية والزعامة الدينية فيما بعد، وقد أنهى بعضهم أسماء تلاميذه فبلغوا 315 مجتهداً عالماً، وسنشير هنا إلى أسماء مشاهيرهم الذين لعبوا دوراً هاماً في حفظ التراث الفكري الذي خلفه الشيخ الاَنصاري وتطويره وإكماله وهم كثيرون.

____________
1 . مستدرك الوسائل: 3|392.

( 437 )

1. السيد حسين الكوهكمري (المتوفّى 1299هـ)
هو السيد حسين بن السيد محمد بن السيد حسن بن حيدر التبريزي الكوهكمري، تلقّى المقدّمات في بلدة تبريز، وحضر بحوث العلاّمة الميرزا أحمد المجتهد التبريزي، ثمّ غادرها صوب النجف الاَشرف فحضر بحث الاَعلام الثلاثة:
أ. الشيخ محمد حسين الاصفهاني (المتوفّى 1261هـ) المعروف بصاحب «الفصول».
ب. السيد إبراهيم القزويني (المتوفّى 1264هـ) صاحب «الضوابط».
ج. الشيخ محمد حسن النجفي (المتوفّى 1266هـ) صاحب«الجواهر».
ثمّ لازم بحوث شيخنا الاَنصاري وصار من أقرب تلامذته وقد استقل بالتدريس بعد رحيل أُستاذه إلى أن صار مشاراً إليه بالبنان وكان يحضر مجلس درسه عدد غفير من العلماء الفضلاء يتجاوز 600، بين فاضل وعالم، ومن أفاضل تلامذته العلاّمـة الشيخ موسى التبريزي (المتوفّى 1307هـ) موَلف كتاب «أوثق الوسائل في شرح الرسائل» والعلاّمة الشيخ محمد حسن المامقاني (المتوفّى 1323هـ) مصنف «الذرائع»و التعليقة على المكاسب.
توفي السيد الكوهكمري عام 1299هـ وله من الآثار: كتاب «الاِجارة»، كتاب «الاِرث»، «الحج»، «الزكاة»، «الصلاة»، «القضاء»، «مقدّمة الواجب»، و«الاستصحاب».

2. السيد المجدّد الشيرازي (1230ـ1312هـ)
السيد المجدّد ميرزا حسن الشيرازي الذي كان من أشهر تلامذة شيخنا


( 438 )
الاَنصاري، وصار زعيماً للطائفة بعد رحيله، ولد في مدينة شيراز عام 1230هـ بدأ فيها بتعلم المقدّمات، ثمّ غادر مسقط رأسه متوجهاً إلى إصفهان عام 1248هـ، وحضر هناك درس الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب «هداية المسترشدين» والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي موَلّف كتاب «الاِشارات»، ثمّ غادرها إلى النجف الاَشرف عام 1259هـ، فحضر بحوث الشيخ حسن كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، ولمّا لبّى صاحب الجواهر دعوة ربّه عام 1266هـ اتجهت الاَنظار صوب الشيخ الاَنصاري فالتحق به وحضر دروسه ولازمه حتى ارتحل الشيخ إلى جوار ربّه عام 1281هـ، ولم يلبث حتى صار مرجعاً دينياً وأُستاذاً في الفقه والاَُصول، التف حوله عدد غفير من الفضلاء ومن يشار إليهم بالبنان، وعلى أثر نشوب القلاقل والفتن غادر السيد النجف الاَشرف وألقى الرحل في سامراء، فأسس فيها حوزة علمية كبيرة تقاطر إليها الفضلاء والعلماء من كل صوب وحدب، وذاع صيته في الاَوساط الاِسلامية.
تخرّج على يديه لفيف من المجتهدين الذين ساروا على نهجه وصاروا مراجع للفتيا وأساتذة للفقه والاَُصول فيما بعد.
ولم يترك تأليفاً في الفقه و الاَُصول، واعتذر عن ذلك بأنّ في كتب أُستاذه الشيخ الاَنصاري غنى وكفاية، ولكن دوّنت له تقريرات ومحاضرات نشرت بعضها.

3. ميرزا أبو القاسم النوري الطهراني (1236ـ1292هـ)
هو الشيخ أبو القاسم النوري الطهراني، رجل العلم والفضيلة، والقلم والبيان، الاَوحدي في تلاميذ شيخنا الاَنصاري، حضر مبحثه سنين متمادية إلى أن بعثه أُستاذه إلى طهران بغية إقامة الدروس والمحاضرات فيها، ولمّا هبط


( 439 )
العاصمة اشتغل بمهمته وربّى جيلاً فيها، وله من الآثار«مطارح الاَنظار» الذي هو تقرير لبحوث أُستاذه الاَُصولية في مباحث الاَلفاظ.
وكوَّن هذا الكتاب إذا ضم إلى كتاب «الفرائد» دورة أُصولية كاملة، توفي عام1292هـ، ورثاه ولده العلاّمة الميرزا أبو الفضل الطهراني بقصيدة مطلعها:
دع العبث والآمال واطو الاَمانيا * فما أنت طول الدهر واللّه باقيا
رمى الدهر من سهم النوائب ماجداًأعز * كريماً طاهر الاَصل زاكيا

4. الشيخ ميرزا حبيب اللّه الرشتي (1234ـ1312هـ)
هو الشيخ حبيب اللّه بن محمد علي الرشتي، أحد الاَكابر من تلاميذ شيخنا الاَنصاري، تلقّى دروسه في مسقط رأسه رشت، ثمّ ارتحل إلى قزوين، فمكث فيها مدّة حتى برز في الفقه والاَُصول، ثمّ غادرها إلى النجف الاَشرف فحضر درس صاحب الجواهر، ولمّا توفي أُستاذه تردّد إلى أندية دروس شيخنا الاَنصاري، وقد وقف على منزلته ومكانته في العلم ولازمه طيلة عمره، ولما لبّى شيخنا الاَنصاري دعوة ربّه استقل بالتدريس والتأليف، وله آثار في الفقه والاَُصول أهمها:
1. «بدائع الاَُصول» في أُصول الفقه مطبوع.
2. «المشتق» مطبوع أيضاً.
3. «القضاء والشهادات» طبع في جزءين.
4. «الاِجارة» طبع في جزء واحد. (1)
____________
1 . له ترجمة ضافية في مقدّمة كتابه «القضاء» بقلم السيد أحمد الحسيني.