كتاب تاريخ الفقه الإسلامي وأدوارُهُ للأستاذ جعفر السبحاني ص 339 - ص 367
( 339 )

القرن التاسع (من الدور الرابع)
وقبل استعراض السير الفقهي في هذا القرن لابدّ من استعراض الظروف التاريخية والسياسية التي كانت سائدة في الاَمصار الاِسلامية لما لها من تأثير مهم على سير التحولات الفقهية على سبيل الاِيجاز.

الاَوضاع السياسية في القرن التاسع
بسط المغول نفوذهم من الشرق الاِسلامي إلى حاضرة البلاد الاِسلامية (بغداد) بعد حروبٍطاحنة شهدت قتل عدد هائل من المسلمين، فسقطت الدولة العباسية على يد هولاكو عام 656هـ، واستقر حكم الوثنيّين على بلاد الاِسلام والمسلمين إلى أن اعتنق بعضهم الاِسلام، ويعدُّ محمود غازان خان الذي جلس للحكم من عام (694ـ 704هـ) أوّل من اعتنق الاِسلام، ثمّ أعقبه محمد خدا بنده أولجايتو فتسلم زمام الاَُمور عام (704ـ 716هـ) وقد انتحل التشيع بفضل رجل العلم والفضيلة العلاّمة الحلّي لمناظرات جرت بينه وبين علماء المذاهب الاَربعة في مسائل فقهية في محضر السلطان وحاشيته ووزرائه، فبان قوة منطقه على كلّمن حضر، فطلب السلطان منه أن يلازمه في السفر والحضر، وهكذا أخذ العلاّمة يصاحبه مع تلاميذه وكتبه، فأسّس مدرسة سيّارة تقام كلّما حط السلطان بمكان، حتّى انّ العلاّمة الحلّي قد فرغ من تأليف بعض كتبه في مدينة «سلطانية» من اعمال زنجان. كما كتب اجازته لقطب الدين في ناحية ورامين كما مرّ.
ولمّا استتب الاَمر للمغول واعتنقوا الاِسلام والتشيّع وانصهروا في الكيان الاِسلامي أخذوا يروّجون العلم لا سيّما العلوم الطبيعية كالفلك والنجوم والحساب، وفي ظل استتباب الاَمن والاستقرار، نرى أنّالركب الحضاري بدأ


( 340 )
يتقدّم بعد نكسته التي أُصيب بها من جرّاء استيلاء المغول، ولم تمض مدة حتى بدأ المسلمون الذين غلبوا في عقر دارهم بأخذ زمام المبادرة من يد المغول من خلال رسم الخطوط العريضة لهم في السياسة والثقافة والاقتصاد بل في كافة جوانب الحياة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قوة منطق الاِسلام وصلابته، إذ جعل من الاَعداء أنصاراً للحق.
كان الاَمن سائداً ومستتباً في البقاع الاِسلامية إلى عصر السلطان أبي سعيد بهادر خان (716 ـ 736هـ).
وقد تدهور وضع الدولة الاِيلخانية المغولية بعد وفاته، وتسلّم أزمة الاَُمور أشخاص كانت تعوزهم الكفاءة والحزم، فعادت الفوضى إلى البلاد حتى تجد تولّي عدة سلاطين لمنصة الحكم في سنة واحدة فقد مات أبو سعيد بهادر خان وأعقبه السلطان ارباكاون سنة 736هـ وبقي عدّة شهور على منصة الحكم، ثمّ أعقبه السلطان موسى خان ولم يدم طويلاً بل أمضى هو الآخر عدّة شهور أيضاً، ثمّحلّ محلّه السلطان محمد خان (736ـ 738هـ).
واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انقراض الدولة الاِيلخانية في عهد آخر سلاطينهم المسمّى بـ«أنوشيروان العادل» (744ـ 756هـ) وكأنّه قدّر لهم الحكم قرابة قرن واحد.
ثمّ عادت الفوضى أكثر من ذي قبل، وتمزّقت البلاد أشلاءً، واستبدّ بكل جزء منها أمير من الاَُمراء تعوزهم الكفاءة، منهم:
1. سلسلة أُمراء آل جلاير (740ـ 813هـ).
2. سلسلة أُمراء جوباني (744ـ 759هـ).
3. سلسلة أُمراء آل مظفر (740ـ 795هـ).
4. سلسلة أُمراء اينجو (742ـ 758هـ).
5. السربدارية (738ـ 788هـ).

( 341 )

التيمورية على منصة الحكم
وفي تلك الاَوضاع المضطربة و المتدهورة ظهر تيمور لنك وبسط نفوذه على أصقاع شاسعة بعد أن أراق دماءً كثيرة حتى استتب له الاَمر أواخر القرن الثامن، ودام حكمهم 127 سنة شهدت فيها البلاد المزيد من الدمار والهلاك والسفك والقتل حتى انقراضهم في عهد سلطانهم المدعو سلطان حسين بايقرا عام911هـ.
وقد خلفت التيمورية خلال مدة حكمها مضاعفات خطيرة على الصعيد العلمي والثقافي، فقد كان تيمور لنك وأولاده لا يهمّهم سوى الركوب على رقاب الناس والاِغارة على ثرواتهم مهما بلغ من ثمن، فانعكست آثارها السيئة وتبلورت في قلّة الانتاجات العلمية والموسوعات الفقهية.
ولا شكّ انّالحضارة تزدهر والعلم ينمو في ربوع يسودها العدل والاَمن والاستقرار.
هذه لمحة خاطفة عن الاَوضاع السياسية السائدة في القرن التاسع، ذكرناها على وجه موجز، ليقف القارىَ على الاَوضاع المزرية التي أُصيب بها المسلمون، وتركت من جراء ذلك آثاراً سيئة على الحركة الفقهية ممّا أعقب ذلك فتور النشاط الفقهي وقلّة الانتاج فيه.
وإليك أسماء نخبة من فقهاء هذا القرن:

1. الحسن بن سليمان بن خالد الحلّي (كان حياً عام 802هـ)
هو الحسن بن سليمان بن خالد الحلّي يعرّفه الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، فقيه، له «مختصر بصائر الدرجات» لسعد بن عبد اللّه، يروي عنه الشهيد.


( 342 )
ويعرّفه الخوانساري بقوله: فقيه، فاضل، من تلامذة شيخنا الشهيد الاَوّل، صاحب المصنّفات الكثيرة الفقهية.
وله أيضاً كتاب لطيف يسمّى «الرجعة».
وقد نقل الخوانساري صورة إجازته للشيخ العالم الموفّق عز الدين حسين بن محمد بن الحسن الحمدياني وفي آخرها كتب عبد اللّه حسن بن سليمان بن محمد في الثالث والعشرين من شهر محرم الحرام سنة 802هـ. (1)

2. فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن المتوج
هو الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المتوج، المشهور بـ«ابن المتوج» البحراني، المعروف بالعلم و الفضل والتقوى في أسانيد أصحابنا، يوصف بـ:خاتمة المجتهدين، شيخ مشايخ الاِسلام، وقدوة أهل النقض والاِبرام ومن تلامذة الشهيد وفخر المحقّقين، ومرّت ترجمة والده في فقهاء القرن الثامن.
وفي الروضات: وهو شيخ أبي العباس بن فهد الحلّي (2) والشيخ فخر الدين أحمد بن محمد بن عبد اللّه السبعي الفقيه المشهور المتوطّن بلاد الهند، ومن أجلِّ تلامذة الشهيد و فخر المحقّقين.

____________
1 . الاَفندي التبريزي: رياض العلماء:1|193، الخوانساري:روضات الجنات:2|293 برقم 202، طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع.
2 . يعرّفه صاحب الرياض بقوله: الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس المقري الاَحسائي، المعروف بابن فهد، وهو غير ابن فهد المعروف صاحب «المهذب البارع» و«عدة الداعي».
ويدل على ذلك ما ذكره ابن أبي جمهور في أوّل كتاب «غوالي اللآلي»، يقول: أروي عن أحمد بن فهد المذكور(شهاب الدين) عن شيخه خاتمة المجتهدين، المشهورة فتاواه في جميع العالمين، فخر الدين أحمد بن متوج بن عبد اللّه.


( 343 )
آثاره الفقهية
1. الوسيلة.
2. رسالة «الناسخ والمنسوخ».
3. كتاب «ما يجب على المكلّفين».
4. كتاب «غرائب المسائل».
5. «النهاية» في تفسير 500 آية، وهي آيات الاحكام في القرآن، وينقل فيه عن كنز العرفان معبراً عنه: قال المعاصر. (1)

3. جمال الدين المقداد بن عبد اللّه السيوري الحلّي
(المتوفّى 826هـ)
هو الفقيه الفاضل المحقّق أبو عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه بن محمد بن حسن بن محمد السيوري الحلّي الاَسدي الغروي، المعروف بـ«الفاضل السيوري» و «الفاضل المقداد» عند الفقهاء المتأخرين، كان من أجلاّء الاَصحاب، وعظماء مشايخ الرجال، جامعاً بين المعقول والمنقول، عالماً، فاضلاً، متكلّماً، محقّقاً، مدقّقاً، من أعاظم الفقهاء، قد أثنى عليه كلّ من عنونه بالثناء الجميل والذكر النبيل، أفاض اللّه على تربته سجال لطفه.
يعرّفه الاَفندي التبريزي بعد وصفه بالعلم والفضل والتحقيق والتدقيق: له كتب، منها: شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين، وكنز العرفان في فقه القرآن، والتنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع، وشرح الباب الحادي عشر، وشرح مبادىَ الاَُصول، يروي عن الشهيد محمد بن مكي العاملي. (2)
____________
1 . لاحظ رياض العلماء:1|44، روضات الجنات:1|68، طبقات أعلام الشيعة:4، القرن التاسع.
2 . رياض العلماء: 5|216؛ أمل الآمل:2|325برقم 1002.


( 344 )
ويروي عنه: شرف الدين المكي، والحسين بن علاء الدين مظفر بن فخر الدين بن نصر اللّه القمي، وتاج الدين الحسن بن راشد الحلي صاحب «الجمانة البهية في نظم الاَلفية»، ومحمد بن شجاع القطان الحلّي، وأحمد بن فهد الحلي المتوفّى عام841هـ، وقاسم الدين. (1)
وله في الفقه الكتب التالية:
1.«التنقيح الرائع في شرح الشرائع» وهي دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ابتدأ في أوّله بتعريف الفقه وتحصيله، والاَدلّة العقلية، والعمل بخبر الواحد وأقسامه، وتفسير الاَشهر والاَظهر والاَشبه، وغير ذلك من المصطلحات. (2)
2. «كنز العرفان في فقه القرآن»: وهو بين الكتب الموَلّفة حول فقه القرآن، كتفسير «مجمع البيان» في تفسير القرآن، بجودة نسقه وترتيبه، وقد ذكره الذهبي المصري في كتاب «التفسير والمفسّرون» حيث قال:
يتعرّض هذا التفسير لآيات الاَحكام فقط، وهو لا يفسر الآيات سورة فسورة على حسب ترتيب المصحف، ذاكراً ما في كلّ سورة من آيات الاَحكام كما فعل الجصاص وابن العربي مثلاً، بل طريقته في تفسيره انّه يعقد أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة، مبيناً ما فيها من الاَحكام، على حسب ما يذهب إليه الاِمامية الاثنا عشرية في فروعهم مع تعرّضه للمذاهب الاَُخرى، وردّه على من يخالف ما يذهب إليه الاِمامية الاثنا عشرية. (3)
____________
1 . طبقات الشيعة:139، القرن التاسع.
2 . لاحظ التنقيح الرائع:1|36 ـ 37، وطبع الكتاب في أجزاء أربعة ضخام.
3 . انظر التفسير والمفسّرون:2|465.

( 345 )
3. «آداب الحج».
4. «نضد القواعد الفقهية على مذهب الاِمامية» وهو ترتيب للقواعد الفقهية للشهيد الاَوّل.
وأمّا تآليفه في الكلام والعقائد فحدّث عنها ولا حرج.
فقد أصبح شرحه على الباب الحادي عشر من الكتب الدراسية إلى يومنا هذا.

4. ابن فهد الحلي (757ـ 841هـ)
جمال الدين أبو العباس أحمد بن فهد الاَسدي الحلّي.
يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، ثقة، صالح، زاهد، عابد، ورع، جليل القدر، له كتب. (1)
ويعرّفه العلاّمة المامقاني بقوله: له من الاشتهار بالفضل والعرفان والزهد والتقوى والاَخلاق والخوف والاِشفاق ما يغنينا عن البيان، وقد جمع بين المعقول والمنقول والفروع والاَُصول واللفظ والمعنى والحديث والفقه والظاهر والباطن والعمل بأحسن ما كان يجمع. (2)
وقد أطبق المتأخّرون على علمه ودقّته وفقهه.
وأمّا تآليفه الفقهية، فهي:
1.«المهذّب البارع إلى شرح النافع» وهو شرح للمختصر النافع للمحقّق من أوّله إلى آخره، أورد في كلّمسألة أقوال الاَصحاب وأدلّة كلّ قول، وبيّن

____________
1 . أمل الآمل:2|21.
2 . تنقيح المقال:1|92 برقم 510، باب أحمد .


( 346 )
الخلاف في كلّمسألة خلافية، وعيّن المخالف وإن كان نادراً متروكاً، وأشار إلى وجه التردّد من المصنّف لدليل انقدح في خاطره، وقال: وسمّيته بـ«المهذب البارع في شرح المختصر النافع» وإن شئت فسمّه جامع الدقائق وكاشف الحقائق.
لاَنّه لا يمر بمسألة مشكلة، إلاّجلاّها غاية الجلاء، ولا لمعضلة إلاّوشفى من بحثها غاية الشفاء، ورتبت في أوّل كلّ كتاب، مقدّمة أو مقدّمات، اذكر فيها تعريفه وسند مشروعيته من الكتاب و السنّة والاِجماع، وما يليق به من التمهيد، فكان كالدستور يرجع إليه في المشكلات، ويعتمد عليه في المعضلات ويتفكه منه بالتفريعات. (1)
2. «شرح الاِرشاد» للعلاّمة الحلي.
3. «فقه الصلاة».
4. «شرح الاَلفية».
5. «كفاية المحتاج في مسائل الحاج».
إلى غير ذلك من التآليف الفقهية وقد بلغ الشيخ الفقيه من الكمال ما بلغ بفضل جمعه بين العلم و العمل ومحافظته على الظواهر الشرعية ومراقبته للنفس.
وفي كتبه التالية دلالات واضحة على ذلك، منها:
1. «عدة الداعي ونجاح الساعي».
2. «أسرار الصلاة».
3. «التحصين وصفات العارفين».
توفّي بكربلاء عن عمر ناهز 84 سنة، وله هناك قبر يزار.

____________
1 . المهذب البارع:1|70 ـ 71.

( 347 )
ويعد من شيوخ الاِجازة كشيخه الشهيد الاَوّل، يروي عن الشيخ ظهير الدين علي بن يوسف بن عبد الجليل النيلي، والشيخ نظام الدين علي بن عبد الحميد النيلي الحائري، والشيخ فخر الدين ولد العلاّمة، ويروي عنه جماعة، منهم: الشيخ رضي الدين حسين الشهير بـ «ابن راشد القطيفي»، كما يظهر من أوّل غوالي اللآلي. (1)

5. ناصر الدين بن جمال الدين أحمد بن متوج
(المتوفّى856هـ)
هو ناصر الدين بن جمال الدين أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسن بن متوج البحراني.
يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: الشيخ ناصر بن أحمد بن عبد اللّه بن المتوج البحراني، صاحب الذهن الوقّاد، فاضل، محقّق، فقيه، حافظ، نقل أنّه ما نظر شيئاً ونسيه. (2)

6. الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس المقري الاَحسائي

هو الشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريس المقري الاَحسائي من أجلّة علماء الاِمامية وفقهائهم، يروي عن: الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد اللّه المشهور بـ«ابن المتوّج البحراني» عن الشيخ فخر الدين ولد العلاّمة.
ويروي عنه الشيخ جمال الدين حسن الشهير بـ«المطوع الجرواني الاَحسائي» كما ذكره ابن أبي جمهور في أوّل غوالي اللآلي.

____________
1 . رياض العلماء:1|65.
2 . أمل الآمل:2|333 برقم 1026. وانظر ترجمته في طبقات أعلام الشيعة:142، القرن التاسع؛ رياض العلماء:5|236.


( 348 )
ثمّ إنّابن فهد هذا غير ابن فهد الاَسدي الحلّي فهما معاصران، ومن العجب انّ لكلّ واحد منهما شرحاً على إرشاد العلاّمة، وكلاهما في طبقة واحدة حيث يرويان عن فخر المحقّقين بواسطة واحدة. (1)

7. محمد الاَنصاري بن شجاع الحلّي
محمد الاَنصاري بن شجاع الحلّي القطان، عالم، فقيه، فاضل، يروي عن الفاضل المقداد، وله من الكتب:
1. «معالم الدين في فقه آل ياسين».
ويروي فيه أيضاً عن أبي الحسن علي بن الحسن الاسترابادي الراوي عن حسن بن سليمان تلميذ الشهيد.
يقول شيخنا المجيز الطهراني في وصف الكتاب الاَوّل: وقد رتّبه على أربعة أقسام، وهي دورة فقهية كاملة، فرغ منه في عاشر شعبان سنة 832هـ. (2)
2. «أحكام الاِيمان »الموسوم بنهج العرفان، فرغ من تصنيفه في التاسع عشر من شعبان عام 819هـ يروي فيه عن الفاضل المقداد ويدعو له بقوله: متعنا اللّه بطول بقائه.

8. مفلح الصيمري (كان حياً عام 878هـ)
هو الشيخ مفلح بن حسن بن رشيد بن صالح الصيمري، من تلاميذ أحمد

____________
1 . رياض العلماء:1|55، والترجمة منقولة عن كشكول البحراني، وحيث إنّ محقّق الكتاب لم يعثر على الجزء الاَوّل من الرياض، جمع ما يرجع إليه من هنا وهناك، فالترجمة أولى بالانتساب إلى محقّق الكتاب، أعني: السيد أحمد الحسيني الاشكوري ـ دام مجده ـ.
2 . لاحظ ترجمته في رياض العلماء:4|108؛ طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع:118؛ الذريعة:24|422، وج21|199.


( 349 )
ابن فهد الحلّي (المتوفّى841هـ).
وله من الموَلّفات الفقهية ما يلي:
1. «غاية المرام في شرح شرائع الاِسلام» في مجلد واحد، وقد اختار فيه الفرق بين الرطلين في الزكاتين، كما اختاره ابن فهد في «المهذب البارع» أو العلاّمة الحلّي في «التحرير».
2. «جواهر الكلمات في صيغ العقود والاِيقاعات» فرغ من تصنيفه عام 870هـ، وهي رسالة عملية تدل على غزارة علم موَلفها؛ مليح، كثير المباحث، غزير العلم.
3. «التنبيهات في الاِرث والتوريثـات» ذكره شيخنــا الطهرانـي في
«الذريعة».(1) رسالة في الفرائض مرتبة على ثلاثة أبواب وخاتمة.
4. «تلخيص الخلاف» هو تلخيص كتاب «الخلاف» لشيخ الطائفة، وقد طبع التلخيص في ثلاثة أجزاء عام 1408هـ.
5. «التنبيه على غرائب من لا يحضره الفقيه» جمع فيه الموَلّف فتاوى الشيخ الصدوق المخالفة للاِجماع والمسائل المرفوضة عند فقهائنا المتقدمين.
6. «كشف الالتباس» وهو شرح استدلالي لتمام رسالة الموجز الحاوي، ينتهي إلى آخر كتاب الزكاة؛ والموجز من تآليف أحمد بن فهد الحلّي، وقد طبع الكتاب عام 1417هـ.
وسيأتي ترجمة ولده حسين بن مفلح عند استعراض علماء القرن العاشر.(2)

____________
1 . الذريعة:3|335؛ كشف الالتباس، مقدمة المحقّق، وقدكتب له ترجمة ضافية.
2 . طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع، ص 137؛ وانظر مخطوط كتاب مشايخ الشيعة.

( 350 )

9. الحسن بن محمد بن الحسن الاسترابادي
هو الشيخ كمال الدين (تاج الدين) حسن بن شمس الدين محمد بن حسن الاسترابادي مولداً، والنجفي موطناً.
يعرّفه الاَفندي التبريزي بقوله: كان من أكابر علماء متأخّري أصحابنا، وله تآليف قيّمة، منها:
1.«معارج السوَول ومدارج المأمول» في مجلدين، وهو كتاب جامع في معناه حسن كاسمه، كثير الفوائد، كبير، فرغ من تأليفه 891هـ، وقد ألّفه على غرار كتاب «كنز العرفان» للشيخ مقداد السيوري، وزاد عليه بفوائد نفيسة جليلة كثيرة.
2. «عيون التفاسير» وقد صرّح به في أوّل المعارج.
يقول شيخنا المجيز: عيون التفاسير للشيخ كمال الدين الحسن بن محمد بن حسن الاسترابادي النجفي.
3. «شرح الفصول النصيرية».
أقول: صرّح في أوّل «معارج الاَُصول» بأنّ اللّه منَّ عليه بتأليف عيون التفاسير واستخرج منه المعارج على نهج ما ألّفه شيخه المقداد.
وبما أنّه فرغ من تأليف«عيون التفاسير» سنة 891هـ، وفي الوقت نفسه يروي عن الفاضل المقداد المتوفى عام 828هـ، فهو من المعمّرين. (1)
____________
1 . انظر ترجمته في رياض العلماء:1|319؛ الذريعة:15، برقم 2375؛ طبقات أعلام الشيعة: 91، القرن التاسع.


( 351 )

10. الحسن بن راشد الحلّي
هو تاج الدين الحسن بن راشد الحلّي، تلميذ الفاضل المقداد صاحب «الجمانة البهية في نظم الاَلفية الشهيدية».
يعرّفه الشيخ الحرّ العاملي بقوله: فاضل، فقيه، شاعر، أديب، له شعر كثير في مدح المهدي وسائر الاَئمّة - عليهم السلام - ، ومرثية الحسين - عليه السّلام - ، وأُرجوزة في تاريخ الملوك والخلفاء، وأُرجوزة في تاريخ القاهرة، وأُرجوزة في نظم ألفية الشهيد.
ووصفه الشيخ إبراهيم الكفعمي المتوفّـى عام 905هـ بقوله: الشيخ الاِمام، الفاضل، نادرة الزمان، وذكر انّه يروي الاَلفية عن شيخه المقداد، وهو يرويها عن موَلّفها الشهيد.
وأوّل الاَُرجوزة:

قال الفقير الحسن بن راشد * مبتدأ باسم الاِله الماجدِ (1)

11. ابن أبي جمهور الاَحسائي
هو المحقّق الفاضل محمد بن الشيخ زين الدين أبي الحسن علي بن حسام الدين بن إبراهيم بن حسين بن إبراهيم بن أبي جمهور الهجري الاَحسائي، يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: كان عالماً، فاضلاً، راوية، له كتب، ثمّ ذكر أسماء كتبه.

____________
1 . أمل الآمل: 2|65 برقم 178. وانظر الذريعة:5|131 برقم 542، تاريخ طبقات أعلام الشيعة:41، القرن التاسع.


( 352 )
ويعرّفه المحدّث البحراني بقوله: كان فاضلاً، مجتهداً، متكلماً، له كتاب غوالي اللآلي.
ويذكره العلاّمة المجلسي ويقول: وموَلّفه بالفضل معروف.
وأمّا آثاره الفقهية، فقد ألّف:
1. «الاَقطاب الفقهية والوظائف الدينية على مذهب الاِمامية»، وهو على غرار قواعد الشهيد.
2. «الاَنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية» في فقه الصلاة اليومية، والظاهر انّ الرسالة البرمكية قد كتبها بنفسه.
3. «التحفة الحسينية في شرح الاَلفية» كتبه شرحاً لاَلفية الشهيد الاَوّل.
وأمّا تآليفه في الاَحاديث والاَخبار، فمن أشهر كتبه «غوالي اللآلي العزيزية في الاَحاديث الدينية»، وقد فرغ منه سنة 899هـ كما ذكره شيخنا النوري في «المستدرك»، وقد طبع الكتاب في أربعة أجزاء.
وحيث إنّه قضى أكثر عمره في القرن التاسع، وقد توفي في مستهل القرن العاشر (بعد سنة 901) ذكرناه في فقهاء هذا القرن. (1)
هذه نخبة من أسماء الاَعلام من فقهاء القرن التاسع تلوناها عليكم كنماذج من الفقهاء الاَفذاذ الذين برزوا في تلك الحقبة من الزمان، والذين أنعشوا الحركة الاجتهادية بتآليفهم، ومن أراد الوقوف على مزيد ممّا ذكرنا فليرجع إلى طبقات الفقهاء وسائر الكتب .

____________
1 . المستدرك:3|361 ـ 365، الفائدة الثالثة؛ ريحانة الاَدب:7|339؛ أمل الآمل:2|253 برقم 749؛ روضات الجنات: 7|26 برقم 594.

( 353 )

حصيلة الجهود العلمية في القرن التاسع
قد مرّ عليك في صدر البحث انّه لم تكن توجد سلطة مركزية تحكم البلاد الاِسلامية ، بل كانت ثمة دويلات صغيرة تحكم في إطار المناطق التي تخضع لنفوذها.
ومن الواضح انّ في مثل تلك الظروف القلقة تنعدم الطمأنينة والثبات المطلوب لعرض الاَفكار ومناقشتها خصوصاً في مجال الفقه.
وقد احتفل التاريخ في هذا القرن بأسماء جمع غفير من الفقهاء مع قلّة الانتاجات العلمية .
فبعد الاِيعاز إلى هذه المقدّمة نستعرض حصيلة الجهود التي أُنجزت في هذا القرن:
ألف. ظهور ثلة من الفقهاء العظام الذين أخذوا على عاتقهم إنعاش الفقه وتطويره على ضوء ما ورثوه من أساتذتهم، وفي طليعتهم:
1. المقداد السيوري(المتوفّى828هـ).
2. الشيخ ابن فهد الحلّي (775ـ841هـ).
3. مفلح الصيمري (كان حيّاً عام 878هـ).
4. شهاب الدين أحمد بن فهد الاَحسائي.
ب. العناية الوافرة بتفسير آيات الاَحكام التي هي أُسس التشريع الاِسلامي، فقد ألّف الفاضل المقداد كتاب «كنز العرفان» ويعد مصدر إشعاع وإلهام إلى يومنا هذا.


( 354 )
كما ألّف الحسن بن محمد بن الحسن الاسترابادي كتابه «معارج السوَول ومدارج المأمول» في مجلدين سار فيه على ضوء كتاب كنز العرفان لاَُستاذه.
ج. العناية الوافرة بالقواعد الفقهية على غرار ما أُلّف في القرن الثامن لكن بنظم ومنهجيه أكثر، وقد وقفت على أنّ الفاضل المقداد ألّف «نضد القواعد» تنظيماً لما ألّفه الشهيد الاَوّل.

( 355 )

القرن العاشر وأوائل الحادي عشر (من الدور الرابع)
عند إطلالة القرن العاشر سادت الربوع الاِسلامية دولتان عظيمتان هما: الدولة الصفوية والعثمانية؛ حيث حكمت الاَُولى أصقاعاً من الشرق الاِسلامي من عام (905ـ1135هـ) وحكمت الثانية أصقاعاً من الغرب الاِسلامي وأكثر البلاد العربية، وقد استأثر الفقهاء باهتمام كلا الدولتين بغية إضفاء الشرعية على حكمهما خصوصاً الدولة الصفوية التي قامت على دعامة التشيّع وولاية الاَئمّة الاثني عشر التي فوضت الاَُمور بعد غيبة الاِمام الثاني عشر إلى الفقهاء العظام الجامعين لشرائط الاِفتاء، فازدهرت العلوم الاِسلامية لا سيما الفقه في عهد الصفوية إلى حد بعيد، فلنذكر نخبة من العلماء الذين أنجبتهم هذه الحقبة.

1. الشيخ حسين الصيمري (المتوفّى عام933هـ)
هو الشيخ حسين بن مفلح بن حسن الصيمري
يعرّفه الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، محدّث، عابد، كثير التلاوة والصوم والصلاة والحج، حسن الخلق، واسع العلم، توفي سنة 933هـ، وعمره يزيد على الثمانين.
وأمّا تآليفه، فقد فصّلها شيخنا المجيز وعدَّ منها:
1. «محاسن الكلمات في معرفة النيات».
2. «مناسك الحج».
3. «جواز الحكومة الشرعية».
ورسائل أُخرى لم تذكر بعنوانها، وقد مرَّ انّ والده مفلحاً تلميذ ابن فهد له


( 356 )
«جواهر الكلمات في صيغ العقود والاِيقاعات» ، و«غاية المرام في شرح شرائع الاِسلام». (1)

2. الحسن الاَعرج الحسيني (المتوفّى عام933هـ)
هو بدر الدين بن جعفر بن فخر الدين بن الحسن بن نجم الدين الاَعرج الحسيني.
يصفه الحر العاملي بأنّه كان فاضلاً، جليل القدر، ومن جملة مشايخ شيخنا الشهيد الثاني، قرأ عليه في الكرك، وتوفي سنة 933هـ.
يقول في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي: وأرويها عن شيخنا الاَجل الاَعلم، الاَكمل ذي النفس الطاهرة الزكية أفضل المتأخّرين في قوتيه العلمية والعملية.
موَلّفاته
1.كتاب «المحجة البيضاء والحجّة الغراء»جمع فيه بين فروع الشريعة والحديث والتفسير في الآيات الفقهية.
2. «العمدة الجلية في الاَُصول الفقهية».
3. «شرح الطيبة الجزرية في القراءات العشر».
4. «مقنع الطلاب فيما يتعلّق بكلام الاعراب». (2)
____________
1 . أمل الآمل:2|103 برقم 285؛ وطبقات أعلام الشيعة: 66، القرن العاشر؛ وله ترجمة في أعيان الشيعة.
2 . أمل الآمل: 1|57 برقم 44؛ وانظر ترجمته في روضات الجنات: 2|294 برقم 203؛ طبقات أعلام الشيعة: القرن العاشر، ص 49.


( 357 )

3. علي بن عبد العالي العاملي الكركي (المتوفّى عام940هـ)
هو الشيخ علي الكركي المعروف بـ«المحقّق الثاني» نور الدين علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي العاملي الكركي، المتوفى عام 940هـ في النجف يوم الغدير.
يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: الشيخ الجليل علي بن عبد العالي العاملي الكركي، أمره في الثقة والعلم والفضل وجلالة القدر وعظم الشأن وكثرة التحقيق أشهر من أن يذكر، ومصنّفاته كثيرة مشهورة، ثمّ ذكر فهرس كتبه.
وذكره السيد التفرشي في «نقد الرجال» وقال: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير العلم، نقي الكلام، جيد التصانيف من أجلاّء هذه الطائفة، يروي عن الشيخ شمس الدين محمد بن داود عن ابن الشهيد عن أبيه، وكفى في فضله انّ الشهيد الثاني يثني عليه بقوله: الشيخ الاِمام المحقّق المنقح نادرة الزمان و يتيمة الاَوان.
ومن تآليفه
1. «جامع المقاصد في شرح القواعد» في خمسة مجلدات كبار إلى بحث التفويض من النكاح، وهو كتاب مشحون بالتحقيق والاستدلال ينقح مباني الاَحكام، وهو من الكتب الممتعة ومن حسنات الدهر.
ويحكى عن الشيخ محمد حسن النجفي صاحب «جواهر الكلام» أنّه قال: إنّالفقيه إذا كان بين يديه «جامع المقاصد» و«وسائل الشيعة» و«الجواهر» استغنى عن أي مصدر آخر، وكان بإمكانه استنباط الحكم الفقهي اعتماداً على هذه المصادر الثلاثة. (1)
____________
1 . جواهر الكلام:1|14؛ لاحظ المستدرك:3|431، الفائدة الثالثة.


( 358 )
ونقل عن صاحب العروة أنّه يكفي للمجتهد في استنباطه للاَحكام أن يكون عنده كتاب «جامع المقاصد» و«الوسائل» و «مستند الشيعة».
وأمّا سائر آثاره الفقهية فتنتهي إلى 32 كتاباً ورسالة نذكر بعضها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقدّمة «جامع المقاصد». (1)
نعم انّ الشيخ أوّل من أورد المسائل الحكومية إلى الساحة الفقهية، لما تمتع به من منصب في الدولة الصفوية، وسيأتي الحديث عنه عند البحث عن حصيلة الجهود التي بذلت في القرن العاشر.
2. الرسالة الخراجية المسمّاة بـ«قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج».
3. رسالة الجمعة.
4. الرسالة الرضاعية.
وغيرها من التأليفات التي نافت على 32 تأليفاً.

4. إبراهيم القطيفي (المتوفّى عام945هـ)
هو كما يعرّفه صاحب الرياض :الاِمام، الفقيه، الفاضل، العالم، الكامل، المحقّق، المدقّق، المعاصر للشيخ علي الكركي العاملي، المعروف بـ«المحقّق الثاني»، وكان هو والشيخ عز الدين الآملي والشيخ علي الكركي شركاء الدرس عند الشيخ علي بن هلال الجزائري، وكان زاهداً، عابداً، ورعاً، مشهوراً، تاركاً للدنيا برمّتها.
وقد دارت بينه وبين زميله الشيخ علي الكركي مساجلات ومناظرات في مسائل فقهية أهمها مسألة الخراج كما سيوافيك.

____________
1 . مقدّمة جامع المقاصد:41ـ43.


( 359 )
و ذكر صاحب الروضات أسماء تآليفه الفقهية بالنحو التالي:
1.«الهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الاِرشاد».
2. «نفحات الفوائد ومفردات الزوائد».
3. رسالة في أحكام الرضاع.
4. رسالة في محرّمات الذبيحة.
5. رسالة في الصوم ينقل عنه الاَردبيلي في «مجمع الفائدة».
6. رسالة في أحكام الشكوك.
7. شرحه على ألفية الشهيد.
8. تعليقات كثيرة على الشرائع. (1)
ومن المسائل التي خالف فيها المحقّق الكركي هو مسألة حل الخراج، ففي الواقع كان المحقّق الكركي يوَيد الحكومة الصفوية لا سيما الشاه طهماسب، وكان القطيفي على خلافه.
فألّف المحقّق كتابه «قاطعة اللجاج في تحقيق الخراج» عام 916هـ، رتّبه على مقدّمة في أقسام الاَرضين وخمس مقالات، وقد طبعت مع الرسائل الرضاعيات.
ونقضها الشيخ إبراهيم القطيفي بكتاب أسماه «السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج».
وصارت المسألة موضع نقاش حاد بين العلماء، فألّف المحقّق الاَردبيلي رسالة دافع فيها عن القطيفي، كما ألّف ماجد الشيباني رسالة دافع فيها عن

____________
1 . رياض العلماء:1|15، روضات الجنات:1|25ـ27 برقم 3.

( 360 )
الكركي، والكتابان الاَوّلان مطبوعان.
ومن فتاواه حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة مطلقاً ردّاً على المحقّق الكركي القائل بوجوبها مع وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى.
إنّ الخلاف بين المحقّق الكركي والقطيفي لم يكن سياسياً كما زعمه بعض، بل انّ منشأه انّ الخراج إنّما يوَخذ من الاَراضي التي فتحت عنوة بإذن الاِمام وكانت معمورة عند الفتح ولم يثبت وقفيتها أو لم يدّع أحد انّ بيده ملكيّتها، ففي مثل تلك الاَراضي يوَخذ الخراج و يصرف في مصالح المسلمين.
فالقطيفي ومن أيّده كالاَردبيلي يدعون عدم ثبوت هذه الشروط في الاَراضي التي يوَخذ منها الخراج. (1)

5. زين الدين الجبعي العاملي (911ـ966هـ)
هو الشيخ الاَجل زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن نقي الدين بن صالح (تلميذ العلاّمة) العاملي، الجبعي، المعروف بـ «الشهيد الثاني».
يعرّفه الحر العاملي بقوله: أمره في الثقة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجلالة القدر وعظم الشأن وجمع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، ومصنّفاته كثيرة مشهورة.
كان (رحمه الله) فقيهاً، محدثاً، نحوياً، قارئاً، متكلماً، حكيماً، جامعاً لفنون العلم، وقد ألّف تلميذه محمد العودي العاملي رسالة في ترجمة الشهيد منذ

____________
1 . لاحظ الرسالتين الخراجيتين للاَردبيلي، المطبوعتين مع سائر رسائله.


( 361 )
ولادته إلى شهادته بالقسطنطينية سنة 966هـ.
وأمّا تصانيفه المفعمة بالتحقيق فكثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:
1.«مسالك الافهام في شرح شرائع الاِسلام» وقد طبع قديماً في جزءين كبيرين، وأُعيد طبعه بصف جديد خرج منه إلى الآن اثنا عشر جزءاً، ولو خرجت جميع أجزائه ربما بلغ عشرين جزءاً، وهو أحسن كتاب جمع بين التلخيص في التعبير والتحقيق في المادة والمعنى، وليس له نظير بين المتقدّمين والمتأخرين.
2. «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» وهي دورة فقهية تضم جميع أبواب الفقه، وبما أنّه جمع بين حسن التعبير و الاختصار في الاستدلال على الحدّ اللازم صار كتاباً دراسياً منذ قرون ومازال يدرّس في الجامعات الاِسلامية الشيعية إلى يومنا هذا، وعليها تعليقات كثيرة.
وأمّا سائر تآليفه الفقهية فحدث عنها ولا حرج، وقد سرد أسماءها الحر العاملي في كتابه القيم «أمل الآمل». (1)
يروي عنه: السيد علي بن الصائغ الفقيه المشهور صاحب شرح الشرائع، والسيد نور الدين عبد الحميد الكركي العاملي، والمولى محمود بن محمد بن علي الجيلاني، والشيخ محيي الدين بن أحمد بن تاج الدين الميسي العاملي، والشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري، والشيخ بهاء الدين بن العودي وهو من خواص تلامذته، والشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي والدُ الشيخ بهاء الدين العاملي، والسيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي وهو صهره الذي كان والد سبطه السيد محمد صاحب المدارك. (2)
____________
1 . أمل الآمل: 1|85، وروضات الجنات: 3|352 برقم 306، رياض العلماء:2|365.
2 . رياض العلماء:2|366.

( 362 )
وقد يتصوّر المرء في بدو الاَمر انّ الشهادة كتبت على أبطال رفعوا السلاح في ميادين الجهاد وساحات الوغى، ولكن عندما يتصفّح صفحات التاريخ ويقف على سيرة علمائنا الاَبرار يجد انّهم جمعوا بين اللسان والحسام، وخدموا الشريعة بيراعهم وأقلامهم وبدمائهم وأرواحهم، وشيخنا هذا من أبرز مصاديق تلك الزمرة.فقد استعرض التاريخ لنا كيفية شهادته المفجعة . (1)

6. الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918ـ 984هـ)
الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي، والد شيخنا بهاء الدين العاملي، يصفه أُستاذه زين الدين الشهيد الثاني، بقوله: الشيخ الاِمام العالم الاَوحد، المرقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين، عضد الاِسلام والمسلمين في الدنيا والدين، حسين بن الشيخ الصالح العالم العامل المتقي، خلاصة الاَخيار، الشيخ عبد الصمد بن الشيخ الاِمام شمس الدين محمد الشهير بالجبعي الحارثي الهمداني. (2)
ولعلّ هذه الكلمة من أُستاذه تعرب عن مكانة الرجل في العلم والفقه والاَمانة، وآثاره تدل على تضلّعه في الفقه، وقد ترك آثاراً فقهية نذكر منها ما يلي:
1. رسالة في تعارض اليد والشياع وتقديمه على اليد.
2. رسالة في المسح على الرجلين.
3. رسالة في تحقيق تسع مسائل مهمة في الصلاة، المعبّر عنه بـ«الرسالة التساعية».
4. مسائل الصلاة، أو الرسالة الطهماسبية، في بعض المسائل الفقهية.

____________
1 . أمل الآمل: 1|88 ـ 99.
2 . طبقات أعلام الشيعة:62، القرن العاشر.


( 363 )
ولمّا توفي (قدس سره) ، رثاه ولده الاَكبر شيخنا بهاء الدين العاملي بقصيدة مطلعها:
قف بالطلول وسلها أين سلماها * وروِّ من جرع الاَجفان جرعاها (1)

7. علي بن الحسين الصائغ العاملي (المتوفّى عام980هـ)
هو علي بن الحسين بن محمد الشهير بـ « الصائغ» الحسيني العاملي الجزيني.
عرّفه الحر العاملي بقوله: كان فاضلاً، عابداً، فقيهاً، محدّثاً، محقّقاً، ومن تلامذة الشهيد الثاني، له كتاب «شرح الشرائع» رأيته بخطه وكتاب «شرح الاِرشاد» وغير ذلك.
قرأ عنده الشيخ حسن(صاحب المعالم) ابن الشهيد الثاني، والسيد محمد بن علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي (صاحب المدارك) ورويا عنه.
ولمّا توفي رثاه الشيخ حسن المذكور بقصيدة تتألّف من 24 بيتاً مطلعها:

داعي الغواية بين العالمين دعا * من شاب نجم الهدى من بعد ما سطعا (2)

يقول الاَفندي: يروى عنه المحقّق الاَردبيلي، وانّ شرحه على الاِرشاد موسوم بـ«مجمع البيان في شرح إرشاد الاَذهان» وقد رأيت منه نسخة بقصبة «ده خارقان»، وقد قُرئت تلك النسخة عليه، وكان تاريخ تأليفه سنة 979هـ.
وكفى في جلالته انّه من مشايخ الاَردبيلي، الذي تربّى في أحضانه العلمان الجليلان صاحبا المعالم والمدارك.

____________
1 . ولشيخنا المترجم ترجمة وافية في الغدير، ذكر فيه مشايخه وتلاميذه، فمن أراد فليرجع إلى الجزء11|217ـ231.
2 . أمل الآمل:1|119 برقم 123.

( 364 )

8. عبد العالي الكركي (926ـ 993هـ)
هو الشيخ عبد العالي بن نور الدين علي بن عبد العالي العاملي الكركي.
يعرّفه الحر العاملي بقوله: كان فاضلاً، فقيهاً، محقّقاً، محدّثاً، متكلماً، عابداً، من المشايخ الاَجلاّء، يروي عن أبيه وغيره من المعاصرين.
وذكره التفرشي في «رجاله» وقال: جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، نقيّ الكلام، كثير الحفظ، كان من تلامذة أبيه، تشرّفت بخدمته، وقد توفي باصبهان عام 993هـ. (1)
وأمّا آثاره العلمية
1. «اللمعة في عدم عينية الجمعة».
2. رسالة في القبلة عموماً، وقبلة خراسان خصوصاً.
إلى غير ذلك من التآليف.

9. المحقّق أحمد الاَردبيلي (المتوفّى عام993هـ)
المولى أحمد بن محمد الاَردبيلي، أمره في الجلالة والثقة والاَمانة أشهر من أن يذكر، وفوق ما تحوم حوله عبارة، كان متكلّماً، فقيهاً عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع المنزلة، أورع أهل زمانه، وأعبدهم وأتقاهم. (2)
يعرّفه المحدّث البحراني بقوله: لم يسمع بمثله في الزهد والورع، له

____________
1 . أمل الآمل:1|110 برقم 100. وانظر ترجمته في نقد الرجال: 188ـ 189؛ طبقات أعلام الشيعة:122، القرن العاشر ؛ روضات الجنات: 4|199.
2 . الاَفندي التبريزي: الرياض:1|56؛ طبقات أعلام الشيعة:8، القرن العاشر.


( 365 )
مقامات وكرامات لا مجال لذكرها.
وكانت السلطة الصفوية آنذاك بيد الشاه عباس الصفوي، وكان يبالغ في تعظيمه وتمجيده، ويرسل إليه بكلّ جميل، و يستدعي من جنابه القدوم إلى إيران، وهو يتحاشى عن قبول ذلك.
وقد خلّف أثرين عظيمين في الفقه قلّما يوجد لهما مثيل هما:
1. «مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الاَذهان» وقد طبع في اثني عشر جزءاً، وهو مفعم بالتحقيق ومشحون بالدّقة، وهو دورة فقهية كاملة، وموسوعة كبيرة تشمل جميع أبواب الفقه، إلاّ كتاب النكاح، وقد اعترف بدقته وفضله كلُّ من تأخّر عنه، وهو المجدّد في أكثر المسائل الفقهية ومع أنّه كان يرجع إلى كلمات الفقهاء، ولكن لا يصدر عنها تقليداً، فرغ من الجزء الاَوّل عام 978هـ، قال في آخر هذا الجزء: وقع اختتامه في عاشر ربيع الاَوّل المنتظم في شهور سنة 978هـ في مشهد أمير الموَمنين، أمير الاَُمراء عليه وعلى حبيبه سيد الاَنبياء، وأولاده سادات الاَتقياء أفضل التحية والثناء، في زمن الاختفاء من الاَعداء. (1)
إنّ للمحقّق الاَردبيلي في هذا الكتاب آراءً خاصّة، خالف فيها الرأي المشهور بين العلماء، وقد نشر موَتمر إحياء الذكرى المئوية على وفاة المحقّق الاَردبيلي مجموعة من هذه الآراء في الجزء الثاني من المقالات المنتشرة في ذلك الموَتمر.
وتعرب آراوَه عن دقّته وحريته في الرأي، وعمق تفكيره، ونظرته الفاحصة نحو المسائل الفقهية.
2. «فقه القرآن»: المسمّى بـ«زبدة البيان في أحكام القرآن» فسّر فيه آيات

____________
1 . لاحظ مجمع الفائدة:3|445.

( 366 )
الاَحكام الواردة في القرآن المجيد، وهو ـ بعد كنز العرفان ـ أبسط كتاب حول الموضوع، وقد فرغ من تأليفه سنة 989هـ، و وقع موضع العناية من قبل العلماء، فشرحه بعضهم، وعلّق عليه آخرون.
وهو ككتابه السابق مشحون بالتحقيق، وأمّا منهج الموَلّف في هذا الكتاب، يشرح اللّغات المشكلة، ثمّ يبيّن النكات الاَدبيّة، ويفسّر الآيات على ضوئهما، ثمّ يتطرّق إلى الاَحكام التي تدل عليها الآية، وهو في تأليفه هذا متأثر بكتاب «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي.
وقد شهد القرن العاشر محقّقين كبيرين على صعيد الفقه، أحدهما المحقّق الكبير الشيخ أحمد الاَردبيلي، والثاني الشيخ علي الكركي المعروف بـ«المحقّق الكركي» صاحب جامع المقاصد كما مرّ ذكره.
كما يكفيه من الفضل انّه ربّى فقيهين جليلين، هما: الشيخ حسن صاحب المعالم، والسيد محمد صاحب المدارك، وكلاهما من أعلام الفقه وحملة الاَقلام. (1)

10. الحسين المجتهد الكركي (المتوفّى عام1001هـ)
هو السيد الحسين المجتهد الكركي ابن السيد ضياء الدين أبي تراب الحسن ابن أبي جعفر محمد الموسوي الكركي.
يعرّفه الاَفندي التبريزي بقوله: الفقيه، الفاضل، الجليل، الكامل، المعروف بالاَمير السيد حسين المجتهد، وقد يعرف بالاَمير السيد حسين المفتي، والد الميرزا حبيب اللّه المشهور، الذي تسلم مناصب رفيعة في عهد الصفوية، وهو ابن أُخت الشيخ عبد العالي بن الشيخ علي الكركي المشهور، وكان والده من

____________
1 . طبقات أعلام الشيعة:8، القرن العاشر.


( 367 )
جملة مشايخ الشهيد الثاني، ومن أكابر العلماء، ومن مشايخ الشيخ حسين بن عبد الصمد، والد شيخنا بهاء الدين العاملي، وقد تخرّج عليه الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ ظهير الدين إبراهيم البحراني.
وأمّا آثاره العلمية الفقهية، فهي:
1. «رفع البدعة في حل المتعة» وصفه الاَفندي بقوله:وهي رسالة طويلة الذيل، حسنة الفوائد، وعندنا منها نسخة، وقد ألّفها لكمال الدين شيخ أويس.
2. رسالة «اللمعة في أمر صلاة الجمعة» فرغ من تأليفها سنة 966هـ وقد ألّفها للسلطان شاه طهماسب، ويذهب فيها إلى وجوب صلاة الجمعة تخييراً لكن شريطة أن يكون إمام الجمعة فقيهاً مجتهداً جامعاً لشرائط الفتوى، وردَّ فيها على ما ذكره الشهيد الثاني من الاَدلّة على وجوبها عيناً.
3. «النفحات القدسية في أجوبة المسائل الطبرسية».
4. «الاقتصاد».
5. «شرح الشرائع» خرج منه كتاب الطهارة.
إلى غير ذلك من الرسائل والمصنّفات في الفقه والعقائد وغيرها. (1)
يقول شيخنا المجيز : توفي بأردبيل بالطاعون، وحمل إلى العتبات المقدسة سنة 1001هـ، ثمّ اعتذر عن ذكره في عداد فقهاء القرن العاشر بقوله: وذكرنا المترجم له هاهنا مع أنّه توفي عام 1001هـ لشدّة احتكاك ترجمته مع أهل المائة العاشرة.

____________
1 . لاحظ، طبقات أعلام الشيعة:71، القرن العاشر، فقد ذكر فهرس تآليفه على وجه التفصيل، الاَفندي التبريزي: الرياض: 2|62ـ 69؛وأمل الآمل:1|69 برقم 63.