كتاب تاريخ الفقه الإسلامي وأدوارُهُ للأستاذ جعفر السبحاني ص 309 - ص 338
( 309 )

3. شمس الدين فخار بن معد بن فخار (المتوفّى 630هـ)
شمس الدين فخار بن معد بن فخار الموسوي الحائري، قال الشيخ الحر العاملي: كان عالماً، فاضلاً، أديباً، محدثاً، له كتب، منها: كتاب «الرد على الذاهب إلى تكفير أبي طالب» حسن جيد، وغير ذلك، يروي عنه المحقّق المتوفّى (676هـ) ويروي هو عن ابن إدريس الحلّي، وعن ابن شاذان بن جبرئيل القمي وغيرهما. (1)
ووصفه شيخنا الشهيد الثاني في إجازته: بإمام الاَُدباء والفقهاء.
ويروي عنه من علماء أهل السنّة ابن أبي الحديد (المتوفّى 655هـ) وأبو الفرج الجوزي ، والقاضي أبو الفتح محمد بن أحمد المنداني الواسطي، الذي يروي هو عن ابن الجواليقي وغيره. (2)

4. نجيب الدين محمد بن جعفر بن نما الحلي (565 ـ 645هـ)
إنّ بيت ابن نما من أعرق البيوت العلمية في الحلّة الفيحاء، التي انجبت العديد من العلماء الفطاحل الذين ضنّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، فلنقتصر على ترجمة الوالد والولد.
أمّا الوالد، فهو نجيب الدين أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما ابن علي بن حمدون الحلّي، شيخ الفقهاء في عصره، أحد مشايخ المحقّق الحلّي المتوفّى (676هـ) و الشيخ سديد الدين، والد العلاّمة الحلّي، و السيد أحمد بن طاووس، والسيد رضي الدين بن طاووس.

____________
1 . أمل الآمل: 2|214 برقم 646.
2 . وقد ترجمه الخوانساري في «روضات الجنات»:5|346 برقم 540، و البحراني في لوَلوَة البحرين:280، والنوري في مستدرك الوسائل: 3|479.


( 310 )
قال المحقّق الكركي في وصف المحقّق الحلّي: وأعْلَمُ مشايخه بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الاَوحد محمد بن نما الحلّي، وأجلّ أشياخه الاِمام المحقّق قدوة المتأخرين فخر الدين محمد بن إدريس الحلّي العجلي برّد اللّه مضجعه.
فالمترجَم من خريجي مدرسة ابن إدريس.
وأمّا الولد، فهو الشيخ الفقيه نجم الدين جعفر بن محمد بن هبة اللّه بن نما الحلي، كان عظيم الشأن، جليل القدر، من مشايخ آية اللّه العلاّمة الحلّي المتوفّى (726هـ) وصاحب المقتل الموسوم بـ «مثير الاَحزان».
فالوالد من مشايخ المحقّق الحلّي، والولد من مشايخ العلاّمة الحلّي، ويظهر من القصيدة التي نظمها جواباً لبعض الحاسدين انّ بيت ابن نما كان بيتاً رفيعاً مرموقاً مشهوراً بالفضائل، قال:
أنا ابن نما إن نطقت فمنطقي * فصيح إذا ما مصقع القوم اعجما
بنى والدي نهجاً إلى ذلك العلى * بأفعاله كانت إلى المجد سلّما
كبنيان جدي جعفر خير ماجدٍوجدي * فقد كان بالاِحسان والفضل مغرماً
أبا الخير الفقيه أبي البقا * فما زال في نقل العلوم مقدما (1)

5. المحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن
سعيد الحلّي (602ـ 676هـ)
هو الشيخ أبو القاسم نجم الملة والدين، الملقّب بالمحقّق على الاِطلاق،

____________
1 . اقرأ ترجمة الوالد والولد في روضات الجنات: 6|294 برقم 586، 2|179برقم 169، والكنى والاَلقاب:1|441، وغيرها.


( 311 )
الغني عن الاِطراء، المشهور بالآفاق بتلاميذه وتآليفه، ويكفي في مقامه انّ كتابه «شرائع الاِسلام» أصبح كتاباً دراسياً منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وصار محطاً للشرح و التعليق عبر القرون، وقد وصفه العلاّمة الحلّي في إجازته لبني زهرة من أنّه كان أفضل أهل عصره في الفقه، واستدركه الشيخ حسن صاحب المعالم بقوله: لو كان ترك التقييد بأهل زمانه كان أصوب إذ لا أرى في فقهائنا مثله على الاِطلاق.
وذكره ابن داود في «رجاله» بقوله: جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي، شيخنا نجم الدين، أبو القاسم المحقّق المدقّق الاِمام العلاّمة، واحد عصره، كان ألسَن أهل زمانه، وأقومَهم بالحجة، وأسرعهم استحضاراً، وقرأت عليه، وربّاني صغيراً، وكان له عليّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنّفه وقرأه ورواه، وكلّ ما يصح روايته عنه. توفي في شهر ربيع الآخر سنة 676هـ، وله تصانيف حسنة محقّقة محررة عذبة، فمنها: كتاب «شرائع الاِسلام» مجلدان، وكتاب «المختصر النافع» مجلد، وكتاب «المعتبر في شرح المختصر» لم يتم مجلدان، وكتاب «نكت النهاية » مجلدان، وكتاب :«المسائل الغرية» مجلد، وكتاب «المسائل المصرية» مجلد، وكتاب «المسلك» في أُصول الدين مجلد، وكتاب «الكهنة» في المنطق مجلد، وله كتب أُخرى ليس هذا موضع استيفائها فأمرها ظاهر، وله تلاميذ فقهاء فضلاء. (1)
حكي أنّ المحقّق نصير الدين الطوسي حضر درس المحقّق وطلب منه إكمال الدرس، فجرى البحث في مسألة استحباب التياسر (يعني في العراق) فقال المحقّق الطوسي: لا وجه للاستحباب، لاَنّ التياسر إن كان من القبلة إلى

____________
1 . ابن داود: الرجال:1برقم 300؛ وانظر ترجمته في روضات الجنات:2|183، برقم 170. ولشيخنا المحقّق ترجمة وافية في غير واحد من الكتب، فلاحظ رجال ابن داود: القسم الاَوّل برقم300، وأعيان الشيعة: 4|89 ، مقابس الاَنوار:12، والكنى والاَلقاب:2|154.

( 312 )
غيرها فهو حرام، وإن كان من غيرها إليها فواجب، فقال المحقّق في الحال: بل منها إليها، فسكت المحقّق الطوسي.
ثمّ ألّف المحقّق في ذلك رسالة لطيفة أوردها الشيخ أحمد بن فهد في «المهذّب» بتمامها، وأرسلها إلى المحقّق الطوسي فاستحسنها، وكان مرجع أهل عصره في الفقه، يروي عن أبيه عن جده يحيى الاَكبر. (1)
إنّ كلّ ما انتج يراع شيخنا المحقّق أثر خالد على جبين الدهر، لا سيّما كتابيه «شرائع الاِسلام» و «المعتبر»، فإنّ لهما قيمة علمية كبيرة لم تتطاول يد الزمان عليهما.
فكتاب شرائع الاِسلام في مسائل الحلال والحرام، وهو من أحسن المتون الفقهية ترتيباً، وأجمعها للفروع، وقد ولع به الاَصحاب من لدن عصر موَلّفه إلى الآن، ولا يزال من الكتب الدراسية في حواضر العلم الشيعية، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة فاتخذوه محوراً لبحوثهم ودراساتهم، وكتبوا عليه شروحاً وحواشي كثيرة، ويكفيك انّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة التي أُلّفت بعد عصر المحقّق كلّها شروح له، وقد ذكر أسامي تلك الشروح شيخنا المجيز في «الذريعة إلى تصانيف الشيعة». (2)
وأمّا كتاب «المعتبر في شرح المختصر» فقد شرح فيه كتابه الآخر«المختصر النافع» الذي هو مختصر كتابه «شرائع الاِسلام» خرج منه العبادات إلى كتاب الحج وبعض التجارات، وطبع أخيراً في جزءين.
والكتاب من أنفس الكتب الفقهية الاستدلالية لا يقاس بغيره، وقد كان السيد المحقّق البروجردي (1292ـ1380هـ) يذكره في دروسه الشريفة بإجلال وإكبار، ويقول لم يوَلّف على غراره تأليف.

____________
1 . الكنى والاَلقاب:2|154.
2 . الذريعة:13|47 برقم 161.

( 313 )

6. أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس (المتوفّى 673هـ)
يعرفه تلميذه ابن داود بقوله: سيدنا الطاهر، الاِمام المعظّم، فقيه أهل البيت جمال الدين أبو الفضائل، مات سنة ثلاث وسبعين وستمائة، مصنف، مجتهد، كان أورع فضلاء زمانه، قرأت عليه أكثر «البشرى» و«الملاذ» وغير ذلك من تصانيفه، وأجاز لي جميع تصانيفه ورواياته، وكان شاعراً مصقعاً، بليغاً منشئاً مجيداً، من تصانيفه: كتاب «بشرى المحقّقين» في الفقه ستة مجلدات، وكتاب «الملاذ» في الفقه أربعة مجلدات، كتاب «الكر» مجلد، كتاب «السهم السريع» في تحليل المبايعة مع القرض مجلد، كتاب «الفوائد العدة» في أُصول الفقه مجلد، كتاب «الثاقب المسخر على نقض المشجر» في أُصول الدين، كتاب «الروح» نقضاً على ابن أبي الحديد، كتاب «شواهد القرآن» مجلدان، كتاب «بناء المقالة العلوية في نقض الرسالة العثمانية» مجلد، كتاب «المسائل» في أُصول الدين مجلد، كتاب «عين العبرة في غبن العترة» مجلد، كتاب «زهرة الرياض» في المواعظ مجلد، كتاب «الاختيار في أدعية الليل والنهار» مجلد، كتاب «الازهار» في شرح لامية مهيار مجلدان، كتاب «عمل اليوم والليلة» مجلد، وحقق الرجال والرواية والتفسير تحقيقاً لا مزيد عليه، رباني وعلمني وأحسن إليّ، وأكثر فوائد هذا الكتاب من إشاراته وتحقيقاته جزاه اللّه عنّي أفضل جزاء المحسنين. (1)
وممّا يجب إلفات نظر القارىَ إليه هو انّه (قدس سره) أوّل من اخترع تفريع الخبر إلى أقسامه الاَربعة المشهورة: الصحيح، الحسن، الموثق، والضعيف، بعدما كان الصحيح عند القدماء بغير المعنى الذي اصطلحه هو عليه، وقد ذكرنا وجه

____________
1 . ابن داود الحلي: الرجال، برقم 137؛وانظر ترجمته في روضات الجنات:7|66 برقم 15، والكنى والاَلقاب:1|340، إلى غير ذلك من الكتب.


( 314 )
الفرق وسبب تنويع الاَخبار إلى الاَقسام الاَربعة في كتابنا «كليات في علم الرجال». (1)
وممّا يوَسف له انّ موسوعاته الفقهية باسم «بشرى المحقّقين» في ستة أجزاء، وكتاب «ملاذ العلماء» في أربعة أجزاء ممّا لعب به الزمان، فلم نعثر على نسخة منها.
ثمّ إنّ من تآليفه «حلّ الاِشكال في معرفة الرجال» وكانت نسخة الكتاب موجودة عند الشهيد الثاني، ثمّ انتقلت إلى ولده الشيخ حسن صاحب المعالم، فجدّد صياغة الكتاب وأسماه بـ«التحرير الطاووسي».
وقد صبت الحركة الاَخبارية ـ التي ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر ـ حمم غضبها على ابن طاووس وتلميذه العلاّمة الحلّي من جرّاء تنويعهما الاَخبار بهذا النحو الذي ذكرناه.

7. الفقيه البارع يحيى بن سعيد الحلي (601ـ689)
عرّفه ابن داود في رجاله بقوله: يحيى بن أحمد بن سعيد، شيخنا الاِمام الورع القدوة، كان جامعاً لفنون العلم الاَدبية والفقهية والاَُصولية، وكان أورع الفضلاء وأزهدهم، له تصانيف جامعة للفوائد، منها: كتاب «الجامع للشرائع» في الفقه، كتاب «المدخل» في أُصول الفقه، وغير ذلك، مات سنة 689هـ. (2)
وقال الاَفندي التبريزي في كتابه القيم «رياض العلماء»: كان (قدس سره) مجمعاً على فضله وعلمه بين الشيعة وعظماء أهل السنّة. (3)
____________
1 . كليات في علم الرجال: 359.
2 . ابن داود: الرجال: برقم 1660.
3 . رياض العلماء: 5|336.


( 315 )
قال السيوطي في «بغية الوعاة» في طبقات اللغويين والنحاة نقلاً عن الذهبي انّه قال: لغوي، أديب، حافظ للآثار، بصير باللغة والاَدب، من كبار الرافضة. (1)
وقد ترجمنا له ترجمة وافية في تقديمنا لكتابه«الجامع للشرائع».
ومن لطائف آثاره كتابه«نزهة الناظر في الجمع بين الاَشباه والنظائر» وقد غفل عن ذكره ابن داود في «رجاله» وهو كتاب شيق في الفقه يذكر لمسألة واحدة نظائرها وأشباهها.
وقد طبع من آثاره: «الجامع للشرائع» بتقديم منّا و«نزهة الناظر».

8. غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (648ـ693هـ)
يعرّفه المحدّث النوري في «المستدرك» بقوله: نادرة الزمان، وأُعجوبة الدهر، صاحب المقامات والكرامات.
ويعرّفه أيضاً تلميذه ابن داود في «رجاله»: سيدنا الاِمام المعظّم، غياث الدين، الفقيه النسّابة النحوي العروضي الزاهد العابد أبو المظفر، انتهت رئاسة السادات وذوي النواميس إليه، وكان أوحد زمانه، حائري المولد، حلّي المنشأ، بغدادي التحصيل، كاظمي الخاتمة، ولد في شعبان سنة 648هـ، وتوفي في شوال سنة 693هـ، وكان عمره خمساً وأربعين سنة وشهرين وأياماً، كنت قرينه طفلين، إلى أن توفّي قدس اللّه روحه، ما رأيت قبله ولا بعده بخلقه وجميل قاعدته وحلو معاشرته ثانياً، ولا لذكائه وقوة حافظته مماثلاً، ما دخل في ذهنه شيء فكاد ينساه، حفظ القرآن في مدّة يسيرة وله إحدى عشرة سنة، استقل بالكتابة واستغنى عن المعلم في أربعين يوماً وعمره إذ ذاك أربع سنين، ولا تحصى مناقبه وفضائله.

____________
1 . بغية الوعاة:2|331.


( 316 )
له كتب، منها: كتاب «الشمل المنظوم في مصنفي العلوم» ما لاَصحابنا مثله، وكتاب «فرحة الغري» وغير ذلك. (1)

9. سديد الدين يوسف بن المطهّر الحلّي
هو الشيخ يوسف بن الشيخ شرف الدين علي بن مطهّر الحلّي، والد العلاّمة الحلّي، وأُستاذه الاَقدم في الفقه والاَدب والاَُصول، يعرفه ابن داود في «رجاله» بقوله: كان فقيهاً، محقّقاً، مدرساً، عظيم الشأن. (2)
وقال الحر العاملي: فاضل، فقيه، متبحر، نقل ولده العلاّمة أقواله في كتبه.(3)
ويكفي في عظمته وسعة آفاق علمه انّ ولده العلاّمة تتلمذ عليه.
ويظهر من أجوبة العلاّمة لاَسئلة السيد المهنا انّ والده كان فقيهاً فحلاً، حيث يذكر هناك ما دار بينه وبين والده من الاختلاف في مسألة، فمن أراد فليرجع إليه. (4)

10. الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي (كان حياً عام 673هـ)
هو عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي المكنّى بـ«أبي زينب» المعروف بالفاضل الآبي، وصفه العلاّمة المامقاني بقوله: عالم، فاضل.
ترجمه العلاّمة الطباطبائي بقوله: أحد تلامذة المحقّق الحلّي وشارح كتابه

____________
1 . ابن داود: الرجال: برقم 947.
2 . ابن داود: الرجال: برقم 461.
3 . أمل الآمل:2| برقم 1081.
4 . أجوبة المسائل المهنائية.


( 317 )
«النافع» المسمّى «كشف الرموز» وهو أوّل من شرح هذا الكتاب، عالم، فاضل، محقّق، فقيه، قوي الفقاهة، حكى الاَصحاب كالشهيدين والسيوري وغيرهم أقواله ومذاهبه في كتبهم، ويعبرون عنه بالآبي وأبي زينب، وشارح النافع، وتلميذ المحقّق. وشهرة هذا الرجل دون فضله وعلمه أكثر من ذكره ونقله، وكتابه «كشف الرموز» كتاب حسن مشتمل على فوائد كثيرة وتنبيهات جيدة مع ذكر الاَقوال والاَدلّة على سبيل الاِيجاز والاختصار، ويختص بالنقل عن السيد ابن طاووس أبي الفضائل في كثير من المسائل، وله مع شيخه المحقّق مخالفات ومباحثات في كثير من المواضع؛ وهو ممّن اختار المضايقة في القضاء، وتحريم الجمعة في زمان الغيبة، وحرمان الزوجة من الرباع وإن كانت ذات ولد، وقد فرغ من كتابه سنة 672هـ. (1)
وقد توفي المحقّق الماتن عام 676هـ وشيخنا الآبي قد فرغ من شرح الكتاب والماتن على قيد الحياة.
يقول في مقدّمة الكتاب: بعد ذكر توجهه إلى الحلة السيفية، يعرّفها بقوله: فكم بها من أعيان العلماء بهم التقيت، والمعارف الفقهاء، بأيّهم اقتديت اهتديت؛ وكان صدر جريدتها، وبيت قصيدتها، جمال كمالها، وكمال جمالها، الشيخ الفاضل الكامل، عين أعيان العلماء، ورأس روَساء الفضلاء، نجم الدين حجّة الاِسلام أبا القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد عظّم اللّه قدره وطوّل عمره.
فاستسعدت بهاء طلعته، واستفدت من جَني ثمرته في كلّ فصل من كلّ فن، وصرفت أكثر همي وسابق فهمي إلى العلوم الدينية الفقهية والكلامية، إذ لا تدرك إلاّ بكمال العقل وصفاء الذهن، وعليها مدار الدين وتحقيق اليقين. (2)
____________
1 . انظر إلى الفوائد الرجالية: 2|179 وترجمه أيضاً المامقاني في تنقيح المقال: 1|267.
والحقّانّ فضل الرجل قد اختفى، لاَجل عدم توفر ترجمة وافية له في المعاجم.
2 . المحقّق الآبي: مقدّمة كشف الرموز:1|38.

( 318 )
ثمّ يذكر انّ لاَُستاذه المحقّق كتابين: 1. شرائع الاِسلام، 2. منتخبه النافع.
فيقول: التمس منّي بعض إخواني في الدين أن أكشف قناع الاِشكال عن رموزات كتاب «النافع» أعني: كتاب «مختصر الشرائع» إلى أن يقول: فوجدت طاعته راحة، وإجابته طاعة، فقمت به مستعيناً بمسبّب الاَسباب ومسهّل الصعاب.
ويقول في آخر الكتاب:واتّفق فراغ مصنّفه في سنة 672هـ، وكلّما يذكر قول الماتن يردفه بقوله دام ظله إلى آخر الكتاب، و هو يدل على أنّ التلميذ برع في عهد أُستاذه حتى صنّف دورة فقهية استدلالية في زمن الموَلّف، وقد طبع الكتاب في جزءين طبعة محقّقة.

11. الشيخ عماد الدين علي بن محمد الطبري (كان حياً عام 698هـ)
عماد الدين الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حسن الطبري المعروف بـ«عماد الدين الطبري» كان حياً سنة 698هـ.
يعرّفه سيدنا الاَمين بقوله: متكلّم، فقيه، معاصر للمحقّق الطوسي والمحقّق الحلّي، وأقواله منقولة في كتب الفقه، ويعبّرون عنه فيها بالعماد الطبري، وبعماد الدين الطبري، وقد نقل شيخنا الشهيد الثاني رأيه في رسالة الجمعة، وليس رأيه إلاّ أنّ وجوب الجمعة موقوف على حضور السلطان العادل المبسوط اليد. (1)
وقال الاَفندي التبريزي: هو عالم، فاضل، متبحّر، جامع، دين، كان من أفاضل علماء طبرستان، ومن المعاصرين لنصير الدين الطوسي.
وقد ألّف في غير واحد من الموضوعات تربو على17 كتاباً، ففي الفقه

____________
1 . السيد الاَمين: أعيان الشيعة:5|212.


( 319 )
ألّف «المنهج» في فقه العبادات، والاَدعية والآداب الدينية، وكتاب «العمدة» في أُصول الدين وفروعه الفرضية والنقلية، و«نهج الاِيمان إلى هداية الاِيمان» وهو أيضاً في الفروع الفقهية.
إلى غير ذلك من التآليف.
ويظهر من كتابه«أسرار الاِمامة» انّه كان حياً إلى سنة 698هـ فقال: حين البحث عن الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف: فإن قيل ألا يمكن أن يعيش أحد من سنة 255 إلى سنة 698.... (1)

حصيلة الجهود الفقهية في القرن السابع
إنّ هذا القرن يوَلِّف جزءاً من الدور الرابع، ولكنّه بالنسبة إلى سائر القرون قرن زاهر بالفقهاء العظام الذين يضنَّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، فقد ساهموا مساهمة فعّالة في تنشيط الحركة الفقهية والاَخذ بزمامها نحو الاَمام، و تمخضت جهودهم المبذولة في هذا القرن بالاَُمور التالية:

1. تأليف متون فقهية
فقد أُلّفت في هذا القرن متون فقهية لم تزل تحتفظ بصدارتها إلى عصرنا الحاضر بين مسهب كشرائع الاِسلام، ومتوسط كالجامع للشرائع لابن سعيد الحلّي، ومقتضب كالمختصر النافع.

2. تأليف موسوعات فقهية
شهد هذا القرن تأليف موسوعات فقهية على غرار مبسوط الشيخ

____________
1 . اقرأ ترجمته الوافية في روضات الجنات برقم 194، ورياض العلماء.


( 320 )
الطوسي، كالمعتبر للمحقّق الحلّي وإن لم يتم.
وكتاب «بشرى المحقّقين» في ستة أجزاء، وكتاب «الملاذ» في أربعة أجزاء لاَحمد بن موسى بن طاووس، و«كشف الرموز» للمحقّق الآبي.

3. الاهتمام بأُصول الفقه
اهتم المحقّقون في هذا القرن بأُصول الفقه أيضاً، فقد أُلّفت كتب في هذا المضمار، نذكر على سبيل الاختصار:
أ. «المعارج» للمحقّق الحلّي، وهو مطبوع منتشر.
ب. «المدخل في أُصول الفقه» ليحيى بن سعيد الحلّي.
ج. « الفوائد العدة» في أُصول الفقه لاَحمد بن طاووس.

4. إبداع نهج جديد في الفقه الشيعي
يبتني الفقه الشيعي على رفض القياس والاَخذ بالسنّة وترك العمل بالاستحسان، ولربّما تشترك مسائل كثيرة في أصل واحد وتتفرع عليه، ويعبّر عنه بالاَشباه والنظائر وبالاطلاع على شبيه المسألة ونظيرها يكسب الفقيه خبرة وإحاطة بالفقه، وقد كان هذا اللون من الاستنباط شائعاً بين مشايخنا، فإذا طرحت مسألة استدل عليها بطرح أشباهها ونظائرها بوجه يكشف عن تضلّعه في الفقه، وقد تبع هذا النهج ـ الذي وضع لبناته الاَُولى الفقيه البارع يحيى بن سعيد بتأليف كتابه«نزهة الناظر في الجمع بين الاَشباه والنظائر» والحسن بن علي بن داود الحلي فألّف كتابه «عقد الجواهر في الاَشباه والنظائر»، و الحافظ جلال الدين السيوطي فألّف كتابه الرائج «الاَشباه والنظائر».


( 321 )
وممّا يوَسف له انّ هذا النوع من التأليف لم يدم طويلاً، فلا نكاد نعثر على كتب فقهية أُلّفت على هذا الغرار بين فقهائنا.وقد كان بعض مشايخنا العظام ـ قدس اللّه سرهم ـ يسلك هذا المنهج في دراساته الفقهية العليا.

5. تهذيب الاَخبار
قد كان الحديث الصحيح عند القدماء هو الخبر الذي دلّت القرائن على صحّته وصدوره عن المعصوم، وقد كان الوقوف على تلك القرائن متوفراً في القرون الاَُولى، وكلّما ابتعد الفقهاء عن عصر النصّ، أخذ الغموض يكتنف تلك القرائن، فمسّت الحاجة إلى إبداع أساليب يعرف بها الصحيح عن غيره، فأوّل من شمّر عن ساعد الجد لهذا الاَمر هو السيد أحمد بن طاووس، فأخذ بتنويع الاَحاديث إلى أربعة أنواع حسب القواعد الرجالية التي أبدعها، فصار التنويع أمراً متبعاً إلى يومنا هذا، غير انّ الاَخبارية التي ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر شنّت حملات شعواء على هذا التنويع، وسيوافيك تفصيله.
وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ الحملة الشرسة التي قادها الوثنيون المغول في غضون القرن السادس بدءاً من خراسان وانتهاءً ببغداد تركت مضاعفات خطيرة على الحوزات الاِسلامية، لا سيما الحوزات التي كانت في مسيرهم نحو بغداد، كحوزة نيسابور وبيهق.ولمّا انتهى الاَمر إلى سقوط بغداد والقضاء على الخلافة العباسية حاول المغول تدمير سائر المدن العراقية، ككربلاء والنجف الاَشرف والحلّة الفيحاء، ولكنّه سبحانه صانها عن شرّهم وكيدهم بتدبير من علمائها، وقد ذكر العلاّمة الحلّي بعض تلك التدابير في كتابه «كشف اليقين في فضائل أمير الموَمنين» فمن أراد فليرجع إليه. (1)
____________
1 . نقلها الخوانساري في روضات الجنات:8 | برقم 749 عن كتاب «كشف اليقين» للعلاّمة الحلّي.


( 322 )

القرن الثامن (من الدور الرابع)
قد اطّلعت على الجهود التي بذلت في الارتقاء بالمستوى الفقهي وعلى أسماء نخبة من الفقهاء الشامخين وكتبهم في القرن السابع.
فهلمّ معي نبحث عن تقدّم الركب الفقهي في القرن الثامن، وسيرة الفقهاء الذين برزوا فيه، والجهود التي بذلوها بغية إنعاش هذا العلم.
والجهود العلمية التي انصبّت في هذا القرن ليس إلاّ إكمالاً للجهود التي بذلت في القرن السابع، فالاَساليب المتبعة هي نفس الاَساليب السابقة دون أن يطرأ عليها أي جديد، ولو كان هناك تطور فإنّما هو في العرض والبيان كما سيوافيك.

1. الحسن بن علي بن داود الحلّي (647ـ707هـ)
الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المعروف بـ«ابن داود» من العلماء البارعين في الفقه والاَُصول والرجال والكلام.
يصفه الشهيد الثاني بقوله: صاحب التصانيف الغزيرة، والتحقيقات الكثيرة، التي من جملتها كتاب «رجاله» سلك فيه مسلكاً لم يسلكه فيه أحد من الاَصحاب، وله من التصنيفات في الفقه نظماً ونثراً مختصراً ومطولاً وفي العربية والمنطق والعروض وأُصول الدين نحوٌ من ثلاثين مصنفاً. (1)
وقد قرأ على المحقّق نجم الدين الحلّـي و السيد جمال الدين بن طاووس كما مرّ في ترجمة المحقّق وابن طاووس.

____________
1 . الخوانساري: روضات الجنات: 2|287، نقلاً عن إجازات الشهيد الثاني.


( 323 )
وهو (قدس سره) يعرّف نفسه في رجاله كعادة الرجاليين قائلاً: الحسن بن علي بن داود مصنف هذا الكتاب، مولده خامس جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وستمائة.
له كتب، منها في الفقه: كتاب «تحصيل المنافع» وكتاب «التحفة السعدية» وكتاب «المقتصر من المختصر» وكتاب «الكافي» وكتاب «النكت» وكتاب«الرائع» وكتاب«خلاف المذاهب الخمسة» و كتاب «تكملة المعتبر» لم يتم، وكتاب «الجوهرة في نظم التبصرة» وكتاب «اللمعة» في فقه الصلاة نظماً، وكتاب «عقد الجواهر في الاَشباه والنظائر» نظماً، وكتاب «اللوَلوَة» في خلاف أصحابنا لم يتم نظماً، وكتاب «الرائض في الفرائض» نظماً، وكتاب «عدة الناسك في قضاء المناسك» نظماً، وكتاب «الرجال» وهو هذا الكتاب، وله في الفقه غير ذلك.
ومنها في أُصول الدين وغيره:«الدر الثمين في أُصول الدين» نظماً، وكتاب «الخريدة العذراء في العقيدة الغرّاء» نظماً، وكتاب «الدرّج» و كتاب «إحكام القضية في أحكام القضية» في المنطق، وكتاب «حل الاِشكال في عقد الاشكال» في المنطق، وكتاب «البغية» في القضايا، وكتاب «الاِكليل التاجي» في العروض، وكتاب «قوة عين الخليل في شرح النظم الجليل» لابن الحاجب في العروض أيضاً، وكتاب «شرح قصيدة صدر الدين الساوي» في العروض أيضاً، وكتاب «مختصر الاِيضاح» في النحو، وكتاب «حروف المعجم» في النحو، وكتاب «مختصر أسرار العربية» في النحو. (1)
ومن جميل ما ألّفه هو كتابه «خلاف المذاهب الخمسة»، وهو فقه مقارن وقد تبع فيه خلاف الشيخ الطوسي إلاّ أنّ الثاني أعمّ منه من حيث بيان المذاهب.
وأمّا سلوكه في الرجال فرتّبه على الحروف، فالاَوّل في الاَسماء وأسماء

____________
1 . ابن داود الحلي: الرجال: برقم 434.

( 324 )
الآباء والاَجداد، وجمع في كتابه ما وصل إليه من كتب الرجال مع حسن الترتيب وزيادة التهذيب، فنقل فيه ما في رجال النجاشي وفهرست الشيخ ورجاله ورجال الكشي وكتاب ابن الغضائري والبرقي وابن عقدة والفضل بن شاذان وابن عبدون وغيرها. (1)
وهذه ميزة لا توجد في سائر الكتب الرجالية الموَلّفة إلى عصره.

2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)
هو الشيخ الاَجل، العلاّمة على الاِطلاق، أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي، قدس اللّه نفسه وروح رمسه.
تتلمذ على عدد كبير من علماء عصره، كما تتلمذ عليه جمع غفير من العلماء. فمشاهير أساتذته: المحقّق الحلّي، نصير الدين محمد بن حسن الطوسي، والده سديد الدين يوسف بن مطهر الحلّي، والشيخ كمال الدين ميثم البحراني، والشيخ نجم الدين علي بن عمر الكاتب القزويني الشافعي، والشيخ شمس الدين محمد ابن محمد بن أحمد الكيشي.
ومن تلامذته: ولده فخر المحقّقين، والسيد عميد الدين، و السيد ضياء الدين، ومحمد بن علي الجرجاني، والشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي.
هذه نماذج من تلامذته، وإلاّ فقد تخرج على يديه واستجاز منه أُناس كثيرون يطول بنا المقام بذكرهم. كيف وقد كان في عصره في الحلّة أربعمائة وأربعون مجتهداً؟! (2)
____________
1 . الطهراني: الحقائق الراهنة:53.
2 . رياض العلماء: 1|361، أعيان الشيعة: 5|401 في ترجمة العلامة الحلّـي.


( 325 )
ويصفه ولده في شرحه على القواعد بقوله:الموَيد بالنفس القدسية والاَخلاق النبوية. (1)
ويعرفه الحسن بن داود الذي كان معاصراً له في رجاله ويقول: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّـي، شيخ الطائفة ، وعلاّمة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الاِمامية إليه في المعقول والمنقول. (2)
وقد حفلت كتب الرجال والتراجم بترجمة العلاّمة ترجمة وافية، وقام بذلك غير واحد من المحقّقين في تقديماتهم على كتبه المنتشرة.
فنحن لا نرى حاجة في التبسط في المقام، والذي يجدر بنا ذكره هو (قدس سره) انّه قد ألّف ست دورات فقهية لكلّ ميزتها الخاصة، وقد ذكرها في ترجمته في رجاله (الخلاصة)، وقال فيها:
1. «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، ورجحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه يتم إن شاء اللّه تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستمائة في سبعة مجلدات.
2. كتاب «تلخيص المرام في معرفة الاَحكام».
3. كتاب «غاية الاَحكام في تصحيح تلخيص المرام».
4. كتاب «تحرير الاَحكام الشرعية على مذهب الاِمامية» حسن جيد، استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره.
5. كتاب «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة» ذكرنا فيه خلاف علمائنا

____________
1 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد:1|10 .
2 . ابن داود الحلّي: الرجال: 119 برقم 461.

( 326 )
خاصة، وحجّة كلّ منهم والترجيح لما نصير إليه.
6. كتاب «تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين». (1)
ونقل محقّق «غاية المراد» في تقديمه عليه عن إحدى مخطوطات كتاب «الاِرشاد» للعلاّمة الحلّي انّه جاء في هامشه ما يلي:
«قدّس اللّه نفس العلاّمة حيث صنف في كلّ فنون الفقه، كتب في الخلاف مع الجمهور «التذكرة»، وفي الخلاف بين الخاصة«المختلف»، وفي فن التفريع «التحرير»، وفي كليات قواعده«القواعد»، وفي فروع الروايات «الاِرشاد»، وفي الاستدلال «المنتهى»، وفي النتائج« النهاية». (2)
والكتاب الاَخير لم يذكره العلاّمة عند تطرّقه لترجمة نفسه، وقد طبع أخيراً، وبهذا يبلغ عدد الدورات الفقهية الناجزة بيراعه إلى سبع.
كما ألّف في الاَُصول كتباً متعدّدة، بين موجز كـ«مبادىَ الوصول إلى علم الاَُصول»، ومتوسط كـ«تهذيب الوصول إلى علم الاَُصول»، ومسهب كـ «نهاية العقول إلى علم الاَُصول» وقد طبع الاَوّلان، والثالث لم ير النور ونحتفظ منه بنسخة.
وقد ذكر شيخنا في «ريحانة الاَدب» انّ العلاّمة الحلّي ألّف خمسة عشر كتاباً في الفقه، وعشرة كتب في أُصوله، وربما ناهزت أجزاء بعض كتبه في الفقه عشرين جزءاً كما هو واضح لمن طالع تذكرة الفقهاء.
وحصيلة الجهود التي بذلها العلاّمة الحلّي في رفع المستوى الفقهي هو انّه ألّف كتباً مختلفة لغايات مختلفة، فلو ألّف الشيخ الخلاف بين المذاهب فقد

____________
1 . رجال العلاّمة الحلّي:45 برقم 52.
2 . غاية المراد: 51، مقدمة المحقّق، نقلاً عن مخطوطة المكتبة الرضوية المقدّسة المرقّمة 2689 الورقة 95.

( 327 )
ألّف هو مختلف الشيعة في اختلافات فقهاء الشيعة.
كما أنّه ألّف في الفقه المقارن دورتين:
إحداهما: «منتهى المطلب في تحرير المذهب» بدأ بتأليفه وله من العمر اثنان وثلاثون عاماً، أي في عام 680هـ، وكان المرجو أن يتم تأليفه ولكن الحوادث عاقته عن الاِتمام.
والثاني:«تذكرة الفقهاء» فقد فرغ من الجزء الاَخير منه عام 720هـ ولم يتجاوز عن كتاب النكاح، ومع ذلك فهو أيضاً لم يتم.
فعلى من حاول الوقوف على تخريجاته وتفريعاته الرجوع إلى كتاب «تحرير الاَحكام» حيث اشتمل على فروع كثيرة، وفرغ من تأليفه عام 697هـ.
ونرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقنا لتحقيق هذا الكتاب ونشره في الاَوساط الاِسلامية. (1)

3. فخر المحقّقين (682ـ 771هـ)
محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي الشهير بـ«فخر المحقّقين» وصفه الشهيد الاَوّل بقوله: الشيخ الاِمام، سلطان العلماء، منتهى الفضلاء، والنبلاء، خاتمة المجتهدين، فخر الملّة والدين، أبو طالب محمد بن الشيخ الاِمام السعيد جمال الدين بن المطهر مدّ اللّه في عمره مدّاً، وجعل بينه وبين الحادثات سدّاً.
ووصفه والده في أوّل كتابه الموسوم بـ«الاَلفين»: «أجبت سوَال ولدي العزيز عليّ «محمد» أصلح اللّه أمر داريه كما هو بار بوالديه، ورزقه أسباب

____________
1 . قد بدأ بتحقيقه ولدنا المحقق الشيخ ابراهيم «بهادري» وستقدم ملازمه إلى الطبع بإذن منه سبحانه.


( 328 )
السعادات الدنيوية و الاَُخروية كما أطاعني في استعمال قواه العقلية والحسية، وأسعفه ببلوغ آماله كما أرضاني بأقواله وأفعاله، وجمع له بين الرئاستين كما لم يعصني طرفة عين. (1)
وعرّفه شيخنا الحر العاملي في كتابه «أمل الآمل»، بقوله: كان فاضلاً، محقّقاً، فقيهاً، ثقة، جليلاً، يروي عن أبيه العلاّمة وغيره.
له كتب، منها: شرح القواعد سمّاه «إيضاح الفوائد في حلّ مشكلات القواعد» وله شرح خطبة القواعد سمّاه «إيضاح القلوب» و «الفخرية في النية»، و «حاشية الاِرشاد»، و « الكافية الوافية» في الكلام، وغير ذلك. ويروي عنه الشهيد وأثنى عليه في بعض إجازاته ثناءً بليغاً جداً.
وذكره السيد مصطفى التفريشي، فقال: من وجوه هذه الطائفة وثقاتها وفقهائها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، حاله في علو قدره، وسمو رتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر، روى عن أبيه، وروى عنه شيخنا الشهيد، له كتب جيدة منها«الاِيضاح». (2)
ومن تآليفه الفقهية:«إيضاح الفوائد في حل مشكلات القواعد» وهو شرح كتاب القواعد لوالده العلاّمة، وقد طبع في ثلاثة أجزاء.
ومن آثاره الاَُصولية:«شرح مبادىَ الاَُصول»، المتن للوالد والشرح له، ومثله كتابه الآخر «غاية السوَول في شرح تهذيب الاَُصول».
ومن آرائه التي انفرد بها بين الاِمامية انّ النهي في العبادات يقتضي الصحّة بدل اقتضائه للفساد، هذا وقد سأله العارف الجليل السيد حيدر الآملي عن مسائل فأجابه، فقال السيد: بعد الحمد والصلاة، هذه مسائل سألتها جناب الشيخ

____________
1 . روضات الجنات: 6|331.
2 . أمل الآمل: 2|260 برقم 768.

( 329 )
الاَعظم سلطان العلماء في العالم مفخر العرب والعجم قدوة المحقّقين، مقتدى الخلائق أجمعين، أفضل المتأخرين و المتقدمين، المخصوص بعناية ربّ العالمين، الاِمام العلاّمة في الملّة والحقّ والدين، ابن المطهر، مد اللّه ظلال إفضاله، وشيّد أركان الدين ببقائه، مشافهة في مجالس متفرقة على سبيل الفتوى، وكان ذلك في سلخ رجب المرجب سنة 759 هجرية نبوية هلالية ببلدة حلة السيفية حماها اللّه عن الحدثان ، وأنا العبد الفقير حيدر بن علي بن حيدر العلوي الحسيني الآملي، أصلح اللّه حاله وجعل الجنة مآله. (1)

4. قطب الدين الرازي (المتوفّى عام776هـ)
الحكيم، الفقيه، المتألّه، تلميذ العلاّمة الحلّي، وقد قرأ قواعده عليه وكتب على ظهر الكتاب العبارة التالية ـ يعلم منها مكانة التلميذ ـ قال: قرأ عليَّ هذا الكتاب الشيخ العالم، الكبير، الفقيه، الفاضل، المحقّق، المدقّق، ملك العلماء والاَفاضل قطب الملّة والدين، محمد بن محمد الرازي أدام اللّه أيّامه، قراءة بحث وتدقيق، وتحرير وتحقيق، وسأل عن مشكلاته، واستوضح معظم مشتبهاته، فبيّنت له ذلك بياناً شافياً، وأجزت له رواية هذا الكتاب بأجمعه ورواية جميع مصنفاتي ورواياتي وما أُجيز لي روايته وجميع كتب أصحابنا السالفين (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) بالطرق المتصلة مني إليهم، فليرو ذلك لمن شاء وأحبَّ على الشروط المعتبرة في الاِجازة، فهو أهل لذلك، أحسن اللّه عاقبته، وكتب العبد الفقير إلى اللّه تعالى حسن بن يوسف بن المطهر الحلّي مصنّف الكتاب في ثالث شعبان المبارك من سنة 713 بناحية ورامين، والحمد للّه وحده وصلى اللّه على محمّد النبي وآله.

____________
1 . المستدرك:3|459، الفائدة الثالثة.


( 330 )
وعرّفه الشهيد الاَوّل بقوله: اتفق اجتماعي به بدمشق أُخريات شعبان سنة 776هـ، فإذا هو بحر لا ينزف، وأجازني جميع ما يجوز عني روايته، ثمّتوفي في 12 ذي القعدة من السنة المذكورة بدمشق، ودفن في الصالحية، ثمّ نقل إلى موضع آخر، وصلّي عليه برحبة القلعة، وحضر الاَكثر من معتبري دمشق للصلاة عليه، رحمه اللّه وقدّس روحه، وكان إمامي المذهب بغير شك وريبة، صرّح بذلك وسمعته منه وانقطاعه إلى بقية أهل البيت معلوم.
ويقول الشهيد: إنّه كان من ذرية الصدوق ابن بابويه.
وقد وصفه غير واحد من علمائنا بما يعرف عن مكانته في العلوم العقلية والنقلية.
وكفاك انّ كتابيه: شرح الشمسية، وشرح المطالع من الكتب الدراسية في الحوزات العلمية.
وقد نقل الشيخ الاَنصاري آراءه الفقهية في متاجره، فمن أراد الوقوف، فليرجع إلى مستدرك الوسائل. (1)

5. محمد بن مكي العاملي (734ـ 786هـ)
هو المحقّق الجليل، المتضلّع في الفقه، المعروف بإمام الفقه، فضله أشهر من أن يذكر، وجماع القول فيه انّه تاج الشيعة، وفخر الشريعة، صاحب النفس الزكية القدسية القوية، ولد بجزين سنة 734هـ.
ويعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: كان عالماً، ماهراً، فقيهاً، محدّثاً، مدقّقاً،

____________
1 . المستدرك: 3|451، الفائدة الثالثة. وانظر ترجمته في طبقات أعلام الشيعة:القرن الثامن: 200.


( 331 )
ثقة، متبحّراً، كاملاً، جامعاً لفنون العقليات والنقليات، زاهداً، عابداً، ورعاً، شاعراً، أديباً، منشئاً، فريد دهره، عديم النظير في زمانه.
وقد استجاز عن مشايخ الفريقين، وروى مصنّفات أهل السنّة عن نحو أربعين شيخاً، كما روى عنه جماعة كثيرة، ويعد شيخ الاِجازات في القرن الثامن، وإليه تنتهي أكثر الاِجازات.
وأمّا آثاره الفقهية:
1. كتاب «الذكرى»، خرج منه كتاب الطهارة والصلاة.
2. كتاب «الدروس الشرعية في فقه الاِمامية» خرج منه أكثر الفقه.
3. «غاية المراد في شرح نكت الاِرشاد».
4. كتاب «جامع البين من فوائد الشرحين» جمع فيه شرحي تهذيب الاَُصول للسيد عميد الدين والسيد ضياء الدين.
5. كتاب «البيان» في الفقه.
6. رسالة «الباقيات الصالحات».
7. «اللمعة الدمشقية» دورة فقهية كتب بصورة المتن وعليها شروح كثيرة، أحسنها شرح الشيخ زين الدين الشهيد الثاني المسمّى بـ «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية». وقد ألّفه شيخنا الشهيد بطلب من علي بن الموَيد ملك خراسـان ومـا والاها والذي توفـي عام 795هـ، ألّفه عام 782هـ، وذلك قبـل شهادته بأربع سنوات. وبذلك يعلم أنّ ما هو المشهور من أنّالشهيد ألّفه في سبعة أيّام في محبسه غير صحيح، وكان الرسول بين الشهيد والموَيد هو محمد الآبي النقيب شمس الدين. (1)
____________
1 . الطهراني: طبقات أعلام الشيعة:3|175، القرن الثامن.وله ترجمة ضافية في مقابس الاَنوار:13، روضات الجنات: 7|3 برقم 592، وأمل الآمل:1|181 برقم 188.

( 332 )
8. «الاَلفية في فقه الصلاة اليومية».
9. رسالة في قصر من سافر بقصد الاِفطار والتقصير.
10. «النفلية في مستحبات الصلاة اليومية».
11. «خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار».
12. «القواعد».
13. «الدرّة المضيئة».
14. رسالة «التكليف».
15. وله عدّة إجازات.
ومن ألطف كتبه كتاب «القواعد والفوائد»، فإنّ الشهيد الاَوّل يعد أوّل من صنّف في هذا المضمار، وقد احتوى الكتاب على ما يقرب من 330 قاعدة، إضافة إلى فوائد تقرب من 100 فائدة، عدا التنبيهات والفروع؛ وهذه القواعد والفوائد ليست فقهية خالصة، وإنّما فيها بعض القواعد الاَُصولية والعربية، لكن الطابع الفقهي هو الغالب عليها، ولم يتبع الشهيد منهجاً معيناً في ترتيب ما أورده من قواعد وفوائد، حيث لم يفصل القواعد الفقهية عن الاَُصولية أو العربية، وهذا ممّا حدا بتلميذه المقداد بن عبد اللّه السيوري بترتيب تلكم القواعد وتهذيبها، وأسماها بـ«نضد القواعد الفقهية».
ومن أعجب ما حظي به الشهيد هو ما كتبه أُستاذه فخر المحقّقين في حقّه وقال: قرأ عليّ مولانا الاِمام العلاّمة الاَعظم، أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم، مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكي بن محمد بن حامد أدام اللّه أيّامه من هذا الكتاب مشكلاته، وأجزت له رواية جميع كتب والدي (قدس سره) ، وجميع ما صنّفه أصحابنا المتقدّمون ـ رضي اللّه عنهم ـ عن والدي عنهم الطرق المذكورة. (1)

____________
1 . رياض المسائل: 71، قسم المقدمة.

( 333 )

6. عميد الدين عبد المطلب بن محمد (1)بن علي الاَعرج
(186ـ 457هـ)
يعرّفه الشهيد الاَوّل بقوله: المولى السعيد، الاِمام المرتضى علم الهدى، شيخ أهل البيت في زمانه، عميد الحق و الدين، يروي عن خاله العلاّمة الحلّي، له شرح تهذيب الاَُصول. (2)
ويعرّفه أيضاً الخوانساري، بقوله: كان من أجلّة العلماء الثقات، ومشايخ الروايات، فاضلاً، محقّقاً، أُصولياً، ماهراً، حسن التصرّف والتصنيف، وكفاه فخراً انّ مثل شيخنا الشهيد الاَوّل يعتني بشأنه كثيراً، وينقل عن ابن معين انّه عرّفه بقوله: درّة الفخر، وفريدة الدهر، مولانا الاِمام الرباني، وهو ابن أُخت العلاّمة (رحمه الله) ، وقد شرح كتاب خاله العلاّمة الحلّي باسم «تهذيب الاَُصول» وأسماه «منية اللبيب في شرح التهذيب» فرغ منه عام 740هـ. (3)
وله من الكتب الفقهية: «كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد».
وعلى ذلك فالعميدي أوّل من شرح كتاب القواعد للعلاّمة الحلّي، ثمّ أعقبه شرح آخر لاَخيه كما يأتي، وثالث لفخر المحقّقين.

7. عبد اللّه بن محمد بن علي الاَعرج
يعرّفه الحر العاملي في كتابه«أمل الآمل» بقوله: عالم، فاضل، جليل القدر،

____________
1 . هذا هو المكنّى بأبي الفوارس، صهر والد العلاّمة سديد الدين، وقد أنجبت زوجته أولاداً ذكوراً خمسة، وهم: جلال الدين علي، عميد الدين عبد المطلب، ضياء الدين عبد اللّه، نظام الدين الفاضل العلاّمة عبد الحميد، غياث الدين عبد الكريم.
2 . أمل الآمل:2|165 برقم 484، وانظر ترجمته في روضات الجنات:4|265 برقم 394.
3 . نحتفظ منه بنسخة في موَسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام - ،وحكى شيخنا المدرس في «ريحانة الاَدب» انّه طبع في بلاد الهند.


( 334 )
من مشايخ الشهيد، يروي عن العلاّمة، له كتب، منها «شرح التهذيب» للعلاّمة، وغير ذلك.
وربما يقال: إنّ «منية اللبيب» لهذا الاَخ، وأمّا ما ألّفه عميد الدين فليس له اسم خاص. (1)
وقد مضى انّ الشهيد الاَوّل جمع بين فوائد شرح الاَخوين وزاد عليهما فوائد أُخر، وأسماه«جامع البين من فوائد الشرحين». وميّز ما اختص به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختص به شرح العميدي بعلامة (ع)، وأجرى شيخنا عز الدين الحسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين العاملي تعميمات مفيدة في آخره. (2)
ويعرّفه صاحب الرياض بقوله: هو الفقيه الجليل، الاَعظم، الاَكمل، الاَعلم، الاَفضل، الكامل، المعروف بالسيد ضياء الدين الاَعرج الحسيني.

8. عبد اللّه بن سعيد بن المتوج البحراني
هو عبد اللّه بن سعيد بن المتوج البحراني، أحد كبار الفقهاء في القرن الثامن.
يعرّفه الاَفندي بقوله: عالم، فاضل، فقيه، جليل، أديب، شاعر، نبيل، وكان من أكابر العلماء والفقهاء المتأخرين، ويعرف بـ«ابن المتوج» وربما يطلق على ابنه الشيخ أحمد فخر الدين.
وله موَلّفات في الفقه، منها:

____________
1 . انظر ترجمته في أمل الآمل:2|164 برقم 479، وطبقات أعلام الشيعة:124، القرن الثامن.
2 . الطهراني: الذريعة: 4|435، ولاحظ المستدرك:3|459، الفائدة الثالثة.


( 335 )
1. كتاب «المقاصد».
2. كتاب «الناسخ والمنسوخ» من الآيات على طريقة الاِمامية ومذهبهم.
3. كتاب «النهاية في تفسير خمسمائة آية» التي عليها مدار الفقه.
وحيث إنّمصدر الترجمة هو «رياض العلماء» للفاضل الاَفندي التبريزي (1) فقد عدّ «المقاصد» من تأليف الوالد لا الو المجيز الطهراني في «الذريعة» (2) فجعله تأليفاً للولد وفي الوقت نفسه احتمل أن يكون للوالد.
وستوافيك ترجمة ولده في زمرة فقهاء القرن التاسع.

9. مهنا بن سنان بن عبد الوهاب المدني (المتوفّى754هـ)
أحد الفقهاء الاِمامية القاطنين في المدينة المنوّرة، أذعن بفضله الفريقان، يعرّفه ابن حجر العسقلاني بقوله: مهنا بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني الاِمامي المدني، قاضي المدينة، اشتغل كثيراً، وكان حسن الفهم، جيد النظم، و لاَُمراء المدينة فيه اعتقاد، وكانوا لا يقطعون أمراً دونه، وكان كثير التفقّه، إلى أن قال: مات سنة754هـ. (3)
وقد بعث مسائل إلى العلاّمة الحلّي يستفهمه في مسائل، فأجاب عنها العلاّمة ووصفه في صدر الرسالة بقوله: السيد الكبير، النقيب، الحسيب، النسيب، المعظم المرتضى، عز السادة، زين السيادة، معدن المجد والفخار، والحكم

____________
1 . رياض العلماء:3|220.
2 . الذريعة:21|378 برقم 5546؛ و طبقات أعلام الشيعة: 128، القرن الثامن.
3 . العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة.


( 336 )
والآثار، الجامع للقصد الاَوفى من فضائل الاَخلاق، والفائز بالسهم المعلّـى من طيب الاَعراق، مزين ديوان القضاء بإظهار الحقّ على الحجّة البيضاء عند ترافع الخصم، نجم الحق والملّة والدين مهنا بن سنان الحسيني، القاطن بمدينة جدّه.(1)
وتعرب المسائل عن توغّله في الفقه، وكونه مرجعاً وملاذاً للعامة في أحكام الدين.
ويكفي في جلالته في الفقه انّ فخر المحقّقين يصفه بقوله: أفضل علماء الآفاق، وأعلم الفقهاء على الاِطلاق.

حصيلة الجهود الفقهية في القرن الثامن
كان النظام السائد في المناهج الفقهية في القرن الثامن هو نفس النظام المتبع في القرن السابع استمراراً لما خطّه المحقّق وتلاميذه بيد انّ الجهود المبذولة في هذا القرن انتهت إلى إبداع أُسلوب جديد في عرض الاَبحاث الفقهية.
فقد كان إطار البحث في المسائل الخلافية هو البحث عن الخلافيات الموجودة بين أئمّة المذاهب الفقهية، ولم يوَلّف كتاب في خلافيات مذهب واحد، وما ذلك إلاّ لقلّة الاختلاف بين فقهاء المذهب الواحد نتيجة إقفال باب الاجتهاد.
وأمّا الشيعة منذ عصر الرسول إلى يومنا هذا فقد اختلفت كلمات فقهائهم في مسائل كثيرة عقب فتح باب الاجتهاد.
1. فألّف العلاّمة الحلّـي لاَوّل مرة كتاب «مختلف الشيعة» وذكر خلافيات فقهائهم في المسائل الفقهية من الطهارة إلى الديات.
2. ظهور موسوعة فقهية تحمل في طيّاتها فقهاً مقارناً بين المذاهب

____________
1 . أجوبة المسائل المهنائية:20.


( 337 )
الاِسلامية لم ير مثلها إلى الآن وهو كتاب «التذكرة» للعلاّمة الحلّي، وقد اتّبع الموَلّف النهج الذي اختطه الشيخ المفيد ثمّ المرتضى ثمّ الطوسي.
3. ظهور كتب رجالية تحليلية تجمع نصوص الرجاليين المتقدّمين مع شيء من التحليل و التفسير، وهذا النمط قد ابتكر لاَوّل مرة في «رجال ابن داود» و«خلاصة العلامة» و«إيضاح الاشتباه» له أيضاً.
فالناظر في هذه الكتب الثلاثة إذا قارنها مع ما أُلّف في القرن الرابع والخامس من الكتب الرجالية يقف على وجود لون من الاجتهاد في علم الرجال، والبحث فيه بحثاً مفصلاً.
4. انّ تنويع الحديث إلى الاَقسام الاَربعة الذي ابتكره السيد ابن طاووس في القرن السابع لم يدخل حيّز التطبيق إلاّ بفضل تلميذيه ابن داود والعلاّمة الحلّي، فإنّ الثاني قد طبق الاصطلاح الموروث عن أُستاذه في كتبه الفقهية، فتجد انّه يفتي بالحديث لكونه صحيحاً، ويردّه لكونه ضعيفاً، ويحتج بهما فتبعه الفقهاء إلى يومنا هذا.
وأمّا الحافز على تنويع الحديث ـ مع أنّ الحديث بين القدماء كان بين صحيح وضعيف ـ فهو انّ الصحيح عند القدماء كان كل حديث يثقون بصدوره عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - بالقرائن المتوفرة في ذلك الحين ـ وإن اختفت فيما بعد ـ ، وإن كان الراوي غير ثقة في نفسه.
غير انّ مرور الزمان وانتقال الاَحاديث من الاَُصول الاَربعمائة التي كانت لها مكانة من الصحّة إلى الجوامع الاَوّلية والثانوية صارت سبباً لاختفاء القرائن التي كانت تورث الثقة بالحديث، فلم يكن بدّ من معالجة تلك الاَحاديث بشكل آخر، وهو الذي اقترحه السيد ابن طاووس وثبَّت أركانه العلاّمة الحلّي، وقد أوضحنا ذلك بإسهاب في كتابنا الموسوم بـ«كليات في علم الرجال».

( 338 )
5. الاهتمام بعلم الاَُصول وتطويره بتآليف متعاقبة، وقد علمت أنّ العلاّمة الحلّي ألّف كتباً في علم الاَُصول، كما ألّف ابنا أُخته شرحين لكتابه «تهذيب الاَُصول» وألّف ابنه فخر المحقّقين كتاباً في علم الاَُصول.
إضافة إلى أنّ الشهيد الاَوّل جمع نكات الشرحين للعلمين الجليلين: عميد الدين وضياء الدين في كتاب واحد.
6. إبداع نمط جديد في الفقه بتحرير قواعده، وأوّل من شيّد صرحه هو العلاّمة الحلّي في كتابه «القواعد» و هو إن كان لا يشمل القواعد الفقهية برمّتها ولكنه خط هذا الطريق وتبعه الشهيد الاَوّل بتأليفه كتاب «الفوائد والقواعد».
7. كان للحلّة يومذاك الحظ الاَوفر لظهور الفقهاء الاَفذاذ، كما كان في البحرين حوزة علمية فقهية عامرة في القرن السابع والثامن تخرّج منها: المحقّق ميثم البحراني صاحب «شرح نهج البلاغة» وأُستاذ العلاّمة المتوفّى عام 699هـ، وابنا المتوج، وغيرهم.
نعم ازدهرت في هذا القرن وما يتلوه مدرسة جبل عامل الذي شيد أركانها الشهيد الاَوّل، وقد تخرّج منها نخبة من الفقهاء سنذكر أسماء بعض منهم في القرن التاسع.