( 113 )
أدوار الفقه الشيعي
1
الدور الاَوّل
عصر النشاط الحديثي و الاجتهادي
(11ـ260هـ)
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المرجع في الاَحكام
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المرجع الاَوّل في الاَحكام الشرعية، لاَنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يفتي عن اللّه بوحيه المبين، فكلامه هو فصل الخطاب، والخطاب
الفاصل يجب اتّباعه، والاَخذ بأوامره ونواهيه، سواء كان ذلك في مجال
التشريع وبيان الاَحكام، أو في مجال القضاء وفصل الخصومات، قال سبحانه:
"ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" (1)
وقال سبحانه: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (2)
فالآية الاَُولى تشير إلى ضرورة اتباعه في الاَحكام بما لها من أوامر
ونواهي، والآية الثانية تشير إلى ضرورة التسليم لما قضى به في المخاصمات
والمشاجرات والنزاعات.
وبكلمة جامعة لا يجوز التقدّم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مطلقاً و التي
____________
1 . الحشر: 7.
2 . النساء: 65.
( 114 )
تشمل التقدّم في الرأي أيضاً، قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم" (1)
إنّ قوله سبحانه: "أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَومٍ
يُوقِنُون" (2)، دلّ على أنّ الحكم يُصنَّف إلى صنفين: حكم جاهلي، وحكم
إلهي. فما لم يكن بإذن من اللّه سبحانه، فهو جاهلي، ولا يعلم ذلك الاِذن إلاّ عن
طريق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي يتولّى الوحي مهمة إيصاله إليه من ربه، وجاء
في موارد ثلاثة لزوم الحكم بما أنزل اللّه دون غيره، وانّ مَن لم يمتثل ذلك فهو
كافر وظالم وفاسق، كما يقول سبحانه:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ
الْكافِرُون) (3) وفي آخر: "فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ" (4) وفي موضع ثالث:
"فَأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُون". (5)
وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين، والآيات الواردة في هذا الهدف
كثيرة، نكتفي بهذا المقدار منها.
العترة هم المرجع في الاَحكام بعد رحيله - صلى الله عليه وآله وسلم -
إذا كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المرجع العلمي للمسلمين في المعارف
والاَحكام، فطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك من يملاَ هذا الفراغ بعد رحيله
- صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا يصحّ في منطق العقل ترك الاَُمّة سدىً، لئلاّ يأخذوا بحكم
الجاهلية مكان الحكم الاِلهي.
وهذا المرجع هو العترة الطاهرة، قرناء القرآن بتنصيص من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في حديثه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه،
وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».
____________
1 . الحجرات: 1.
2 . المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.
3 . المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.
4 . المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.
5 . المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.
( 115 )
وحديث الثقلين، حديث متواتر، رواه الفريقان في كتبهم، وألّف غير
واحد رسائل وكتباً مستقلة في طرقه واسناده ومفاده. (1)
والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة،
الاَُمّةَ المرحومة بلا راع،وهو يعلم أنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - برحيله سوف يواجه
المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في
الكتاب والسنّة، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحل مشاكلها ويذلّل أمامها
الصعاب، وقد قام - صلى الله عليه وآله وسلم - ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث
الثقلين الذي ألقاه في غير موقف من المواقف.
ومن العجب انّ كثيراً من المسلمين يطرقون كلَّ باب إلاّ باب أئمّة أهل
البيت - عليهم السلام - مع أنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هوَلاء،
فلا أدري ما هو وجه الاِقبال على غيرهم والاِعراض عنهم؟!
أُولي الاَمر
أمر سبحانه بإطاعة الرسول وأُولي الاَمر، بأمر واحد،قال:"يا أَيُّهَا الّذينَ
آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْويلاً".(2)
تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول، وأُولي الاَمر، لكن بتكرار
____________
1 . لاحظ صحيح مسلم: 7|122و 123، باب فضائل علي، طبعة محمد علي صبيح، مصر؛ سنن
الترمذي:2|308؛ مستدرك الصحيحين:3|109 و 148؛ مسند أحمد: 3|17 و 26 و ج4|371 و
ج5|181؛ الطبقات الكبرى لابن سعد:2|2، القسم 2؛ حلية الاَولياء لاَبي نعيم:1|355 و ج9|64؛
كنز العمال:1|47و96، وغيرها.
2 . النساء: 59.
( 116 )
الفعل، أعني: "وَأَطِيعُوا الرَّسول" وما هذا إلاّ لاَنّ سنخ الاِطاعتين مختلف،
فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، وإطاعة النبي وأُولي الاَمر واجبة بإيجابه سبحانه.
والمهم في الآية هو التعرّف على المراد من أُولي الاَمر، فقد اختلف فيه
المفسّرون على أقوال ثلاثة:
أ. الاَُمراء.
ب. العلماء.
ج. صنف خاصّ من الاَُمّة، وهم أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - .
وبما أنّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الاَمر إطاعة مطلقة غير مقيّدة بما إذا لم
يأمر بالمعصية، فيمكن استظهار أنّ أُولي الاَمر ـ المشار إليهم في الآية والذين
وجبت طاعتهم على الاِطلاق ـ معصومون من المعصيّة والزلل كالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى صارا مقترنين بالطاعة في الآية.
وبعبارة أُخرى: انّه سبحانه أوجب طاعتهم على الاِطلاق، كما أوجب
طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن توجَب طاعة أحد على الاِطلاق إلاّ من ثبتت
عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأُمن منه الغلط والاَمر بالقبيح، وليس ذلك
بحاصل في الاَُمراء، ولا العلماء سواهم. جلَّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه،
أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لاَنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه
محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. (1)
وقد أوضحه الرازي في تفسيره، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الاَمر،
هم المعصومون من الاَُمّة وإن لم يدخل في التفاصيل، ولم يستعرض
____________
1 . مجمع البيان: 3|100.
( 117 )
مصاديقهم، لكنّه بيّنه بصورة واضحة، وقال:
والدليل على ذلك، أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم
في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدَّ وأن يكون
معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على
الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ
لكونه خطأً منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الاَمر والنهي في الفعل الواحد
بالاعتبار الواحد، وأنّه محال.
فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلَّ
من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت
قطعاً أنّ أُولي الاَمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً. (1)
روى ابن شهر آشوب عن تفسير مجاهد، أنّ هذه الآية نزلت في أمير
الموَمنين حين خلفه رسول اللّه في المدينة، فقال: «يا رسول اللّه، تخلفني على
النساء والصبيان؟ » فقال: «يا عليّ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي، حين قال: اخلفني في قومي وأصلح، فقال اللّه:
"وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ"» .
وقد أخذت الاَُمّة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - في مجال المعارف و
الاَحكام ما ملاَ كتب الفريقين، أمّا الاِمام أمير الموَمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام) فحدث عنه ولا حرج، وأمّا الحسنان فقد قسا عليهما الزمان، وحالت
الحكومة الاَُموية بينهما و بين الاَُمّة، وبالتالي فقد قلَّت الرواية عنهما، وعن علي
بن الحسين - عليهم السلام - أيضاً.
____________
1 . الفخر الرازي: التفسير الكبير: 1|144.
( 118 )
العترة عيبة علم الكتاب والسنّة
ترك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الكتاب العزيز، وقد رسمت فيه الخطوط
العريضة للاَحكام التي كانت بحاجة إلى تبيين وتفسير إذ فيها المجمل و المطلق
و العام، ولا يُطّلع على حقيقتها إلاّ ببيان شارح، كما أنّه ترك السنّة وهي في
صدور الحفاظ الذين تفرّقوا في البلاد، وقد أكلت حروب الردة جماعة منهم .
أضف إلى ذلك أنّ قسماً من السنّة وضعت المبادىَ العامة دون تفسيرها وبيانها.
كان الوضع على هذا المنوال حتى مُنعت كتابة الحديث وتدوينه
والتحدّث به، ولا شك انّالمنع لم يكن لدوافع شرعية، بل كان بدوافع سياسية،
وقد مُني من جراء ذلك جمهور المسلمين بخسارة جسيمة، إلاّ أنّ الشيعة لم
يعيروا أهمية لهذا الحظر، بل دأبوا على كتابة السنّة وتدوينها ونشرها بين أبنائهم،
علماً منهم بأنّالسنّة وحي كالقرآن الكريم لا يمكن التساهل فيها دون نشرها وإلاّ
تذهب أدراج الرياح، و المسلمون خلال الاَعصار المتعاقبة لمسوا الحاجة إلى
تدوين السنّة والاطّلاع عليها، لاَنّ ما في الصدور يذهب بذهاب أصحابها.
قامت أئمّة الشيعة وأتباعهم بوجه منع كتابة السنّة، ودوّنوا الحديث من
غير اكتراث بحظر المنع، منهم:
1. الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام -
قال النجاشي في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي، عن أبيه، قال: كنت
مع الحكم بن عتيبة، عند أبي جعفر، فجعل يسأله، و كان أبو جعفر - عليه السّلام - له
مكرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر - عليه السّلام - : «يا بني قم فأخرج كتاب علي
- عليه السّلام - » فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه و جعل ينظر حتى أخرج المسألة،
( 119 )
فقال أبو جعفر - عليه السّلام - :«هذا خط علي - عليه السّلام - و إملاء رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - » وأقبل على الحكم و قال: «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة(بن كهيل)
و أبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم
كان ينزل عليهم جبرئيل - عليه السّلام - ». (1)
وقد أخرج العلاّمة الشيخ علي الاَحمدي في موسوعته قسماً من
الروايات المنتهية إلى كتاب علي - عليه السّلام - المبثوثة في الكتب الحديثية لا سيما
كتاب الوسائل. (2)
وكان للاِمام كتاب آخر يدعى «الصحيفة» جمع فيه ما يرجع إلى الديات،
وقد قام أيضاً الشيخ الاَحمدي بجمع ما روي عن تلك الصحيفة في غير واحد
من الصحاح والمسانيد. (3)
وبذلك يظهر انّ ما رواه البخاري في باب كتابة العلم، عن أبي جحيفة قال:
قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّكتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو
ما في هذه الصحيفة» قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك
الاَسير، ولا يقتل مسلم بكافر» (4) ليس على صواب لوجهين:
أوّلاً: فقد كان للاِمام كتاب وراء الصحيفة جاءت ميزاته وخصوصياته في
رواية أئمة أهل البيت وكان طوله 70 ذراعاً وضخامته كفخذ الاِبل وكان الكتاب
مدروجاً.
ثانياً: أنّ الصحيفة اشتملت على أحكام كثيرة في باب القصاص والديات،
ولم تكن مقتصرة على هذه الجمل الثلاث.
____________
1 . النجاشي: الرجال: الترجمة 967.
2 . لاحظ مكاتيب الرسول:1|72 ـ 89.
3 . لاحظ مكاتيب الرسول: 1|66ـ71.
4 . البخاري: الصحيح:1|38، باب كتابة العلم، الحديث الاَوّل.
( 120 )
2. أبو رافع الصحابي
وقد تبعت الشيعة الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - في تدوين السنّة و لم
يعيروا للمنع وزناً، و هذا أبو رافع الصحابي الجليل من شيعة علي بن أبي طالب،
الذي أعتقه رسول اللّه عندما بشّر بإسلام العباس، يقول النجاشي:
ولاَبي رافع كتاب السنن والاَحكام والقضايا. (1)
ويظهر من النجاشي انّالكتاب كان مشتملاً على أبواب الصلاة والصيام
والحج والزكاة والقضايا.
3. علي بن أبي رافع التابعي
وقد اقتفى أثر أبيه في تدوين السنّة، ابنه علي بن أبي رافع ذلك التابعي
الذي كان من خيار الشيعة، وكان له صحبة مع أمير الموَمنين، وكان كاتباً له،
وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه، الوضوء والصلاة وسائر
الاَبواب.(2)
4. عبيد اللّه بن أبي رافع التابعي
فقد ألّف عبيد اللّه بن أبي رافع كتاباً في أقضية أمير الموَمنين، ذكره الشيخ
في «الفهرست» وذكر سنده إليه. (3) فإذن أبو رافع وولداه: علي و عبيد اللّه
حفظوا السنّة النبوية التي ورثوها عن الاِمام أمير الموَمنين والصحابة والتابعين.
نعم زعم شيخنا التستري انّ هناك كتاباً واحداً نسبه النجاشي إلى علي بن
____________
1 . النجاشي: الرجال: 1|65، الترجمة 1.
2 . النجاشي: الرجال:1|65، الترجمة 1.
3 . الطوسي: الفهرست: برقم 441.
( 121 )
أبي رافع، و الشيخ إلى عبيد اللّه واللّه العالم. (1)
ولم يعلم مدركه لهذا الادّعاء إذ لا مانع من وجود كتابين، أحدهما يرجع
إلى أبواب الفقه كما هو صريح النجاشي، والآخر يرجع إلى باب أقضية الاِمام
أمير الموَمنين علي - عليه السّلام - .
5. ربيعة بن سميع التابعي
قال النجاشي عند ذكر الطبقة الاَُولى من موَلّفي الحديث: ربيعة بن سميع
عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، له كتاب في زكوات النعم. (2)
ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب ناقلاً عن ربيعة بن سميع، عن أمير الموَمنين أنّه
كتب له في صدقات النعم وما يوَخذ من ذلك، وهذا صريح في أنّ الاِمام أملاه
وكتبه ربيعة، أو كتبه نفس الاِمام ودفعه إليه.
6. عبيد اللّه بن الحر الجعفي، الفارس الفاتك، الشاعر التابعي
قال النجاشي: له نسخة يرويها عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - .
وروى النجاشي أيضاً بسنده عنه انّه سئل الحسين بن علي عن خضابه،
فقال - عليه السّلام - : «أما إنّه ليس كما ترون إنّما هو حناء وكتم». (3)
هذه هي الطبقة التي دونت السنّة النبوية المأخوذة عن لسان أمير الموَمنين
- عليه السّلام - وسائر الصحابة والتابعين.
____________
1 . التستري: قاموس الرجال:6، ترجمة علي بن أبي رافع.
2 . النجاشي: الفهرست:برقم 2.
3 . النجاشي:1|71 برقم 5، والكتم بالتحريك نبت يخلط بالحناء، ويختضب به الشعر، فيبقى
لونه.
( 122 )
بيد انّ هذا الوضع لم يدم طويلاً، فقد كثرت الضغوط على الشيعة في عهد
الاَُمويين خاصة في عهد معاوية وعبد الملك بن مروان وابنائه، فقام الاَئمّة
الثلاثة الّذين أعقبوا الاِمام أمير الموَمنين علياً - عليه السّلام - ، أعني: الحسن بن علي،
والحسين بن علي، و علي بن الحسين - عليهم السلام - ، بأعباء الاِمامة وإرشاد الاَُمّة في
أجواء مشحونة بالعداء والبغض لاَئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ، فلم تسنح الفرص
للشيعة من أن ينهلوا من معين علوم الاَئمّة - عليهم السلام - إلاّ قليلاً منهم، وسيوافيك
أسماء من أخذ الفتيا عنهم في تلك الظروف العصيبة.
ومع هذا الضغط، فقد ذكر الشيخ الطوسي أصحاباً للاِمام الحسن - عليه السّلام -
الذين صاحبوه ورووا عنه، فبلغوا 52 بين صحابي وتابعي ارتوَوا من معين علمه
الفيّاض.
كما ذكر أصحاب الاِمام الحسين بن علي - عليهما السلام - وفق الحروف
الهجائية، فبلغوا 109 بين صحابي وتابعي، وقد رووا عنه في مختلف المجالات
من العقائد والفقه والتفسير.
وعلى الرغم من أنّ الاِمام السجاد كان محاطاً بالعيون وعلى مرأى ومسمع
من حكّام بني أُميّة، لكنّه ترك تراثاً علمياً في العقائد والحقوق تتجسد في
«الصحيفة السجادية» ورسالة «الحقوق».
أمّا الصحيفة، فهي في فصاحة ألفاظها، وبلاغة معانيها، و الاَساليب العجيبة
في طلب عفوه وكرمه سبحانه، فريدة في بابها ليس لها مثيل .
وأمّا الرسالة، فقد رواها الحسن بن شعبة في «تحف العقول» كما رواها
الصدوق في «خصاله»، وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، فيذكر الاِمام
فيها حقوق اللّه سبحانه على الاِنسان، وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من
اللسان والسمع والبصر و الرجلين واليدين و البطن و الفرج، ثمّ يذكر حقوق
( 123 )
الاَفعال من الصلاة والصوم والحج والصدقة والهدي، ثمّ يذكر حقوق الاَئمّة،
والرعية وحقّ الرحم حتى بلغت 50 حقاً آخرها حقّ الذمة. (1)
وقد ذكر الطوسي في رجاله الرواة عنه - عليه السّلام - ورتّبها على حروف
المعجم، فبلغ 175 شخصاً، وهم بين صحابي وتابعي. (2)
***
عصر الاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام -
ولمّا ضعفت الدولة الاَُموية، وازدادت القلاقل و الفتن ضدها سنحت
الفرصة للاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام - ، لبثِّ السنّة النبوية، وتزويد الاَُمّة
بالعلوم الاِلهية، فصارت الشيعة تتحمل عناء السفر والحضور عند الاَئمّة بغية
النهل من معين علومهم العذب، وضبط كلّ ما سمعوه في كتبهم مادامت الفرصة
متاحة، فبثّا من العلوم ما يشدّ إليه الركبان.
يقول الموَرّخ الكبير شيخنا الطهراني:
كانت الشيعة تتوصّل بكلّ طريقة للتشرّف بحضرتهم، وأخذ معالم دينهم
عنهم، وتدوينها في كتبهم، والفاحص في أحوال الرواة وأخبارهم يعرف مبلغ
اهتمامهم في تلقّي أنواع المعارف والعلوم من معادنها في السر والعلانية حسب
الاقتضاءات الزمنيّة، ويطّلع على مقدار رعايتهم للآداب في حالات حضور
مجالس أئمتهم، وعرض المسائل عليهم وسماع الاَجوبة عنهم، وإعدادهم ما
يلزمهم لذلك من الاَدوات بوضع الاَلواح من آبنوس والاميال في أكمامهم، ثمّ
مبادرتهم إلى كتابة ما سمعوه عنهم بعينه صيانة من وقوع السهو، أو عروض
____________
1 . انظر تحف العقول: 184ـ195؛ الخصال: 564ـ 570، في أبواب الخمسين.
2 . الطوسي: الرجال:81ـ102.
( 124 )
نسيان، أو حصول تغيير في المعنى بتغيير اللفظ، ثمّ كيفيات تحفّظهم على كتبهم
بعدم إخراجها إلى من لا يثقون به خوفاً من دسّه شيئاً فيها، وعدم جعل سبيلها
كسائر التركة، ثمّ يخرجونها عنهم في حياتهم إلى من يثقون بديانته وصلاحه
وأهليّته أو يوصون بها إليه، كلّ ذلك منهم طوعاً و انقياداً لطلبات مواليهم
المعصومين - عليهم السلام - . (1)
قال ابن حجر في ترجمة الاِمام الباقر - عليه السّلام - : سُمي بذلك لاَنّه من بقر
الاَرض، أي شقّها، وإثارة مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت
كنوز المعارف وحقائق الاَحكام، والحكم و اللطائف ما لا يخفى إلاّ على
منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم
وجامعه وشاهر علمه ورافعه. (2)
وقال ابن كثير: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب، وسمي بالباقر لبقره العلوم، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً،
وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير
البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدال والخصومات. (3)
وقال ابن خلكان: أبو جعفر محمد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد
الاَئمة الاثني عشر في اعتقاد الاِمامية، وهو والد جعفر الصادق . كان الباقر عالماً
سيداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر لاَنّه تبقّر في العلم أي توسّع، وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لاَهل التقى وخير مَنْ لبّى على الاَجْبُلِ (4)
____________
1 . الطهراني: الذريعة:1|15ـ16، المقدّمة.
2 . الصواعق المحرقة:201.
3 . البداية و النهاية:9|309.
4 . وفيات الاَعيان:4|174.
( 125 )
وهذا هو محمد بن طلحة، يعرّف الاِمام الصادق بقوله: هو من عظماء
أهل البيت وساداتهم ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وطراوة كثيرة،
يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم
أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، روَيته تذكر بالآخرة،
واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد
أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة: نقل عنه الحديث
واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الاَئمّة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد
الاَنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة،
وشعبة، وأبي أيوب السجستاني وغيرهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرِّفوا بها
وفضيلة اكتسبوها. (1)
ولقد امتدّ عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام - من نهاية خلافة عبد الملك بن
مروان إلى منتصف خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83هـ إلى سنة
148هـ. فقد أدرك فترة طويلة من العصر الاَُموي، وعاصر كثيراً من ملوكهم
وشاهد من جورهم أعنف أشكاله، وقضى شطراً من حياته حتى الحادية عشرة
مع جدّه زين العابدين، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر، ونشأ في ظلّهما
يتغذّى من تعاليمهما حتى تكاملت تربيته الدينية، وتخرّج من تلك المدرسة
الجامعة، فاختصَّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114هـ ، واتسع نشاط مدرسته في
المدينة ومكة والكوفة وغيرها من الاَمصار الاِسلامية.
وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الاِمام بظهور الحركات الفكريّة،
ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الاِسلامي، لا سيما حركة الغلاة
الهدّامة، الذين تطلّعت روَوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بث روح التفرقة
بين المسلمين، وترعرعت بُناة أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمّة الانتصار
____________
1 . كشف الغمة: 2|368، وفيه أيوب السختياني، و الصحيح ما ذكرناه.
( 126 )
لمبادئهم التي قضى عليها الاِسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بث تلك الآراء
الفاسدة في المجتمع الاسلامي، فكانوا يبثّون الاَحاديث الكاذبة ويسندونها إلى
حملة العلم من آل محمد، ليغروا به العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي
الاتّصال بأبي جعفر الباقر، ويروي عنه الاَحاديث المكذوبة، فأعلن الاِمام
الصادق - عليه السّلام - كذبه والبراءة منه، وأعطى لاَصحابه قاعدة في الاَحاديث التي
تروى عنه فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه
شاهداً من أحاديثنا المتقدمة».
لقد أضمر الخصوم لا سيما حكام بني أُمية وبني العباس العداء لاَئمّة أهل
البيت - عليهم السلام - وسعوا إلى تضييق الخناق عليهم للحد من اختلاف الناس إليهم،
إلاّ أنّه شاءت الاَقدار الالهية كسر هذا الطوق الذي فرضوه حيث سنحت الفرصة
لهم - عليهم السلام - لنشر السنّة النبوية وبثها في أوساط المسلمين، ولما كان ذلك ثقيلاً
على خصومهم عمدوا إلى بث الاَكاذيب على لسان الاَئمّة - عليهم السلام - بغية تشويه
سمعتهم والتقليل من شأنهم.
إنّ الاِمام - عليه السّلام - شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون
إلى تدوين أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد الغفلة التي استمرت إلى عام
143هـ حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف، وتسرّبت إلى السنّة،
العديد من الروايات الاِسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الاِسلام من
الصليبيّين و المجوس بالاِضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء
السلطة ومرتزقة البلاط الاَُموي.
ومن هنا فقد وجد الاِمام - عليه السّلام - أن أمر السنّة النبوية قد بدأ يأخذ
اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد - عليه السّلام - للتصدّي لهذه الظاهرة
الخطيرة، وتفنيد الآراء الدخيلة على الاِسلام، والتي تسرّب الكثير منها نتيجة
الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم.
( 127 )
إنّ تلك الفترة شكّلت تحدّياً خطيراًلوجود السنّة النبوية، وخلطاً فاضحاً
في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الاِمام - عليه السّلام - كان بحق سفينة النجاة في هذا
المعترك العسير.
إنّ علوم أهل البيت - عليهم السلام - متوارثة عن جدّهم المصطفى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي أخذها عن اللّه تعالى بواسطة الاَمين جبرئيل - عليه السّلام - فلا غرو
أن تجد الاَُمّة ضالّتها فيهم - عليهم السلام - وتجدهم مرفأ أمان في هذه اللجج العظيمة،
ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلٌّ يحدّث عن مجاهيل ونكرات، ورموز ضعيفة،
ومطعونة أو أسانيد مشوشة، تجد أنّ الاِمام الصادق - عليه السّلام - يقول: «حديثي
حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث علي بن أبي
طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وحديث رسول اللّه
قول اللّه عزّ وجلّ».
هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا قيل في حقّ الاِمامين الباقر
والصادق - عليهما السلام - ولو أردنا أن نستعرض كلمات الموَرّخين والمحدّثين حول
الاَئمّة الاثني عشر لضاق بنا المجال، فلنكتفِ بهذا المقدار، و من أراد التفصيل
فعليه مراجعة الكتب الموَلّفة في هذا الخصوص.
لقد أسّس الاِمامان جامعة علمية كبيرة في مهد الحديث تخرج منها
الآلاف من المحدّثين حفظوا السنّة النبوية، وهذا ممّا أذعن به التاريخ، وصرّح به
الموَرّخون.
ونأتي هنا بنصين:
1. ما ذكره النجاشي في ترجمة«الحسن بن علي بن زياد الوشاء البجلي
الكوفي» من أصحاب الرضا، قال ـ ناقلاً عن أحمد بن محمد بن عيسى ـ :
خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء،
( 128 )
فسألته أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء وأبان بن عثمان الاَحمر،
فأخرجهما إليّ، فقلت له: أُحب أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك اللّه، وما
عجلتك، اذهب فاكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو
علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في
هذا المسجد تسعمائة شيخ، كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد - عليه السّلام - وكان
هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة، وله كتب، منها: ثواب الحج، و المناسك،
و النوادر. (1)
2. ما ذكره المفيد في «إرشاده» وقال: نقل الناس عن الصادق - عليه السّلام - من
العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل
بيته العلماء ما نقل عنه، ولالقى أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الاَخبار ولانقلوا
عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللّه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة
عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف
رجل.(2)
وقال ابن شهر آشوب في «مناقبه»: ونقل عن الصادق - عليه السّلام - من العلوم
ما لم ينقل عن أحد، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على
اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. (3)
وقال شيخنا الفتّال: قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عن الصادق
- عليه السّلام - من الثقات على اختلافهم من الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف. (4)
وقـد قام أبـو العبـاس المعـروف بـ «ابن عقـدة» (المتوفّى 333هـ)
بضبـط أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام - في كتاب خاص له قال النجاشي في
____________
1 . رجال النجاشي: 1|138ـ 139.
2 . المفيد: الاِرشاد: 288.
3 . ابن شهر آشوب: المناقب: 4|247.
4 . محمد بن علي الفتّال: روضة الواعظين:177.
( 129 )
ترجمته: له كتاب الرجال، وهو كتاب ما روي عن جعفر بن محمد. (1)
وقال بمثله الشيخ في «الفهرست». (2)
وممّا يوَسف له انّ «رجال ابن عقدة» قد تلاعبت به يد الاَقدار، فلم يصل
إلينا شيء منه بعد الفحص عنه في فهارس المكتبات، وقد اتصلنا بعلماء اليمن،
فلم يحدّثوا عنه شيئاً.
نعم قام الشيخ الطوسي بإخراج أسماء الذين رووا عن الاِمام الصادق (عليه
السلام) مع أنّ المذكور في رجاله لا يتجاوز عن ثلاثة آلاف وخمسين رجلاً.
وعلى أيّة حال فجهاد الاِمام الصادق - عليه السّلام - يعرب عن بث السنّة
ونشرها في عصره على كافة الاَصعدة حيث لم يقتصر مجلسه على الشيعة
فحسب، بل عمّ حتى المخالفين في العقائد.
***
الاَُصول و المصنّفات
كان لاَصحابنا في عصر الصادقين - عليهما السلام - و ما تلاه لونان من التأليف،
يسمّى أحدهما بالاَُصول، والآخر بالتصنيف، و يعرب عن ذلك تعبير الشيخ
الطوسي في ديباجة الفهرست، قال: «أمّا بعد فإنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ
طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا وما صنّفوه من
التصنيفات ورووه من الاَُصول، ولم يتعرّض أحد منهم لاستيفاء جميعه إلاّ ما
____________
1 . النجاشي: الرجال: رقم 233.
2 . الشيخ: الفهرست:53.
( 130 )
قصده أبو الحسين أحمد ابن الحسين بن عبيد اللّه (رحمه الله) ، فإنّه قد صنّف كتابين
ذكر في أحدهما المصنّفات وفي الآخر الاَُصول، واستعرضهما على مبلغ ما
وجد وقدر عليه».
والفرق بين الاَُصول و المصنّفات هو انّ احتمال الخطأ والغلط والسهو
والنسيان أقل بكثير منها في المصنّفات، وذلك لاَنّ الاَصل يمتاز عن المصنّف
بأنّه يشمل الاَحاديث التي رواها الراوي عن المعصوم مباشرة أو بواسطة واحدة،
بخلاف المصنّف، فإنّه في سعة من ذلك الالتزام.
وقام تلامذة أئمّة أهل البيت بتأليف أُصول أربعمائة ما بين عصر الاِمام
الصادق - عليه السّلام - إلى نهاية عصر الاِمام الرضا - عليه السّلام - ، وهذه الاَُصول هي
المعروفة بالاَُصول الاَربعمائة، فلها من الاعتبار والمكانة ما ليس لغيرها.
قال: السيد رضي الدين علي بن طاووس (المتوفّى664هـ): حدّثني أبي
قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن من أهل بيته وشيعته يحضرون
مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن (عليه
السلام) بكلمة، أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك. (1)
قال شيخنا بهاء الدين العاملي في «مشرق الشمسين»: إنّه قد بلغنا من
مشايخنا (قدس سرهم) انّه كان من دأب أصحاب الاَُصول انّهم إذا سمعوا عن أحد
من الاَئمّة حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم، لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو
كله بتمادي الاَيام. (2)
وبمثله قال السيد الداماد في «رواشحه». (3)
____________
1 . ابن طاووس: مهج الدعوات:224، الطبعة الحجرية.
2 . بهاء الدين العاملي: مشرق الشمسين. كما في الذريعة: 2|128.
3 . السيد الداماد: الرواشح: 98، الراشحة 29.
( 131 )
قال المحقّق الحلّي: كتب من أجوبة مسائله ـ أي جعفر بن محمد (عليهما
السلام) ـ أربعمائة مصنّف سمّوها أُصولاً. (1)
قال الطبرسي في «إعلام الورى بأعلام الهدى»: روى عن الاِمام الصادق
- عليه السّلام - من مشهور أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنّف من جواباته في
المسائل أربعمائة كتاب تسمى«الاَُصول» رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى
الكاظم - عليه السّلام - . (2)
وقال الشهيد الثاني في «شرح الدراية»: وكان قد استقر أمر المتقدّمين على
أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف سمّوها الا َُصول، فكان عليها اعتمادهم. (3)
إلى غير ذلك من كلمات أصحابنا التي جاءت في الاَُصول الاَربعمائة.
وبما انّ معظم أصحاب الاَُصول من أصحاب الباقر والصادق والكاظم
والرضا - عليهم السلام - ، يمكن الحدس بأنّ أكثرها أُلّفت في فترة ظهور الضعف في
الدولة الاَُموية عام 125هـ إلى عصر هارون الرشيد عام 170هـ الذي بلغت فيه
الدولة العباسية من القوة بمكان.
ولمّا لم يكن للاَُصول ترتيب خاص إذ انّجلّها إملاءات المجالس وأجوبة
المسائل النازلة المختلفة، عمد أصحاب الجوامع إلى نقل رواياتها مرتبة مبوبة
منقحة تسهيلاً للتناول والانتفاع، فما كان في هذه الاَُصول انتقل إلى الجوامع
الحديثية لا سيما الكتب الاَربعة، ولكن بترتيب خاص، وباشتهارها قلّت
الرغبات في استنساخ الاَُصول والصيانة على أعيانها.
وقد كان قسم من تلك الاَُصول باقياً إلى عهد ابن إدريس (543ـ 598هـ)
____________
1 . نجم الدين الحلّي: المعتبر:1|26.
2 . اعلام الورى:166.
3 . زين الدين العاملي: شرح الدراية: 17. ط النجف.
( 132 )
حيث قام بنقل جملة منها في كتابه «السرائر» وأطلق عليها المستطرفات، كما نقل
جملة منها عنه السيد رضي الدين بن طاووس كما ذكرها في «كشف المحجة»
وقد وقف أُستاذنا السيد محمد الحجة الكوه كمري(1301ـ1372) على ستة
عشر من تلك الاَُصول وقام بطبعها.
وهذا لا يعني انّ كتابة الحديث قد انحصرت بهذه الاَُصول، بل ثمة ألوان
أُخر للتأليف في مجال الحديث يطلق عليها الكتاب، والمصنف، ولكلّ
خصوصياته وميزاته.
وقد أكثر جملة من أصحاب الاَئمّة في التأليف.
فهذا هو هشام الكلبي ألّف أكثر من 200 كتاب، وألّف ابن شاذان 180
كتاباً، ولابن دوئل مائة كتاب، ولابن أبي عمير 94 كتاباً، وللحسن وللحسين
الاَهوازيين 30 كتاباً (1)، وسيوافيك انّه أُلّف بعد رحيل الرسول إلى عصر الغيبة
الصغرى (11ـ360هـ) ما يقارب عشرة آلاف كتاب.
وقد قام غير واحد من أصحابنا بترجمة رجال الحديث، وبيان منزلتهم
في القوة والضعف نظير:
أ. كتاب الرجال لعبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّـى 219هـ).
ب. مشيخة الحسن بن محبوب (المتوفّـى 224هـ).
ج. رجال الحسن بن فضال (المتوفّـى 224هـ).
د. رجال ولده علي بن الحسن بن فضال.
هـ. رجال العقيقي (المتوفّـى 280هـ).
____________
1 . الذريعة، قسم المقدمة: 17.
( 133 )
وهذا غير ما قام به المتأخّرون بترجمة رجال الحديث ، نظير:
أ. رجال الكشي ، المتوفّى نحو سنة (328هـ).
ب. رجال أبي العباس بن عقدة (249ـ 333هـ).
ج. رجال النجاشي (372ـ450هـ).
د. الفهرست والرجال للشيخ الطوسي (385ـ460هـ).
ثمّ تلتهم طبقة أُخرى من مشاهير علماء الرجال، كابن داود والعلاّمة
الحلّي.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الفترة بين رحيل الرسول وغياب الحجة كان عصر
بسط السنّة، وتبيين الاَحكام، وتفسير القرآن على أيدي أئمّة أهل البيت - عليهم السلام -
الذين هم عيبة علم الرسول وحفظة سنّته.
إنّ صاحب الجامع الحديثي الشيخ الحر العاملي ذكر في الفائدة الرابعة من
خاتمة الكتاب المصادر التي نقل عنها الاَحاديث بلا واسطة، فبلغت ثمانين كتاباً،
ثمّ ذكر أسماء الكتب التي نقل عنها بواسطة، فقال في آخر المبحث:وأمّا ما نقلوا
منه ولم يصرّحوا باسمه فكثير جداً مذكور في كتب الرجال يزيد على ستة آلاف
وستمائة كتاب على ما ضبطناه. (1)وجلّ هذه الكتب موَلّفة في عصر الاَئمّة إلى
نهاية القرن الثالث.
يقول العلاّمة شرف الدين في «المراجعات»: وكان أصحاب هذين
الاِمامين العابدين الباقرين من سلف الاِمامية أُلوفاً موَلّفة لا يمكن إحصاوَهم،
لكن الذين دوّنت أسماوَهم وأحوالهم في كتب التراجم من حملة العلم عنهما
يقاربون أربعة آلاف بطل، ومصنفاتهم تقارب عشرة آلاف كتاب، أو تزيد رواها
أصحابنا في كلّ خلف عنهم بالاَسانيد الصحيحة، وفاز جماعة من أعلام أُولئك
____________
1 . الوسائل: 20|49، الفائدة الرابعة.
( 134 )
الاَبطال بخدمتهما وبخدمة بقيّتهما.
ثمّ ذكر أسماء عدّة منهم:
1. أبوسعيد أبان بن تغلب بن رباح الجريري، وذكر ترجمته على وجه
التفصيل.
2. أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، وفصّل الكلام في ترجمته وكتبه. (1)
إلى غير ذلك من الاَبطال الاَخيار الذين قام صرح التشيّع على وجودهم.
نعم لم يدم بسط السنّة على وتيرة واحدة، بل أعقبته نجاحات وإخفاقات
تبعاً للظروف السياسية السائدة آنذاك، فكلّما سنحت الفرصة للشيعة للاتصال
بأئمتهم أخذوا منهم الحديث، وسجّلوا ما سمعوه، وعند اشتداد الضغط
والتنكيل من قبل السلطات الحاكمة نحت الشيعة منحى آخر، وهو أخذ الاَحكام
والاَحاديث عن بطانة علومهم من أصحابهم.
وأخيراً نقول: إنّ الشيخ الطوسي ذكر في كتاب «الفهرست» أسماء 900
من المصنّفين، وربما كان لمصنّف مصنّفات كثيرة، كما هو ظاهر لمن راجع.
ويعرب عن اهتمام الشيعة ببسط السنّة في تلك الفترة، هو كثرة عدد
المحدّثين والرواة، وهذا هو العلاّمة المامقاني ترجم في «تنقيح المقال» 13365
محدّثاً. (2)
وقد استدرك عليه المحقّق السيد الخوئي في «معجمه» ، فترجم 15128
محدثاً. (3)
وناهز عدد الرواة في دليل معجم رجال الحديث 15676 محدّثاً.
____________
1 . شرف الدين العاملي: المراجعات:المراجعة رقم 110.
2 . المامقاني: تنقيح المقال:3|344.
3 . الخوئي: معجم رجال الحديث:22|200.
( 135 )
ولو افترضنا انّ بعض من جاءت ترجمته في الكتابين من غير الشيعة
الاِمامية، أو أنّ بعض التراجم يتحد بعضها مع بعض، فلا يضر بالعدد الهائل الذي
نشاهده في هذين المعجمين بعد استثناء ما ذكرنا من الدخلاء أو المتحدين.
من أُخذ عنهم الفتيا
كان أئمّة أهل البيت مناراً للاِسلام، ومبيِّناً للسنّة على الاِطلاق حتى اختلف
إلى أنديتهم العلمية أصحاب المقالات والآراء الذين كانوا على خلاف معهم في
بعض المسائل، وبالرغم من ذلك فقد أخذوا الفتيا عنهم - عليهم السلام - .
وكانت الحوزة العلمية للصادقين في المدينة المنوّرة، أو في الكوفة أو في
الحيرة بعد قدوم الاِمام الصادق - عليه السّلام - إليها في عصر المنصور الدوانيقي،
مدرسة كبيرة تشع النور على كلّ المسلمين وبلغت من العظمة بمكان،
وخرجت العديد من الفقهاء وأهل الفتيا لا سيما إمام الاَحناف أبوحنيفة، وأخذ
عنه محدّثو دار الهجرة: كمالك بن أنس وغيرهم من أكابر المفتين، ولاَجل أن
نوقف القارىَ على عظمة تلك المدرسة، نسرد أسماء أهل الفتيا من كلا الفريقين
ممّن نقلوا عن أئمّة الهدى - عليهم السلام - .
أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام -
1. عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي.
2. الحارث بن عبد اللّه الهمداني، الحارث الاَعور.
3. عبيد اللّه بن أبي رافع.
4. الاَصبغ بن نباتة الحنظلي.
5. محمد بن الحنفية.
( 136 )
6. البراء بن عازب الاَنصاري.
7. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري.
8. عبد اللّه بن زرير الغافقي.
9. النزال بن سبرة.
10. عبد الرحمن بن عوف.
11. عبد الرحمن بن أبي ليلى.
12. شريح بن النعمان الهمداني.
13. وهب بن الاَجدع.
14. سويد بن غفلة.
15. أبو عبد الرحمن السلمي.
16. عبد اللّه بن سلمة المرادي.
17. الحارث بن سويد.
18. عاصم بن ضمرة.
19. أبو محمد الهذلي.
20. أبو حيّة الوادعي.
21. عبد خير بن يزيد الهمداني.
22. حبة العرني.
23. علقمة بن قيس النخعي.
24. قيس بن عباد البصري. (1)
____________
1 . راجع مسند أحمد بن حنبل:1|124ـ140.
( 137 )
أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمامين الحسن والحسين - عليهما السلام -
1. ابن عباس. (1)
2. عمرو بن دينار. (2)
3. عبد الرحمن بن أبي ليلى. (3)
4. أبو الطرماح. (4)
5. عبد اللّه بن عبيد بن عمير. (5)
6. حبابة الوالبية. (6)
7. عمير بن مأمون. (7)
8. البهزي. (8)
9. مسروق بن الاَجدع. (9)
10. إبراهيم الرافعي، وأبوه، وجدّه. (10)
____________
1 . البحار:99|354، الحديث 10.
2 . كنز العمال:16|250، الحديث44330؛ مستدرك الوسائل: 14|363، الحديث 16963.
3 . المحلّى: 7|175.
4 . كنز العمال:5|171، الحديث 12498.
5 . البحار: 44|194، الحديث 5؛ مجمع الزوائد:9|201؛ ينابيع المودّة:265.
6 . البحار: 26|123، الحديث 13.
7 . البحار:96|289، الحديث 2؛ وسائل الشيعة:7|67، الحديث12940.
8 . مجمع الزوائد: 2|141؛ كنز العمال:7|479، الحديث 19870.
9 . سفينة البحار:1|258.
10 . مناقب ابن شهر آشوب:3|399؛ العوالم: 16|100؛ بحار الاَنوار:43|276،الحديث 46.
( 138 )
11. بشير بن غالب الاَسدي الكوفي. (1)
12. عطاء بن أبي رباح. (2)
13. الشعبي. (3)
14. أبو عكاشة الهمداني. (4)
15. عليّ بن أبي عمران. (5)
16. أبو سعيد دينار بن عقيصا التميمي. (6)
17. مستقيم بن عبد الملك. (7)
18. عبيد اللّه بن الحر الجعفي. (8)
19. عبد الرحمن بن بزرج. (9)
20. عبد اللّه بن أبي زهير. (10)
21. العيزار بن حريث. (11)
____________
1 . المحاسن:2|408، الحديث 2439؛ وسائل الشيعة: 17|194، الحديث6؛ بحار الاَنوار:
66|470، الحديث41؛ الجوهرة:38؛ حياة الحسين:1|136.
2 . مجمع الزوائد:3|287.
3 . مجمع الزوائد:5|145.
4 . مجمع الزوائد:5|145.
5 . مكارم الاَخلاق:109.
6 . المحاسن:2|407، الحديث2423؛ بحار الاَنوار:66|479، الحديث 1؛ الكافي:6|445،
الحديث 4؛ كنز العمال:15|317، الحديث 41202.
7 . مجمع الزوائد:5|145.
8 . رجال النجاشي: 1|72؛ وسائل الشيعة:1|409، الحديث 4.
9 . مجمع الزوائد:5|162و163.
10 . مجمع الزوائد:5|162و163.
11 . مجمع الزوائد:5|162و163.