حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 311 ـ 317
(311)
لتحقيق الغايات والاهداف الدينية ، لكنها ليست على شاكلة الدول التاريخية التي ادعت بانها دول دينية ، ولا على شاكلة دول الانبياء والرسل التي عرفنا نماذجها انها دولة دينيه من نوع خاص !! وهي نسيج وحدها تماماً ، من حيث مداها وشمول ملکها ، فدولة الإمام المهدي کما أسلفنا تشمل العالم کله [ راجع الحديث رقم 858 ] ، ويشمل ملك الامام المهدي العالم ايضاً [ الحديث رقم 959 ] ، وهذه حالة فريدة لم يتحقق مثلها في دول الملوك الذين ادعو بان دولهم دينية ولا في الدول التي اسسها النبياء ولرسل !! ثم إن هناك ظاهرة عديبة وفريدة من نوعها في دولة الامام المهدي تتمثل بتسخير كامل لمخزونات الارض والسماء لتحقيق الاهداف التي وعدت دولة الامام المهدي بتحقيقها ، فكم اكد الرسول الأعظم و الأئمة الکرام بأن الأرض في عهد الإمام المهدي ستخرج کل كنوزها ونفائسها ونباتها ، وان السماء ستنزل كل قطرها ومائها وبركاتها وقد وثقنا ذلك وتلك حالة فريدة من نوعها ، انها عرض كامل لبركات الحكم الالهي الامثل !!! وتصحيح عملي لمفاهيم البشرية الخاطئة عن الحكم الديني الالهي الحقيقي.

6 ـ ألاصرار على تحقيق غاية
دولة آل محمد
     وتتجلى طبيعة دولة آل محمد باصرارها العجيب على تحقيق غاياتها ومبرراً وجود دولة الامام المهدي ، وهو اصرار لا يعرف الحلول الوسط ، ولا يعرف المستحيل فلا بد من القضاء التام على كل الظالمين والجبابرة ، ولا بد من محاكمتهم والانتقام منهم وتطهير الارض من وجودهم لانه رجس وقذارة وقرف ، ولا بد من فتح كافة حصونهم ، حصون الضلالة ، وهذا امر لا يحتمل التأخير أو التأجيل ولا بد رفع ظلمهم من الارض ، ولا بد من ملء الأرض بالعدل كما ملأها المجرمون بالظلم ولا بد من هدم ما خلفه المجرمون ، من مظاهر ظلمهم وانحرافهم [ الحديث رقم 861 و1123 ] ، وهدم أمر الجاهلية كله وابطاله [ الحديث رقم 862 ] ليكون تطهير الارض كاملاً من الظالمين وآثارهم وكل ما يدل عليهم ، ورفع فقههم الفاسد وابطال كافة مفاعيله. وهذه في المهمة العاجلة ، والمبرر الأول لوجود دولة المهدي او دولة آل محمد ، لان ظلم الجبارة قد مس


(312)
الأرض وما عليها مساً أليماً موجعاً ولم ينج من هذا الظلم أحد وخص هذا الظلم آل محمد وأولياءهم خاصة بألوان معينة من المعاناة والألم ، وطريقة تعامل دولة المهدي مع الظالمين ، لها طابع خاص مختمر من التجربة التاريخية على اعتبار ان الظالم لا دين له ولا آخلاق ، ولا يعرف الإحسان او المعروف فقد قال النبي لاعدائه الذين ظهر عليهم يوم فتح مكة : « اذهبوا فأنتقم الطلقاء » وبدلا من ان يذخروا اي النبي ومعروفه بالعقو الشامل عن جرائمهم تنكروا له وتآمروا عليه وبعد موته قتلوا ابناءه وذريته ، المهدي استفاد من عبرة التاريخ فعندما يخرج الامام المهدي لن يخرج معه من العرب أحد [ الحديث 1119 ] ، مع هذا فهو لايجبرهم على الخروج ، ولم يؤيده من قريش أحد ومع هذا هو لا يتعرض اليهم ولا يجبرهم على تاييده ، بل ولا يسألهم ان يخرجوا معه او يؤيدوه ، ولكن عندما يعلم بان قريش قتلت واليه وعامله يقتل منهم 1500 أو ثلاثة آلاف رجل صبرا دون ان يرمش له جفن ، ولا يترك من قريش الا اكلة كبش !! قد يبدو ان هذه العقوبة قاسية لكنها علة اذا ما عرفت حجم جرائم بطون قريش فقد قاومت النبي وحاربته طوال مدة 21 عاماً ، ولما احيط بها اضطرت مكرهة لإعلان اسلامها ، فعفى الرسول عنها وقبل موت الرسول وبعد موته مباشرة استولت بالقوة على ملك الرسول وقادت المسلمين إلي النحراف ، وحلت عرى الإسلام و مهدت للظلمة والجبابرة و خرجتهم من مدرستها ، وجعلت من عباد الله عبيداً للظالمين بنفس الوقت الذي کانت تلبس فيه الجبة الإسلامية ، إنهم مجرموا حرب لم يعرف التاريخ البشري جرائما بحجم وبشاعة جرائمهم فعقوبة الامام المهدي مع قسوتها عادلة.
     و الخلاصة إن اصرار الامام المهدي على التخلص من الظالم والجبابرة أعوانهم يعكس طبيعة دولة آل محمد الملتزمة التزاماً مطلقاً بتحقيق أهدافها وغاياتها والتي لا تحيد عن تحقيق هذه الأهداف ، لانها دولة هدف وغاية ولا يكفي منها ان تبذل الجهد والعناية ، انما يتوجب عليها وجوباً لا عذر معه تحقيق هذه الغايات. لان الله تعالى وعد الامام المهدي بالدعم الكامل والمطلق لتحقيق الغايات انجاز المهمات التي كلفه الله بتحقيقها وانجازها واذا أراد الله أمراً فلا


(313)
راد لإرادته ، وقد أراد الله تحقيق كافة الغايات التي كلف عبده الامام المهدي بتحقيقها ، فدولة الامام المهدي او دولة آل محمد مكلف باقتلاع جذور الظلم والظالمين وتطيهر الارض من وجودهم ومن فقههم ، لذلک فانها لن تقبل بان يبقى على وجه الأرض خلال عهدها الراشد ظالم أو جبار واحد ، او حصن واحد من حصون الضلالة فهي ملتزمة امام الله تعالى بالقضاء التام والمبرم على الظلمة والظالمين وتطهير الأرض من ظلمهم ومن آثارهم.
     و تجد هذا الاصرار العجيب عند كل غاية وهذف من الغايات والأهداف التى كلف الإمام بتحقيقها فعلى المستوى الاقتصادي فان الامام المهدي ودولة آل محمد مكلفون بتحقيق الكفاية التامة والرخاء المطلق للجميع ، بحيث يكون كل واحد على وجه الارض من ابناء الجنس البشري في حالة كفاية تامة ورخاء مطلق ، بحيث يتجول المكلفون بدفع الزكاة في الارض شرقا وغرباً وشمالاً وجنوباً فلا يجدوا محتاجاً واحداً يقبل الزكاة لان الجميع في حالة كفاية والجميع في حالة رخاء ، ولا يوجد في الأرض كلها محتاج واحد فالنقود والذهب والفضة لا تعد عداً انما تهال هيلاً !! وقد تواترت الحاديث النبوية التي اكدت هذه الناحية ، وقد وثقناها في الفصول السابق ، حتى ان الدرهم والدينار يصبح من سقط التاريخ ولا قيمة له. [ راجع الحديث 1133 ].
     و هذه طبيعة ما عرفتها ولا سمحت بها أية دولة من الدول التي ظهرت أو ستظهر على وجه الارض قبل نشوء دولة آل محمد وظهور الامام المهدي المنتظر ، فالدول عادة تغرق الشعوب بالوعود البراقة خاصة في العصر الحديث ، وتدغدغ مشاعر المستضعفين ، ثم تسقط الحكومات وتزول الدول نفسها دون تحقيق معشار معشار ما وعدت بتحقيقة ، حتى ان الناس قد ملت وعود الدول ، وصارت وعودها أحد الرموز والاصطلاحات الدالة على معنى الكذب !!

7 ـ حالة الانسجام العام في دولة الامام
المهدي أو دولة آل محمد
     و من أبرز طبيعة دولة الامام المهدي أو دولة آل محمد ومن مميزاتها


(314)
الخاصة وجود حالة الانسجام العام والمطلق ، واختفاء مظاهر الصراع بكل اشكالة وعلى الاخص الصراع الطبقي ، فالكرة الارضية كلها اقليم لدولة آل محمد ، وأبناء الجنس البشري مواطنون في تلک الدولة ، يعتنقون ديناً واحداً وهو دين الإسلام فلا نجد على وجه الارض الا من يقول لا الله الا الله. فابناء الجنس البشرى على مختلف منابتهم واصولهم واعراقهم والوانهم يعتنقون نفس الدين ، ويخضعون لذات النظام ، ويشعرون بانهم اخوة لا فرق بين لون ولون وعرق وعرق ، فهم اسرة کبيرة أبوهم آدم و أمهم حواء ،تکاثروا کما تتکاثر الأسرة الواحدة ، ثم نزغ الشيطان بين الأخواة فاختلفوا ، فارسل الله الامام المهدي واقام دولة آل محمد لغايات إصلاح ذات البين ، وإعادة المياه لمجاريها ، وساعد الإمام المهدي على تحقيق هذا الإنجاز قضاؤه علي أسباب الخلاف و الاختلاف فالامام المهدي امام شرعي اختاره الله واعده واهله للقيادة والمرجعية ، فليس في العالم كله من هو اعلم ولا أفضل ولا أتقى ، ولا أقرب لرسول الله من الامام المهدي. هذا كله يخلق ويرسخ ثقة ابناء الجنس البشرى في امامهم وقائدهم الامام المهدي ، ويقطع دابر التنافس على القيادة ويخلق حالة من الاسقرار ويؤدي للقضاء على مبررات النزاع السياسي ، خاصة وأن أعضاء حكومة الامام المهدي فرادي ومجتمعين يجمعون مميزات خاصة بهم لا تتوفر لدى أي طامع بمنصب الوزارة أو الولاية.
     كذلك فان دولة آل محمد تقضي أيضاً على اسباب النزاع الاقتصادية وتغلق أبواب التنافس المرير على المال ، فعندما تحقق دولة آل محمد الكفاية المطلقة لكل واحد من أبناء الجنس البشري ، والرخاء المطلق للجميع فلا يبقى على وجه الأرض محتاج واحد ، أو معوز واحد ، ولا يجد اصحاب الاموال رجلاً واحداً يقبل زكاة اموالهم وعندما يجد الناس الذهب والفضة مكومة كالجبال ، وكرمال الصحاري ، فما هو الداعي لاسباب التنازع الاقتصادي !! وهكذا في كل الامور حيث الانسجام المطلق بين ابناء الجنس البشرى ، وعدم وجود ما يكدر صفوهم ، أو ينغص عيشهم ، ثم ان الامام المهدي وطاقم حكومته ، لن يوقظوا نائماً ولن يهرقوا دماً [ الحديث رقم 130 ج 1 ] وسيرحمون مساكين العالم فيشعرون كأن


(315)
الدولة تلعقهم الزبدة [ الحديث رقم 131 ] وفي الحقيقة فان كافة سكان العالم مساكين ومستضعفين لانهم خرجوا على الفور وتحرروا من ظلم الظامين ، ومن محاكم تفتيشهم ومن معسكرات اعتقالهم فعهد دولة آل محمد هو فترة نقاهة لمستضعفي العالم ، وهو فترة امن ورخاء في عالم قسى الظالمون على اهله وسلبوهم الامن والرخاء.
     و ما يساعد على تحقيق الانسجام العام الجو النفسي الخاص الذي تخلقه الكفاية ويحققه الرخاء حيث تتفتح مدارك العقل البشرى ومواهبه التي اغلقها الجبابرة والظالمون ويصل الانسان إلى قمة الوعي البشرية ويكتمل ايمانهم [ راجع الحديث رقم 1093 ] ، وتطهر نواياها بعد القضاء التام على اسباب الخلاف والتنازع بين بني البشر وتطهير الارض من الظلم وانتشار المعرفة ، فتکتمل العقول والاحلام [ الحديث رقم 866 ] وتؤكد أحاديث الأئمة الكرام بأن العالم قبل ظهور المهدي سيعرف 27/2 جزءاً من المعارف والعلوم فاذا ظهر الامام المهدي وقامت دولة آل محمد ينشر الله العلم كله بين الناس. [ راجع الحديث رقم 1127 ] ، قال الامام الصادق : « إذا قام قائمنا ، وضع الله يده على رؤوس العباد ، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم ». [ الحديث رقم 869 ] ، وقال الامام الصادق ايضاً عن الامام المهدي : » ... فيعطيكم في السنة عطاءين ، ويرزقكم في الشهر رزقين ، وتؤتون الحكمة في زمانه ، حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه و آله وسلم ». [ الحديث رقم 868 ج 4 من معجم أحاديث الامام المهدي ].
     وستتاثر كافة المخلوقات بحالة الانسجام التام السائد في بني البشر فالأحاديث النبوية تتحدت عن سماء كل قطرها ومائها ، وعن أرض تخرج كل كنوزها ونفائسها ونباتها ، وعن ملائكة تضع نفسها تحت تصرف دولة آل محمد كما وثقنا ذلك ، قال الامام الرضا إذا قام قائمنا بامر الله الملائكة بالسلام على المؤمنين ، والجلوس معهم في مجالسهم ، فإذا أراد واحد حاجة أرسل القائم بعض الملائكة أن يحمله ، الملك حتى يأتي القائم فيقضي حاجته ، ثم يرده ، ومن المؤمنين من يسير في السحاب ومنهم من يسير مع


(316)
الملائكة مشياً ومنهم من يسبق الملائكة ، من يتحاكم الملائكة اليه ، والمؤمن أكرم على الله من الملائكة ، منهم يصيره القائم قاضيا بين مائة الف من الملائكة. [ راجع الحديث رقم 1231 ] ، قال الامام جعفر الصادق : « إن المؤمن في زمن الامام المهدي وهو في المشرق ليرى اخاه الذي في المغرب ، وكذا في المغرب يرى اخاه الذي في المشرق ». [ الحديث رقم 1130 ] ، وقال أيضاً « ان الله يمد بالسماع والابصار حتى يلا يكون بين الامام المهدي وبين شيعته بريد ». [ الحديث رقم 1131 ] ، وروى ايضاً بانه اذا قام القائم استنزل المؤمن الطير من الهواء فيذبحه ويشويه ، ويأكل لحمه ، ولا يكسر عظمه ، ثم يقول له احي باذن الله فيحيى ، ويطير ، وكذا الظباء من الصحاري ، ويكون ضوء البلاد ونورها ولا يحتاجون إلى شمس ولا قمر ، ولا يكون على وجه الارض مؤذٍ ، ولا شر ولا سم ، ولا فساد لان الدعوة سماويه ليست أرضية ، ولا يكون للشيطان فيها وسوسة ، ولا شيء من الفساد.
     قال الامام الحسن عن الامام المهدي : ... يدين له عرض البلاد وطولها ، ولا يبقى كافر إلا آمن به ، ولا طالح الا صلح ، وتصطلح في ملكه السباع ... [ الحديث رقم 692 ] وروى ايضاً بأن الذئب سيرعى مع الغنم وكأنه كلبها..إنها حالة من الانسجام المطلق بين بني البشر ، وبين الكائنات المسخرة لهم !!!

موت الامام المهدي وغياب القمر المنير
     بعد أن تحقيق دولة الامام المهدي ـ دولة آل محمد ـ كافة الغايات والاهداف التي كلف الله عبده الاماخم المهدي بتحقيقها وبعد ان ينجز كل المهام المأمور الهياً بانجازها وبلأجل المحدد يتوفى الله تعالى الامام المهدي وينتقل إلى جوار ربه ، ويغيب القمر الثاني عشر الذي ملأ الأسماع والأبصار ، ورضي منه ساكن الأرض وساكن السماء وبوفاة الامام المهدي ينتهي الحكم الالهي تماماً ، وتغلق الدائرة ، لأن المهدي هو خاتم الأئمة الاثنى عشر الذين اهلهم الله واعدهم لقيادة الأمة الإسلامية من بعد وفاة النبي وحتى قيام الساعة ، فلا امام بعدهم ولا امام قبلهم ، ذلک تقدير العزيز العليم ، وبموت الامام المهدي تنتهي عملياً دولة


(317)
آل محمد ، ولن يبقى بيننا وبين القيامة أو الساعة الا قاب قوسين أو أدنى لان دولة محمد هي آخر الدول [ الحديث رقم 984 و983 ج 4 ] وبموت مؤسسةا تنتهي وتزول عملياً ولا يبقى الا آثارها وتاريخها.

من الذي يرث هذا الملك
العريض الذي بناه الإمام المهدي ؟
     بعد أن يغيب القمر الثاني عشر والأخير من أقمار أهل بيت النبوة غيبة لا رجعة بعدها إلى الدنيا تزول دولة آل محمد عملياً ، وينتهي دورهم لأن الحياة الدنيا ستنتهي دورتها ، وستبدأ دورة الحياة العليا ، بين موت الامام المهدي وبين ساعة قيام القيامة فان الملك وكافة شؤؤن دولة آل محمد ستؤول لشيعة ـ آل محمد ، ويبدو انه بالتسديد الإلهي وبترتيب خاص من الامام المهدي لعصر مابعد المهدي سيتعاقب على حكم العالم من بعده أحد عشر مهدياً وليس اماما لأنه لا امام شرعي بعد المهدي وهؤلاء المهديون سيقتدون بالامام المهدي ، ويسيرون على خطه ، ويدعون الناس إلى موالاة اهل بيت النبوة ومعرفة حقهم ». [ الحديث رقم 1149 ج 4 ] مستفيدين من العصر الذهبي الذي عاشته البشرية في زمن الامام المهدي وفي أحياء وبركات دولة آل محمد ، ويبدو انه وبعد موت الحادي عشر منهم ستفسد الحياة ، وتفلس ، وتنتهي دورتها لتبدأ دورة الحياة الأخرى الخالدة.

« وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين »
حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: فهرس