ــ[121]ــ


إلى الخمور والمخدّرات لتهدئة أعصابه، فيزيد في الطين بلّة وتتضاعف بذلك أضرار القمار.
ويقول عالم آخر: المقامر إنسان مريض يحتاج إلى إشراف نفسي مستمر، ويجب تفهيمه بأنّ الفراغ الروحي هو الذي يدفعه لهذا العمل الشنيع، كي يتّجه لمعالجة نفسه.
ب: علاقة القمار بالجرائم
إحدى مؤسسات الإحصاء الكبرى ذكرت: أنّ 30 بالمائة من الجرائم ناتجة مباشرة عن القمار، و 70 بالمائة من الجرائم ناتجة بشكل غير مباشر عن القمار أيضاً.
ج: الأضرار الإقتصادية للقمار
الملايين بل المليارات من ثروات الأفراد تبدّد سنوياً على هذا الطريق، إضافة إلى المقدار الهائل من الوقت ومن الطاقات الإنسانية.
وجاء في أحد التقارير: في مدينة «مونت كارلو» حيث توجد أكبر دور القمار في العالم، خسر شخص خلال مدّة 19 ساعة من اللعب المستمر أربعة ملايين دولار، وحين أُغلقت دار القمار اتّجه مباشرة إلى الغابة، وانتحر بإطلاق رصاصة على رأسه، ويضيف التقرير: أنّ غابات «مونت كارلو» تشهد باستمرار انتحار مثل هؤلاء الخاسرين.
د: الأضرار الإجتماعية للقمار
القمار يصدّ أصحابه عن التفكير بالعمل الجادّ الإنتاجي المثمر في الحقل الإقتصادي، ويشدّهم دائماً إلى أمل الحصول على ثروة طائلة بدون عناء عن طريق القمار، وهذا يؤدّي إلى إهدار الطاقات الإنتاجية لهؤلاء المقامرين وبالتالي إلى ضعف الإنتاج على قدر نسبتهم.

ــ[122]ــ


المقامرون وعوائلهم يعيشون عادة حياة طفيلية في الجانب الإقتصادي ولا ينتجون، بل يجنون ثمار الآخرين، وقد يضطرّون في حالات الإفلاس إلى السرقة.
أضرار القمار فادحة إلى درجة دفعت حتّى ببعض البلدان غير الإسلامية إلى اعلان منعه، كما حدث في بريطانيا عام 1853، وأمريكا عام 1855، والإتحاد السوفيتي عام 1854، والمانيا عام 1873.
ولابأس أن نشير في الخاتمة إلى إحصائية أجراها بعض المحقّقين تذكر أنّ القمار وراء 90 بالمائة من السرقات، و 10 بالمائة من المفاسد الخلقية، و40 بالمائة من الإعتداءات بالضرب والجرح، و15 بالمائة من الجرائم الجنسية، و 30 بالمائة من الطلاق، و 5 بالمائة من عمليات الإنتحار.
لو أردنا أن نعرّف القمار تعريفاً شاملاً علينا أن نقول: إنّه إهدار للمال والشرف، للحصول على أموال الآخرين بالخدعة والتزْوير، وللترويج عن النفس أحياناً، ثمّ عدم الحصول على كلا الهدفين.
* * *
استعرضنا الأضرار الفادحة المترتّبة على «الخمر والميسر»، وتلزم الإشارة إلى مسألة أُخرى في هذا المجال وهي سبب إشارة الآية الكريمة إلى منافع الخمر والميسر، عندما تعرّضت إلى ذمّهما، بينما نعلم أن منافعهما تافهة بالنسبة إلى أضرارهما.
قد يكون السبب هو أنّ سوق الخمرة والقمار كانت رائجة في الجاهلية مثل عصرنا هذا، ولو لم تشر الآية إلى مسألة المنافع لظنّ ذووا الاُفق الفكري الضيّق أنّ القرآن تناول المسألة من جانب واحد.
أضف إلى ما سبق أن أفكار الإنسان تدور عادةً حول محور المنفعة والضرر،

ــ[123]ــ


وتجب الإستفادة من هذا المنطق لإنقاذ الفرد من المفاسد الأخلاقية الكبرى.
والآية تجيب ضمنياً على بعض أقوال الأطباء بشأن إمكان الإستفادة من المشروبات الكحولية لمعالجة قسم من الأمراض، وتؤكّد أنّ الأضرار المترتّبة عليها أكبر بكثير من نفعها، أي إذا كان لها أثر إيجابي على الشفاء من مرض معيّن، فإنّها منشأ لأمراض خطرة اُخرى، وقد تكون هذه الحقيقة هي التي تشير إليها الروايات القائلة: إن الله لم يجعل الشفاء في الخمر.

4 ـ الإعتدال في مسألة الإنفاق

بالرغم من أنّ الإنفاق من أهم المسائل أكّد عليها الإسلام والقرآن الكريم إلاّ أنّه لم يتركها بدون حساب لتؤدّي إلى الإفراط الشديد بحيث تشلّ حياة الإنسان، فالآية محل البحث ناظرةٌ إلى هذا المعنى كما ذهب إليه بعض المفسّرون، ويمكن أن تكون إشارة إلى أنّ بعض الأشخاص يتذرّعون بإحتياجاتهم الشخصيّة للتخلّص من هذا الحكم الإسلامي المهم، فالقرآن الكريم يقول: أنّكم تتمتّعون في الحياة بالكثير من الاُمور الزّائدة عن الحاجة فعليكم بإنتخاب مقدار منها وإنفاقه.

5 ـ التفكّر في كلّ شيء

جملة (لعلّكم تتفكّرون في الدنيا والآخرة) عبارة عن درس مهم للمسلمين في أنّهم لايخوضون في جميع اُمورهم الماديّة والمعنويّة بدون تفكّر وتدبّر حتّى تبين الآيات الإلهيّة إلى النّاس لبعث روح التفكّر والتدبّر فيهم، فما أسوأ حال الأشخاص الّذين لا يتفكّرون في اُمورهم وأعمالهم الدينيّة ولا في أعمالهم الدنيويّة.
* * *

ــ[124]ــ







الآيـة

وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلاََمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكَة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ ءَايَـاتِهِلِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَƒ

سبب النّزول
نزلت في «مرثد الغنوي» بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكّة ليخرج منها جماعة من المسلمين. وكان قوياً شجاعاً، فدعته أمرأة يقال لها «عناق» إلى نفسها، فأبى وكانت صديقته في الجاهلية، فقالت له: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: حتّى استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا رجع استأذن في التزويج بها، فنزلت الآية تنهي عن الزواج بالمشركات حتى يؤمنّ.

التّفسير

حرمة الزواج مع المشركين:

هذه الآية وطبقاً لسبب النزول المذكور أعلاه بمثابة جواب عن سؤال آخر

ــ[125]ــ


حول الزّواج مع المشركين فتقول (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ) ثمّ تضيف مقايسة وجدانيّة فتقول (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم).
فصحيح أنّ نكاح الجواري وخاصّة الجواري اللاّتي ليس لهنّ مال ولا جمال غير محبّب في عرف النّاس ولا محمود لاسيّما إذا كانت هناك إمرأة مشركة في مقابل ذلك تتمتّع بجمال وثروة ماديّة، ولكنّ قيمة الإيمان تجعل الكفّة تميل لصالح الجواري، لأنّ الهدف من الزواج ليس هو اللّذة الجنسيّة فقط، فالمرأة شريكة عمر الإنسان ومربيّة لأطفاله وتشكّل قسماً مهمّاً من شخصيّته، فعلى هذا الأساس كيف يصحّ استقبال الشرك وعواقبه المشؤومة لاقترانه بجمال ظاهري ومقدار من الأموال والثروة.
ثمّ أنّ الآية الشّريفة تقرّر حكماً آخر وتقول (ولا تنكحوا المشركين حتّى يؤمنوا ولعبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك ولو أعجبكم).
وبهذا الترتيب منع الإسلام من زواج المرأة المؤمنة مع الرجل المشرك كما منع نكاح الرجل المؤمن من المرأة المشركة حتّى أنّ الآية رجّحت العبد المؤمن أيضاً على الرجال المشركين من أصحاب النفوذ والثروة والجمال الظاهري، لأنّ هذا المورد أهم بكثير من المورد الأوّل وأكثرخطورة، فتأثير الزوج على الزوجة أكثر عادةً من تأثير الزوجة على زوجها.
وفي ختام الآية تذكر دليل هذا الحكم الإلهي لزيادة التفكّر والتدبّر في الأحكام وتقول (أولئك ـ أي المشركين ـ يدعون إلى النّار والله يدعو إلى الجنّة والمغفرة بإذنه) ثمّ تضيف الآية (ويُبيّن آياته للنّاس لعلّهم يتذكّرون).
* * *

بحوث

1 ـ الحكمة في تحريم نكاح المشركين

كما رأينا في الآية مورد البحث أنّها تُبيّن الغرض والحكمة من هذا التحريم

ــ[126]ــ


بجملة قصيرة، ولو أنّنا توغّلنا في المراد منها يتّضح: أنّ الزّواج هو الدّعامة الأساسيّة لتكثير النسل وتربية أولاد وتوسعة المجتمع وأنّ المحيط العائلي مؤثّر جدّاً لتربية الأولاد، هذا من جهة.
ومن جهة اُخرى التأثير الحتمي للوراثة على أخلاق الأولاد وسلوكهم، فالطّفل يتربّى في أحضان الاُسرة منذ تولّده وينمو ويترعرع تحت رعاية اُمّه وأبيه غالباً، وهذه المرحلة هي المرحلة الحسّاسة في تكوين شخصيّة الطفل.
ومن جهة ثالثة أنّ الشرك هو المصدر الأساس لأنواع الإنحرافات، وفي الحقيقة هو النار المحرقة في الدنيا والآخرة، ولذلك فالقرآن الكريم لا يُبيح للمسلمين أن يُلقوا بأولادهم في هذا النّار. مضافاً إلى أنّ المشركين الّذين هم بالحقيقة أجانب عن الإسلام والمجتمع الإسلامي سوف ينفذون إلى مفاصل المجتمع الإسلامي وبيوت المسلمين من هذا الطريق، فيؤدّي ذلك إلى تنامي قدرة الأعداء في الداخل والفوضى السياسيّة والإجتماعيّة في أوساط المجتمع، وهذا الحال إنّما يكون في ما لو أصرّ المشركون على شركهم، ولكنّ الباب مفتوح أمامهم فبإمكانهم إعتناق الإسلام والإنخراط في صفوف المسلمين وبذلك ييستطيعون الزواج من أكفّائهم المسلمين.
كلمة (النكاح) وردت في اللّغة فتارةً بمعنى المقاربة الجنسيّة، واُخرى بمعنى عقد الزّواج، والمراد هنا في هذه الآية هو الثاني، أي عقد الزّواج بالرّغم من أنّ الرّاغب في المفردات يقول: (النكاح) في الأصل بمعنى العقد، ثمّ استُعمِل مجازاً في العمليّة الجنسيّة.

2 ـ حقيقة المشركين

مفردة (المشرك) تُطلق غالباً في القرآن الكريم على من يعبد الأوثان، ولكنّ

ــ[127]ــ


بعض المفسرين ذهب إلى أنّ المشرك يشمل سائر الكفّار كاليهود والنّصارى والمجوس (وبشكل عام أهل الكتاب) أيضاً، لأنّ كلّ واحدة من هذه الطوائف يعتقد بوجود شريك للباري عزّوجلّ، فالنّصارى يعتقدون بالتثليث، والمجوس يذهبون إلى الثنويّة وأنّ ربّ العالم هو مزدا وأهريمن، واليهود يرون أنّ «عزير» ابن الله.
ولكن بالرّغم من أنّ هذه الإعتقادات الباطلة موجبة للشّرك إلاّ أنّ الآيات الشريفة الّتي تتحدّث عن المشركين في مقابل أهل الكتاب ومع الأخذ بنظر الإعتبار أنّ اليهود والنصارى والمجوس يرتكزون في أساس ديانتهم على النبوّات الحقّة والكتب السماويّة فيتّضح أنّ منظور القرآن الكريم من المشرك هو عبّاد الوثن.
وقد ورد في الحديث النبوي المعروف في ضمن وصايا متعدّدة (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وهو شاهد على هذا المدّعى، لأنّ من المسلّم أنّ أهل الكتاب لم يُخرَجوا من جزيرة العرب، بل بقوا هناك يعيشون جنباً إلى جنب مع المسلمين بعنوان أقليتة دينيّة، ويلتزمون بما أمر به القرآن الكريم من أداء الجزية إلى المسلمين.

3 ـ هل نُسخت هذه الآية؟

ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ حكم الآية أعلاه قد نُسخ والناسخ له الآية الشريفة (والمحصنات من الّذين اُوتوا الكتاب)(1) حيث أجازت نكاح نساء أهل الكتاب.
وقد نشأ هذا التصور من الإعتقاد أنّ الآية مورد البحث قد حرّمت الزواج مع

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ المائدة: 5.

ــ[128]ــ


جميع الكفّار، فعلى هذا تكون الآية (5) من سورة المائدة الّتي أجازت الزواج من كفّار أهل الكتاب ناسخة لهذا الحكم (أو مخصّصة له) ولكن مع ملاحظة ما ذكرناه من تفسير الآية يتّضح أنّ نظر هذه الآية خاص بالزّواج من المشركين وعبّاد الأوثان لا كفّار أهل الكتاب كاليهود والنّصارى (وطبعاً في مورد الزواج من كفّار أهل الكتاب هناك قرائن في الآية وما ورد من الأحاديث عن أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المراد هو الزّواج الموقّت).

4 ـ تشكيل العائلة والدّقّة في الأمر

أشار بعض المفسّرين المعاصرين إلى نكتة ظريفة في هذه الآية، وهي أنّ هذه الآية و (21) آية اُخرى تأتي بعدها تُبيّن الأحكام المتعلّقة بتشكيل الاُسرة في أبعادها المختلفة، وفي هذه الآيات بيّن القرآن الكريم اثني عشر حكماً شرعياً:
1 ـ حكم الزواج مع المشركين، 2 ـ تحريم الإقتراب من الزوجة في حال الحيض، 3 ـ حكم القسم بعنوان مقدّمة للإيلاء (المراد من الإيلاء هو أن يُقسم الإنسان أن لا يجامع زوجته)، 4 ـ حكم الإيلاء ويتبعه حكم الطلاق، 5 ـ عدّة المرأة المطلّقة، 6 ـ عدد الطلقات، 7 ـ إبقاء الزّوجة بالمعروف أو تركها بالمعروف، 8 ـ حكم الرّضاع، 9 ـ عدّة المرأة المتوفّى زوجها (الأرملة)، 10 ـ خطبة المرأة قبل تمام عدّتها، 11 ـ مهر المرأة المطلّقة قبل الدّخول، 12 ـ حكم الهديّة للمرأة بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه.
وهذه الأحكام مع مجمل الإرشادات الأخلاقيّة في هذه الآيات تبيّن أنّ مسأله تشكيل الاُسرة هو نوع من العبادة لله تعالى ويجب أن يكون مقروناً بالتفكّر والتدبّر(1).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير في ظلال القرآن: ج 1 ص 344 ـ 346.

ــ[129]ــ







الآيتان

وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الَْمحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُواْ الِنّسَآءَ فِي الَْمحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْن فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ ƒنِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لاِنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَƒ

سبب النّزول

للنساء عادة شهرية تستمر بين ثلاثة إلى عشرة أيام. وخلالها يخرج من رحم المرأة دم ذو أوصاف خاصّة مذكورة في كتب الفقه. والمرأة في هذه الحالة تكون حائضاً، وموقف الديانتين اليهودية والنصرانية الحاليتين من المرأة الحائض متناقض يثير الإستغراب.
جمع من اليهود قالوا: إنّ معاشرة المرأة الحائض حرام حتّى المجالسة على مائدة الطعام أو في غرفة واحدة. ويذهبون إلى حظر جلوس الرجل في المكان الذي تجلس فيه الحائض، وإن فعل ذلك تنجّست ملابسه وعليه أن يغسلها، وإن

ــ[130]ــ


رقد معها على سرير واحد تنجّس بدنه ولباسه، فهم يعتبرون المرأة في هذه الحالة موجوداً مدنساً يلزم اجتنابه.
ومقابل هؤلاء يذهب النصارى إلى عدم التفريق بين حالة الحيض والطهر في المرأة، حتّى بالنسبة للجماع.
المشركون العرب، وخاصّة أهل المدينة منهم، كانوا متأثرين بالنظرة اليهودية، ويعاملون المرأة الحائض على أساسها، فينفصلون عنها خلال مدّة الحيض. وهذا الاختلاف في المواقف وما يصحبه من إفراط وتفريط دفع ببعض المسلمين لأن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فنزلت الآية.

التّفسير

أحكام النساء في العادة الشهريّة:

في الآية الاُولى نلاحظ سؤال آخر عن العادة الشهريّة للنّساء، فتقول الآية: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً) وتضيف بلا فاصلة (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتّى يُطهرن...).
(المحيض) مصدر ميمي ويعني العادة الشهريّة للنساء، وجاء في معجم مقاييس اللّغة أنّ أصل هذه المفردة تعني خروج سائل أحمر من شجرة تُدعى «سَمُرة» (ثمّ استُعملت للعادة الشهريّة للنساء) ولكن ورد في تفسير «الفخر الرّازي» أنّ الحيض في الأصل بمعنى السيل ولذلك يُقال للسّيل عند حدوثه (حاض السّيل) ويُقال للحوض هذه اللّفظة بسبب أنّ الماء يجري إليه.
ولكن يُستفاد من كلمات الرّاغب في المفردات عكس هذا المطلب وأنّ هذه المفردة في الأصل تعني دم الحيض (ثمّ استعملت في المعاني الاُخرى).
فعلى كلّ حال فهذه العبارة تعني دم الحيض الّذي عرّفه القرآن بأنّه أذىً، وفي

ــ[131]ــ


الحقيقة أنّ هذه العبارة تُبيّن علّة اجتناب الجماع في أيّام الحيض، فهو إضافة إلى ما فيه من اشمئزاز، ينطوي على أذى وضرر ثبت لدى الطبّ الحديث، ومن ذلك احتمال تسبيب عقم الرجل والمرأة، وإيجاد محيط مناسب لتكاثر جراثيم الأمراض الجنسية مثل السفلس والتهابات الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، ودخول مواد الحيض المليئة بمكروبات الجسم في عضو الرجل، وغير ذلك من الأضرار المذكورة في كتب الطب، لذلك ينصح الأطباء باجتناب الجماع في هذه الحالة.
خروج دم الحيض يعود إلى احتقان الرحم وتسلّخ جداره، ومع هذا الإحتقان يحتقن المبيض أيضاً، ودم الحيض في البداية يكون متقطّعاً باهت اللون ثمّ يزداد ويحمرّ ويعود في الأخير إلى وضعه المتقطّع الباهت(1).
الدم الخارج في أيّام العادة الشهرية هو الدم الذي يتجمّع شهرياً في العروق الداخلية للرحم من أجل تقديم الغذاء للجنين المحتمل. ذلك لأنّ مبيض المرأة يدفع كلّ شهر ببويضة إلى الرحم، وفي نفس الوقت تمتلىء عروق الرحم بالدم استعداداً لتغذية الجنين فإن انعقد الجنين يستهلك الدم لتغذيته، وإلاّ يخرج بشكلدم حيض. من هنا نفهم جانباً آخر لحظر الجماع في هذه الفترة التي يكون الرحم خلالها غيرمستعد استعداداً طبيعياً لقبول نطفة الرجل، حيث يواجه أذى من جراء ذلك.
جملة (يَطْهُرْنَ) بمعنى طهارة النساء من دم الحيض كما ذهب إليه كثير من المفسّرين، وأمّا جملة (فإذا تَطَهَّرْنَ) فقد ذهب الكثير منهم على أنّها تعني الغُسل من الحيض، فعلى هذا الأساس وطبقاً للجملة الاُولى تكون المقاربة الجنسيّة بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مقتبس من إعجاز القرآن: ص 55 ـ 56.

ــ[132]ــ


انتهاء دم الحيض جائزة حتّى لولم تغتسل، وأمّا الجملة الثانيّة فتعني أنّها ما لم تغتسل فلا يجوز مقاربتها(1).
وعلى هذا فالآية لا تخلو من إبهام، ولكن مع الإلتفات إلى أنّ الجملة الثانية تفسير للجملة الاُولى ونتيجة لها (ولهذا اُعطفت بفاء التفريع) فالظاهر أنّ (تَطَهَّرْنَ) أيضاً بمعنى الطهارة من دم الحيض، وبذلك تجوز المقاربة الجنسيّة بمجرّد الطّهارة من العادة الشهريّة، وهذا هو ما ذهب إليه الفقهاء العظام في الفقه وأفتوا بحليّة المقاربة الجنسيّة بعد الطهارة من الحيض حتّى قبل الغسل، ولكن لا شكّ في أنّ الأفضل أن تكون بعد الغسل.
الفقرة الثانية من الآية تقول (فأتوهنّ من حيث أمركم الله)أي أن يكون الجماع من حيث أمر الله، وقد تكون هذه الفقرة تأكيداً لما قبلها، أي آتوا نساءكم في حالة النقاء والطّهر فقط لا في غير هذه الحالة، وقد يكون مفهومها أوسع بخصوص أنّ الجماع بعد الطّهر يجب أن يكون في إطار أوامر الله أيضاً.
هذا الأمر الإلهي من الممكن أن يشمل الأمر التكويني والأمر التشريعي معاً، فالله سبحانه أودع فيالرّجل والمرأة الغريزة الجنسيّة لبقاء نوع الإنسان، وهذه الغريزة تدفع الإنسان للحصول على اللّذة الجنسيّة، لكنّ هذه اللّذة مقدّمة لبقاء النوع فقط، ومن هنا لايجوز الحصول عليها بطرق منحرفة مثل الإستمناء واللّواط وأمثالهما، لأنّ هذا الطريق نوع من الإنحراف عن الأمر التكويني.
وكذلك يمكن أن يكون المراد هو الأمر التشريعي، يعني أنّ الزوجة بعد طهارتها من العادة الشهريّة ينبغي عليها مراعاة جهات الحلال والحرام في الحكمالشرعي.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الجملة الثانية مفهوم الشرط، والأول مفهوم الغاية.

ــ[133]ــ


وذهب البعض إلى أنّ مفهوم هذه الجملة هو حرمة المقاربة الجنسيّة مع الزّوجة عن غير الطريق الطبيعي، ولكن مع الإلتفات إلى أنّ الآيات السابقة لم تتحدّث عن هذا الأمر يكون هذا التفسير غير مناسب للسّياق(1).
الآية الثانية إشارة لطيفة إلى الغاية النهائيّة من العمليّة الجنسيّة فتقول (نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم)
في هذه الآية الكريمة شبّهت النساء بالمزرعة، وقد يثقل هذا التشبيه على بعض، ويتساءل لماذا شبّه الله نصف النوع البشري بهذا الشكل؟
ولو أمعنا النظر في قوله سبحانه لوجدنا فيه إشارة رائعة لبيان ضرورة وجود المرأة في المجتمع الإنساني. فالمرأة بموجب هذا التعبير ليست وسيلة لإطفاء الشهوة، بل وسيلة لحفظ حياة النوع البشري.
«الحرث» مصدر يدلّ على عمل الزراعة، وقد يدلّ على مكان الزراعة «المزرعة» و «أنّى» من أسماء الشرط، وتكون غالباً زمانية. وقد تكون مكانية كما جاء في قوله سبحانه: (يا مريمُ أنّى لِكِ هذا قالت هو من عند الله)(2).
يستفاد من الآية الكريمة ـ على افتراض زمانية أنّى ـ الرخصة في زمان الجماع، أي جوازه في كلّ ساعات الليل والنهار، وعلى افتراض مكانية أنّى يستفاد من الآية الرخصة في مكان الجماع ومحلّه وكيفيته.
(وقدّموا لأنفسكم)
هذا الأمر القرآني يشير إلى أنّ الهدف النهائي من الجماع ليس هو الإستمتاع باللذة الجنسية، فالمؤمنون يجب أن يستثمروه على طريق تربية أبناء صالحين، وأن يقدّموا هذه الخدمة التربوية المقدّسة ذخيرة لاُخراهم. وبذلك يؤكّد القرآن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تأتي كلمة «حيث» بعنوان اسم مكان واسم زمان، ولكن هنا تشير إلى زمن جواز المقاربة الجنسية أي زمن الطهر.
2 ـ آل عمران: 37.

ــ[134]ــ


على رعاية الدقّة في انتخاب الزوجة كي تكون ثمرة الزواج إنجاب أبناء صالحين وتقديم هذه الذخيرة الإجتماعية الإنسانية الكبرى.
وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له»(1).
وجاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال.: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته وسنّة هدىً سنّها فهي تُعمل بها بعد موته وولد صالح يستغفر له»(2).
ووردت بهذه المضمون روايات عديدة أيضاً، وقد جاء في بعضها ستّة موارد أوّلها الولد الصالح(3).
وعلى هذا الأساس يأتي الولد الصالح من حيث الأهميّة إلى جانب الخدمات العلميّة وتأليف الكتب المفيدة وتأسيس المراكز الخيريّة كالمسجد والمستشفى والمكتبة وأمثال ذلك.
وفي ختام هذه الآية تأمر بالتقوى وتقول:(واتّقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه وبشّر المؤمنين).
لمّا كانت المقاربة الجنسيّة تعتبر من المسائل المهمّة ومن أشد الغرائز إلحاحاً على الإنسان، فإنّ الله تعالى يدعو في هذا الآية الإنسان إلى الدقّة في أمر ممارسة هذه الغريزة والحذر من الإنحراف، وتُنذر الجميع بأنّهم ملاقوا ربّهم وليس لهم طريق للنّجاة سوى الإيمان والتقوى.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 321.
2 ـ بحار الأنوار: ج 1 ص 294 ح 4.
3 ـ المصدر نفسه ص 293 ح 1.

ــ[135]ــ


بحوث
1 ـ الحكم الإسلامي العادل في مسألة الحيض
هناك الاعتقادات مختلفة في الأقوام السّالفة حول العادة الشهريّة للنّساء، فاليهود يُشدّدون أمرها ويعزلون المرأة في هذه الأيّام كليّاً عن كلّ شيء: عن الأكل والشرب عن المجالسة والمؤاكلة والمضاجعة، وقد وردت في التوراة الحاليّة أوامر متشدّدة في هذا الصّدد(1).
وعلى العكس من ذلك النّصارى حيث لا يلتزمون بأيّة محدوديّة في هذه الأيّام، فلا فرق بين حالة الحيض والطّهر لدى المرأة. المشركون العرب ليس لديهم حكماً خاصّاً في هذا المجال، ولكنّ أهالي المدينة كانوا متأثّرين بآداب اليهود وعقائدهم في معاشرتهم للنّساء أيّام الحيض فكانوا يتشدّدون مع المرأة في هذه الأيّام، في حين أنّ سائر العرب لم يكونوا كذلك، بل قد تكون المقاربة الجنسيّة محببّة لديهم فيها، ويعتقدون أنّه لو حصل من تلك المقاربة ولد فإنّه سوف يكون فتّاكاً ومتعطّشاً للدّماء، وهذه من الصّفات المتميّزة والمطلوبة لدى أعراب البادية(2).

2 ـ اقتران الطهارة بالتوبة

إنّ إقتران الطهارة والتوبة في الآيات أعلاه يُمكن أن يكون إشارة إلى أنّ الطّهارة تتعلّق بالطّهارة الظاهريّة والتوبة إشارة إلى الطّهارة الباطنيّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ورد في باب 15 من سفر اللاويين من التوراة: «وإذا حاضت المرأة فسبعة أيّام تكون في طمثها، وكلّ من يلمسها يكون نجساً إلى المساء، كل ما تنام عليه في أثناء حيضها أو تجلس عليه يكون نجساً، وكلّ من يلمس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء...» وأحكام اُخرى من هذا القبيل.
2 ـ مقتبس من تفسير الميزان: ج 2 ص 208 ذيل الآية مورد البحث، كتاب انيس الأعلام: ج 2 ص 106 و107، وكذلك شرح المسبوطي مع ذكر المصادر.