ــ[76]ــ







الآيتان

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَـانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ƒ فَإِن زَلَلْتُم مِن بَعْدِ مَاجَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَـاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ƒ

التّفسير

السّلام العالمي في ظلّ الإسلام:

بعد الإشارة إلى الطائفتين (المؤمنين المخلصين والمنافقين المفسدين) في الآيات السابقة تدعو هذه الآيات الكريمة كلّ المؤمنين إلى السِّلم والصلح وتقول: (يا أيّها الّذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافّة).
(سلم) و (سلام) في اللّغة بمعنى الصّلح والهدوء والسكينة، وذهب البعض إلى تفسيرها بمعنى الطّاعة، فتدعوا هذه الآية الكريمة جميع المؤمنين إلى الصلح والسّلام والتسليم إلى اُوامر الله تعالى، ويُستفاد من مفهوم هذه الآية أنّ السّلام لا يتحقّق إلاّ في ظلّ الإيمان، وأنّ المعايير والمفاهيم الأرضيّة والماديّة غير قادرة على إطفاء نار الحروب في الدنيا، لأنّ عالم المادّة والتعلّق به مصدر جميع الإضطرابات والنّزاعات دائماً، فلولا القوّة المعنويّة للإيمان لكان الصّلح

ــ[77]ــ


مستحيلاً، بل يُمكن القول أنّ دعوة الآية العامّة لجميع المؤمنين بدون استثناء من حيث اللّغة والعنصر والثروة والإقليم والطبقة الإجتماعيّة إلى الصّلح والسّلام يُستفاد منها أنّ تشكيل الحكومة العالميّة الواحدة في ظل الإيمان بالله تعالى والعيش في مجتمع يسوده الصّلح ممكن في إطار الدولة العالميّة.
واضحٌ أنّ الاُطر الماديّة الأرضيّة (من اللّغة والعنصر و...) هي عوامل تفرقة بين أفراد البشر وبحاجة إلى حلقة إتّصال محكمة تربط بين قلوب النّاس، وهذه الحلقة ليست سوى الإيمان بالله تعالى الّذي يتجاوز كلّ الإختلافات، الإيمان بالله واتّباع أمره هو النقطة والمحور لوحدة المجتمع الإنساني ورمز ارتباط الأقوام والشّعوب، ويمكن رؤية ذلك من خلال مناسك الحجّ الّذي يُعتبر نموذجاً بارزاً إلى اتّحاد الأقوام البشريّة بمختلف ألوانها وقوميّتها ولغاتها وأقاليمها الجغرافيّة وأمثال ذلك حيث يشتركون في المراسم العبادية الروحانيّة في منتهى الصّلح والصّفاء، وبمقايسة سريعة بين هذه المفاهيم والأنظمة الحاكمة على الدول الفاقدة للإيمان بالله تعالى وكيف أنّ الناس يفتقدون فيها إلى الأمان النفسي والمالي ويخافون على اعراضهم ونواميسهم يتّضح لنا التفاوت بين المجتمعات المؤمنة وغير المؤمنة من حيث الصّلح والأمان والسّلام والطمأنينة.
ويُحتمل أيضاً في تفسير الآية أنّ بعض أهل الكتاب (اليهود والنصارى) عندما يعتنقون الإسلام يبقون أوفياء لبعض عقائدهم وتقاليدهم السابقة، ولهذا تأمر الآية الشريفة أن يعتنقوا الإسلام بكافّة وجودهم ويخضعوا ويسلّموا لجميع أحكامه وتشريعاته(1). ثمّ تضيف الآية (ولا تتّبعوا خطوات الشّيظان إنّه لكم عدوٌّ
مبين)وقد مرّ بنا في تفسير الآية (168) من هذه السورة الإشارة إلى أنّ كثير من الإنحرافات ووساوس الشيطان تحدث بصورة تدريجيّة على شكل مراحل حيث

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير الكبير، المجلد الخامس، ص 207 ـ روح المعاني، ج 2، ص 97، ولكن نظر أن «كافة» تشمل جميع المؤمنين وليس كافة تشريعات الإسلام (في الحقيقة حال لـ «الذين آمنوا» لا السلم) والتفسير الأوّل أصح في النظر.

ــ[78]ــ


يسمّيها القرآن (خطوات الشيطان).
(خطوات) جمع «خطوة» وهنا تكرّرت هذه الحقيقة من أنّ الإنحراف عن الصلح والعدالة، والتسليم لإرادةالأعداء ودوافع العداوة والحرب وسفك الدماء يبدأ من مراحل بسيطة وينتهي بمراتب حادّة وخطرة كما في المثل العربي المعروف (إنّ بدو القتال اللّطام).
فتارةً تصدر من الإنسان حركة بسيطة عن عداء وحقد وتؤدّي إلى الحرب والدّمار، ولهذا تخاطب الآية المؤمنين أن يلتفتوا إلى نقطة البداية كي لا تؤدّي شرارات الشرّ الاُولى لإشتعال لظى المعارك والحروب.
وجدير بالذّكر أنّ هذا التعبير ورد في القرآن الكريم خمس مرّات وفي غايات مختلفة.
وذكر بعض المفسّرين أنّ (عبدالله بن سلام) وأتباعه الذين كانوا من اليهودوأسلموا طلبوا الإذن من رسول الله بقراءة التوراة في الصلاة والعمل ببعضأحكامها، فنزلت الآية الآنفة الذكر ونهت هؤلاء عن إتّباع خطواتالشيطان(1).
ومن شأن النزول هذا يتبيّن أنّ الشيطان ينفذ في فكر الإنسان وقلبه خطوة خطوة، فيجب التصدّي للخطوات الاُولى لكيلا تصل إلى مراحل خطرة.
وتتضمّن جملة (إنّه لكم عدوٌّ مبين) برهاناً ودليلاً حيّاً حيث تقول أنّ عداء الشيطان للإنسان ليس بأمر خفي مستتر، فهو منذ بداية خلق آدم أقسم أن يبذل جهده لإغواء جميع البشر إلاّ المخلصين الّذين لا ينالهم مكر الشيطان، فمع هذا الحال كيف يمكن تغافل وسوسة الشيطان.
الآية التالية إنذار لجميع المؤمنين حيث تقول (فإن زللتم من بعد ما جاءتكمالبيّنات فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم) فلو انحرفتم وسرتم مع

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير القرطبي، المجلد الثاني، ص 832.

ــ[79]ــ


وساوسالشيطان على خلاف مسار الصلح والسلام فإنّكم لا تستطيعون بذلك الفرار من العدالة الإلهيّة.
المنهج بيّن والطريق بيّن والهدف بيّن، ومعلوم من هنا لا عذر لمن يزل عن الطريق، فلو انحرفتم فأنتم المقصّرون، فاعلموا أنّ الله قادر حكيم لا يستطيع أحد أن يفرّ من عدالته.
(بيّنات) بمعنى الدلائل الواضحة، ولها مفهوم واسع يستوعب الدلائل العقليّة، وكذلك ما يتّضح للإنسان عن طريق الوحي أو المعجزات.
* * *

ــ[80]ــ







الآيـة

هَلْ يَنُظرُونَ إلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئَكَةُ وَقُضِيَ الاَْمْرُ وَإلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ƒ

التّفسير

توقّع غير معقول:

قد يبدو للوهلة الاُولى أنّ في هذه الآية الكريمة نوعاً من الإبهام والتعقيد، لكنّ ذلك يزول عند إمعان النظر بتعبيراتها.
الآية تخاطب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول معقبّة على الآيات السابقة: أليست كلّ هذه الدلائل والآيات والأحكام الواضحة كافية لصدّ الإنسان عن الهلكة وانقاذه من براثين عدوّه المبين (الشيطان)، هل ينتظرون أن يأتي الله إليهم مع الملائكة في وسط الغمامة ويطرح عليهم من الآيات والدلائل أوضح ممّا سبق، وإنّ ذلك محال، وعلى فرض كونه غير محال فإنّه لا ضرورة لذلك: (هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر)(1).
أمّا ما هو المراد من «قُضي الأمر» الوارد في الآية؟
ذهب المرحوم (الطبرسي) في مجمع البيان أنّ معناها انتهاء حساب البشر في

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «ظُلل» جمع «ظلة» يقال لكلّ شيء يصنع ظلاً، و «غمام» بمعنى السحاب.

ــ[81]ــ


يوم القيامة ودخول أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النّار إلى النّار، وعلى هذا الأساس
فالآية ناظرة إلى الآخرة في حين أنّ ظاهر الآية يتعلّق بهذه الحياة الدنيا، ولهذا فليس من البعيد أن تكون هذه الآية إشارة إلى نزول العذاب الإلهي على الكفّار المعاندين، وقد ورد في هذا المعنى في كلام الطبرسي وغيره من المفسّرين بعنوان أحد الإحتمالات.
ويمكن أن يكون المعنى إشارة إلى انتهاء مأموريّة التبليغ وبيان الحقائق الواردة في الآية السابقة بعنوان (بيّنات)، وبهذا يكون انتظار وتوقع هؤلاء بلا معنى، فعلى فرض المحال إمكانيّة حضور الله تعالى والملائكة أمامهم فلا حاجة إلى ذلك كما ذكرنا، لأنّ مستلزمات الهداية قد وُضعت أمامهم بالقدر الكافي، وبناءً على هذا التفسير لايوجد في الآية أي تقدير، والألفاظ بعينها قد فُسّرت، وبهذا يكون الإستفهام الوارد في الآية استفهاماً إنكاريّاً.
وهناك من المفسّرين من لم يرَ الإستفهام في الآية إستنكاريّاً، واعتبره نوعاً من التهديد للمذنبين ولاُولئك السائرين على خُطى الشيطان، سواء كان التهديد بعذاب الآخرة أو الدنيا، ولهذا فهم يقدّرون قبل كلمة «الله» كلمة (أمر) فيكون المعنى حينئذ: (أيريد هؤلاء بأعمالهم هذه أن يُؤتيهم أمر الله وملائكته لمعاقبتهم وتعذيبهم ولينالوا عذاب الدنيا أو الآخرة وينتهي أمرهم وأعمالهم).
ولكنّ التفسير المذكور أعلاه أنسبُ المعاني لهذه الآية ظاهراً ولا حاجة إلى التقدير.
والخلاصة أنّ لهذه الآية ثلاثة تفاسير:
1 ـ أنّ المراد هو أنّ الله تعالى قد أتمَّ حجّته بمقدار كاف، فلا ينبغي للمعاندين توقّع أن يأتيهم الله والملائكة أمامهم ويبيّنوا لهم الحقائق، لأنّ هذا أمر محال وعلى فرض أنّه غير محال لا حاجة لذلك.
2 ـ المراد هو أنّ هؤلاء مع عنادهم وعدم إيمانهم هل ينتظرون الأمر الإلهي

ــ[82]ــ


بإنزال العذاب وملائكة العذاب عليهم فيهلكوا عن آخرهم.
3 ـ المراد أنّ هؤلاء بهذه الأعمال هل ينتظرون قيام السّاعة ليصدر الأمر إلى الملائكة بتعذيبهم وينالوا جزاءهم العادل؟(1)
التعبير بـ (ظلل من الغمام) بناءً على التفسير الثاني والثالث الّذي ذهب إليه الكثير من المفسّرين إشارة إلى أنّ العذاب الإلهي يأتي فجأةً كالسّحاب الّذي يُظلّلهم وخاصّة أنّ الإنسان إذا رأى السّحاب يتوقّع أمطار الرّحمة، فعندما يأتي العذاب بصورة الصاعقة وأمثال ذلك وينزل عليهم فسيكون أقسى وأشدّ إيلاماً (مع الإلتفات إلى أنّ عذاب بعض الأقوام السّالفة نزل عليهم بصورة صاعقة من الغمام)(2).
أمّا على أساس التفسير الأوّل فقد يكون إشارة إلى عقيدة الكفّار الخرافيّة حيث يظنّون أنّ الله تعالى ينزل أحياناً من السّماء والسّحاب تظلّله(3).
وفي نهاية الآية تقول (وإلى الله ترجع الاُمور) الاُمور المتعلّقة بإرسال الأنبياء ونزول الكتب السماويّة وتبيين حقائق يوم القيامة والحساب والجزاء والثواب والعقاب وكلّها تعود إليه.
* * *

بحث

استحالة رؤية الله:

لاشكّ أنّ الرّؤية الحسيّة لا تكون إلاّ للأجسام الّتي لها لون ومكان وتأخذ حيّز من الفراغ، فعلى هذا لا معنى لرؤية الله تعالى الّذي هو فوق الزمان والمكان.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ لم يذكر التقدير في التفسير الأوّل ويجب أخذه بنظر الاعتبار في التفسير الثاني والثالث في كلمة «امُرء قبل لفظ الجلالة «الله».
2 ـ راجع الآية (189) من سورة الشعراء.
3 ـ المصدر السابق.

ــ[83]ــ


إنّ الذات المقدّسة يستحيل رؤيتها بهذه العين لا في الدّنيا ولا في الآخرة، والأدلّة العقليّة على هذه المسألة واضحة إلى درجة أنّه لا حاجة لشرحها وبيانها، ولكن مع ذلك فإنّ طائفة من علماء أهل السّنة ومع الأسف يستندون على بعض الأحاديث الضعيفة وعدد من الآيات المتشابهة على إمكان رؤية الله تعالى يوم القيامة بهذه العين الماديّة، وإنّه سيكون له قالب جسماني ولون ومكان، وبعضهم يرى أنّ الآية مورد البحث ناظرة إلى هذا المعنى، فلعلّهم لم يلتفتوا إلى مدى المفاسد والمشكلات المترتّبة على هذا القول.
وطبعاً لاشكّ في إمكانيّة رؤية الله تعالى بعين القلب، سواء في هذه الدنيا أو في عالم آخر، ومن المسلّم أنّ ذاته المقدّسة في يوم القيامة لها ظهور أقوى وأشد من ظهورها في هذا العالم ممّا يستدعي أن تكون المشاهدة أقوى، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) في جواب من سأله: هل يمكن مشاهدة الله يوم القيامة؟ فقال: «.... إنّ الأبصار لا تدرك إلاّ ما له لون وكيفيّة والله تعالى خالق الألوان والكيفيّة»(1).
وقد أوردنا أبحاثاً في عدم إمكانيّة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة في ذيل الآيات المربوطة، منها في ذيل آية (103) من سورة الأنعام (لا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار) وذكرنا بحثاً آخر أكثر تفصيلاً في المجلّد الرابع من (نفحات القرآن) فراجع.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نور الثقلين، ج 1، ص 753.

ــ[84]ــ







الآيـة

سَلْ بَنِى إِسْرَائيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـاهُم مِّنْ ءَاَيةِ بَيِّنَة وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ƒ

التّفسير

تبديل نعمة الله بالعذاب الأليم:

تشير هذه الآية إلى أحد مصاديق الآيات السابقة، لأنّ الحديث في الآيات السابقة كان يدور حول المؤمنين والكافرين والمنافقين، وأنّ الكافرين كانوا يتجاهلون آيات الله وبراهينه الواضحة ويتذّرعون بمختلف الحجج والمعاذير، وبني إسرائيل مصداق واضح لهذا المعنى، وتقول الآية: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بيّنة).
ولكنّهم تجاهلوا وتغافلوا عن هذه الآيات والعلائم الواضحة وأنفقوا المواهب الإلهيّة والنعم الربانية في أساليب مذمومة ومنحرفة، ثمّ تقول الآية (ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإنّ الله شديد العقاب).
والمراد من (تبديل النعمة) هو استخدام الإمكانات والطّاقات والمصادر

ــ[85]ــ


الماديّة والمعنويّة الموهوبة على طريق تخريبي إنحرافي وممارسة الظلم والطغيان، فقد وهب الله سبحانه وتعالى مواهب كثيرة لبني إسرائيل من قبيل الأنبياء والقادة الشجعان والإمكانات الماديّة الكثيرة، ولكنّهم لم ينتفعوا من أنبياءهم الإلهيّين، ولا استفادوا من المواهب الماديّة استفادة صحيحة، وبهذا ارتكبوا معصية تبديل النّعمة ممّا سبّب لهم أنواع العذاب الدنيوي، كالتيه في الصحراء وكذلك العذاب الاُخروي الأليم.
وعبارة (سل بني إسرائيل) في الحقيقة تستهدف كسب الإعتراف منهم بشأن النعم الإلهيّة، ثمّ التفكير بالسّبب الّذي أدّى بهم إلى الهاوية والتمزّق مع كلّ هذه الإمكانات ليكونوا عبرة للمسلمين ولكلّ مَن لا ينتفع بالمواهب الإلهيّة بصورة سليمة.
ولاتنحصر مسألة تبديل النّعمة والمصير المؤلم لها ببني إسرائيل، بل أنّ جميع الأقوام والشّعوب إذا ارتكبت مثل هذه الخطيئة سوف تبتلي بالعذاب الإلهي الشديد في الدنيا وفي الآخرة.
فالعالم المتطوّر صناعيّاً يعاني اليوم من هذه المأساة الكبرى، فمع وفور النعم والطاقات لدى الإنسان المعاصر وفوراً لم يسبق له مثيل في التاريخ نجد صوراً شتّى من تبديل النعم وتسخيرها بشكل فضيع في طريق الإبادة والفناء بسبب ابتعادهم عن التعاليم الإلهيّة للأنبياء، حيث حوّروا هذه النعم إلى أسلحة مدمّرة من أجلّ بسط سيطرتهم الظالمة واستعمارهم للبلدان الاُخرى، وبذلك جعلوا من الدنيا مكاناً غير آمن، وجعلوا الحياة الدنيا غير آمنة من كلّ ناحية.
(نعمة الله) في هذه الآية قد تكون إشارة إلى الآيات الإلهيّة وتبديلها يعني تحريفها، أو يكون المعنى أوسع وأشمل من ذلك حيث يستوعب كلّ الإمكانات والمواهب الإلهيّة، والمعنى الثاني أرجح.
* * *

ــ[86]ــ







الآيـة

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنوُاُْ وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابƒ

سبب النّزول

عن ابن عبّاس المفسّر المعروف قال: 

أنّها نزلت في رؤساء قريش الّذين بُسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين الفقراء كعبد الله بن مسعود وعمّار وبلال وخباب ويقولون: لو كان محمّد نبيّاً لاتّبعته أشرافنا، فنزلت الآية لتردّ عليهم.

التّفسير

الكافرون عبيد الدّنيا:

نزول الآية طبقاً للرّواية المذكورة بشأن رؤساء قريش لا يمنع أن تكون مكمّلة لموضوع الآية السابقة بشأن اليهود وأن نستنتج منها قاعدة كليّة، تقول الآية (زيّن للّذين كفروا الحياة الدنيا) ولذلك أفقدهم الغرور والتكبّر شعورهم.

ــ[87]ــ


(ويسخرون من الّذين آمنوا) في حين أنّ المؤمنين والمتّقين في أعلى عليّين في الجنّة، وهؤلاء في دركات الجحيم (والّذين اتّقوا فوقهم يوم القيامة).
لأنّ المقامات المعنويّة تتّخذ صور عينيّة في ذلك العالَم، ويكتسب المؤمنون درجات أسمى من هؤلاء، وكأنّ هؤلاء يسيرون في أعماق الأرض بينما يحلّق الصالحونفيأعاليالسّماء،وليس ذلك بعجيب (واللهيرزق منيشاءبغيرحساب).
وهذه في الحقيقة بشارة للمؤمنين الفقراء وإنذار وتهديد للأغنياء والأثرياء المغرورين، وهناك احتمال آخر أيضاً وهو أنّ الجملة الأخيرة تشير إلى أنّ الله تعالى يرزق المؤمنين في المستقبل بدون حساب، وذلك بتقدّم الإسلام واتّساعه حيث تحقّق هذا الوعد الإلهي.
وكون ذلك الرّزق الإلهي بدون حساب للمؤمنين إشارة إلى أنّ الثواب والمواهب الإلهيّة ليست بمقدار أعمالنا إطلاقاً، بل هي مطابقة لكرمه ولطفه، ونعلم أنّ كرمه ولطفه ليست لهما حدود ونهاية.
* * *

ملاحظة

إنّ الحياة الماديّة في منظار الكافرين ـ الّذين لا يتّعدى اُفق تفكيرهم إطار العالم المادّي ـ جميلة وجذّابة ومعيار تقويم كلّ شيء، ومن هنا فإنّهم ينظرون بفكرهم الضيّق إلى الفقراء نظرة تحقير واستهانة واستهزاء، ولا يقيمون وزناً للقيم المعنويّة والإنسانيّة.
ويبقى هنا سؤالٌ عن معنى فعل المجهول (زُيّن) فمن الّذي يُزيّن الدنيا في أنظار الكافرين؟ الجواب على هذا السؤال سيأتي إن شاء الله في تفسير الآية (14) من سورة آل عمران.
* * *

ــ[88]ــ







الآيـة

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَهً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـاتُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنوُاْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم ƒ

التّفسير

طريق الوصول إلى الوحدة:

بعد بيان حال المؤمنين والمنافقين والكفّار في الآيات السّابقة شرع القرآن الكريم في هذه الآية في بحث اُصوليّ كلّي وجامع بالنسبة لظهور الدّين وأهدافه والمراحل المختلفة الّتي مرّ بها.
في البداية تقول الآية (كان النّاس اُمّة واحدة)(1).
فتبدأ هذه الآية ببيان مراحل الحياة البشريّة وكيفيّة ظهور الدّين لإصلاح

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «اُمّة»بمعنىالجماعةالتيترتبطبنوعمنالرابطةالموحدة لأفرادهاسواءكانتوحدةدينية أو زمانية أومكانية.

ــ[89]ــ


المجتمع بواسطة الأنبياء وذلك على مراحل:
المرحلة الاُولى: مرحلة حياة الإنسان الإبتدائيّة حيث لم يكن للإنسان قد ألف الحياة الإجتماعية، ولم تبرز في حياته التناقضات والإختلافات، وكان يعبد الله تعالى استجابةً لنداء الفطرة ويؤدّي له فرائضه البسيطة، وهذه المرحلة يحتمل أن تكون في الفترة الفاصلة بين آدم ونوح (عليهما السلام).
المرحلة الثانية: وفيها اتّخذت حياة الإنسان شكلاً اجتماعيّاً، ولابدّ أنيحدث ذلك لأنّه مفطور على التكامل، وهذا لا يتحقّق إلاّ في الحياة الإجتماعيّة.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة التناقضات والإصطدامات الحتميّة بين أفراد المجتمع البشري بعد استحكام وظهور الحياة الإجتماعيّة، وهذه الإختلافات سواء كانت من حيث الإيمان والعقيدة، أو من حيث العمل وتعيين حقوق الأفراد والجماعات تحتّم وجود قوانين لرعاية وحل هذه الإختلافات، ومن هنا نشأت الحاجة الماسّة إلى تعاليم الأنبياء وهدايتهم.
المرحلة الرابعة: وتتميّز ببعث الله تعالى الأنبياء لإنقاذ الناس، حيث تقول الآية (فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين).
فمع الإلتفات إلى تبشير الأنبياء وإنذارهم يتوجّه الإنسان إلى المبدأ والمعاد ويشعر أنّ وراءه جزاءً على أعماله فيحس أنّ مصيره مرتبط مباشرةً بتعاليم الأنبياء وما ورد في الكتب السّماويّة من الأحكام والقوانين الإلهيّة لحل التناقضات والنّزاعات المختلفة بين أفراد البشر، لذلك تقول الآية (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه).
المرحلة الخامسة: هي التمسّك بتعاليم الأنبياء وما ورد في كتبهم السماويّة لإطفاء نار الخلافات والنزاعات المتنوعة (الإختلافات الفكريّة والعقائديّة

ــ[90]ــ


والإجتماعيّة والأخلاقيّة).
المرحلة السادسة: واستمر الوضع على هذا الحال حتّى نفذت فيهم الوساوس الشيطانيّة وتحرّكت في أنفسهم الأهواء النفسانيّة، فأخذت طائفة منهم بتفسير تعليمات الأنبياء والكتب السماويّة بشكل خاطيء وتطبيقها على مرادهم، وبذلك رفعوا علم الإختلاف مرّة ثانية. ولكن هذا الإختلاف يختلف عن الإختلاف السابق، لأنّ الأوّل كان ناشئاً عن الجهل وعدم الإطّلاع حيث زال وانتهى ببعث الأنبياء ونزول الكتب السماويّة، في حين أنّ منبع الإختلافات الثانية هو العناد والإنحراف عن الحقّ مع سبق الإصرار والعلم، وبكلمة: (البغي)، وبهذا تقول الآية بعد ذلك (وما اختلف فيه إلاّ الّذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم).
المرحلة السابعة: الآية الكريمة بعد ذلك تُقسّم الناس إلى قسمين، القسم الأوّل المؤمنون الّذين ينتهجون طريق الحقّ والهداية ويتغلّبون على كلّ الإختلافات بالإستنارة بالكتب السماويّة وتعليم الأنبياء، فتقول الآية: (فهدى الله الّذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) في حين أنّ الفاسقين والمعاندين ماكثون في الضلالة والإختلاف.
وختام الآية تقول (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وهذه الفقرة إشارة إلى حقيقة ارتباط مشيئة الله تعالى بأعمال الأفراد، فجميع الأفراد الرّاغبون في الوصول إلى الحقيقة يهديهم الله تعالى إلى صراط مستقيم ويزيد في وعيهم وهدايتهم وتوفيقهم في الخلاص من الإختلافات والمشاجرات الدنيويّة مع الكفّار وأهل الدنيا ويرزقهم السكينة والإطمئنان، ويبيّن لهم طريق النجاة والإستقامة.
* * *