ــ[61]ــ
وصفات الجلال والجمال.
أمّا المراد من (ذكر الله) في هذه الآية فهناك أقوال كثيرة بين المفسّرين، ولكنّ الظاهر أنّها تشمل جميع الأذكار الإلهيّة بعد أداء مناسك الحجّ، وفي الحقيقة أنّه يجب شكر الله تعالى على جميع نعمه وخاصّة نعمة الإيمان والهداية إلى هذه العبادة العظيمة، فتكتمل الآثار التربويّة للحجّ بذكر الله.
بعد ذلك يوضّح القرآن طبيعة مجموعتين من الناس وطريقة تفكيرهم.. مجموعة لا تفكّر إلاّ بمصالحها الماديّة ولا تتجّه في الدعاء إلى الله إلاّ من هذه المنطلقات الماديّة فتقول (فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق)(1).
والمجموعة الثانية تتحدّث عنهم الآية بقولها (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
وهذه الفقرات من الآيات محل البحث تشير إلى هاتين الطائفتين وأنّ الناس في هذه العبادة العظيمة على نوعين، فبعض لا يفكر إلاّ بالمنافع الماديّة الدنيويّة ولا يريد من الله سواها، فمن البديهي أنّه يبقى له شيء في الآخرة.
ولكنّ الطائفة الثانية اتسّعت آفاقهم الفكريّة فاتجّهوا إلى طلب السّعادة في الدنيا باعتبارها مقدّمة لتكاملهم المعنوي وطلب السّعادة في الآخرة، فهذه الآية الكريمة توضّح في الحقيقة منطق الإسلام في المسائل الماديّة والمعنويّة وتدين الغارقين في الماديّات كما تدين المنعزلين عن الحياة.
أمّا ما المراد من (الحسنة)؟ فهناك تفاسير مختلفه لها، فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الحسنة: (إنّها السّعة في الرّزق والمعاش وحس الخلق
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «خلاق» كما يقول الراغب تعني الفضائل الأخلاقية التي يكتسبها، وهنا على قول الطبرسي أنها تعني النصيب (الذي هو نتيجة الفضائل الأخلاقية).
ــ[62]ــ
في الدنيا ورضوان الله والجنّة في الآخرة)(1).
ولكنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّها تتضمّن معنى العلم والعبادة في الدنيا والجنّة في الآخرة، أو المال في الدنيا والجنّة في الآخرة، أو الزوجة الصالحة في الدنيا والجنّة في الآخرة، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المعاني (من أوتي قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه واُخراه فقد أُوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووُقي عذاب النار)(2).
وواضح أنّ تفسير الحسنة هذا له مفهوم واسع بحيث يشمل جميع المواهب الماديّة والمعنويّة، وما ورد في الرواية أعلاه أو في كلمات المفسّرين فهو بيان لأبرز المصاديق لا حصر الحسنة بهذه المصاديق، فما تصوّره بعض المفسّرين من أنّ الحسنة الواردة في الآية بصورة المفرد النكرة لا تشمل على كلّ خير، ولهذا وقع الإختلاف في مصداقها بين المفسّرين(3)، إنّما هو إشتباه محض، لأنّ المفرد النكرة تارة يأتي بمعنى الجنس ومورد الآية ظاهراً من هذا القبيل، فالمؤمنون ـ كما ذهب إليه بعض المفسّرين ـ يطلبون من الله تعالى أصل الحسنة بدون أن ينتخبوا لها مصداقاً من المصاديق، بل يوكلون هذا الأمر إلى مشيئته وإرادته وفضله تعالى(4).
وفي آخر آية إشارة إلى الطائفة الثانية (الّذين طلبوا من الله الحسنة في الدنيا والآخرة) فتقول (اُولئك لهم نصيب ممّا كسبوا والله سريع الحساب).
وفي الحقيقة هذه الآية تقع في النقطة المقابلة للجملة الأخيرة من الآية السابقة (وما له في الآخرة من خلاق).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان، ج 1، ص 297.
2 ـ مجمع البيان، ج 1، ص 298.
3 ـ التفسير الكبير، ج 5، ص 189.
4 ـ في ظلال القرآن، ج 1، ص 290.
ــ[63]ــ
واحتمل البعض أنّها تتعلّق بكلا الطائفتين، فالطائفة الاُولى يتمتّعون بالنعم والمواهب الدنيويّة، والطائفة الثانية يتمتّعون بخير الدنيا والآخرة كما ورد ما يشبه هذه الآيات في سورة الإسراء الآية 18 إلى 20 حيث يقول: (من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثمّ جعلنا له جهنم يصليها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاُولئك كان سعيهم مشكوراً كُلاٍّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظوراً).
ولكنّ التفسير الأوّل منسجم مع الآيات مورد البحث أكثر.
عبارة (نصيب) مع أنّها جاءت بصورة نكرة، ولكنّ القرائن تدلّ على أنّ النكرة هنالبيان العظمة، والتعبير بقوله (ممّا كسبوا) ليست إشارة إلى قلّة النصيب والثواب والجزاء، لأنّه من الممكن أن تكون (من) ابتدائيّة لا تبعيضيّة.
أمّا التعبير بقوله (كَسَب) في جملة (ممّا كسبوا) فتعني ـ كما ذهب إليه كثير من المفسّرين ـ الدّعاء لطلب خير الدنيا والآخرة، فاختيار هذا التعبير قد يكون إشارة إلى نكتة لطيفة وهو أنّ الدعاء بذاته يعتبر من أفضل العبادات والأعمال، ومن خلال التحقيق في عشرات الآيات الواردة في القرآن المجيد في مادّة «كسب» ومشتقاتها يُستفاد جيّداً أنّ هذه المفردة تستعمل أيضاً لغير الأعمال الجسميّة أيضاً، أي الأعمال القلبيّة والروحيّة كما ورد في الآية 225 من سورة البقرة (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).
فلا عجب أن يكون الدّعاء إذاً نوع من الكسب والإكتساب وخاصّةً إذا لم يكن الدعاء باللّسان فقط بل مقترن بجميع وجود الإنسان.
أمّا جملة (والله سريع الحساب) الواردة في الفقرة الأخيرة من الآية فإنّها تشير إلى سرعة حساب الله تعالى لعباده، فإنّه يُجازي بالثواب والعقاب نقداً وبدون تأخير، فقد ورد في الحديث الشريف (إنّ الله تعالى يحاسب الخلائق كلّهم
ــ[64]ــ
في مقدار لمح البصر)(1).
وهذا لأنّ علم الله ليس كعلم المخلوقات المحدود حيث يشغلها موضوع عن موضوع آخر.
إضافة إلى ذلك أنّ محاسبة الله لاينبغي أن تستلزم زماناً، لأنّ أعمالنا ذات آثار باقية في جسم وروح الموجودات المحيطة بنا وفي الأرض وأمواج الهواء، فالإنسان يشبه من هذه الجهة السّيارات المجهّزة بقياس السرعة والمسافة حيث تقرأ فيها كلّ لحظة مقدار عملها وسيرها ولا يحتاج بعدها إلى كتاب لحساب المسافات الّتي طوتها السيّارة طيلة عمرها.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان، ج 1، ص 298، ذيل الآية.
ــ[65]ــ
الآية
واذْكُرُوا اللهَ فِي أيَّام مَعْدُودات فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْه، لِمَنْ اتقى واتَقُوا اللهَ واعلَمُوا أَنَكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ƒ
التّفسير
آخر كلام عن الحجّ:
هذه الآية في الحقيقة آخر آية وردت في بيان مناسك الحجّ وإبطال السّنن الجاهليّة في المفاخرات الموهومة بالنسبة للأسلاف فتوصي المسلمين (بعد مراسم العيد) أن يذكروا الله تعالى (واذكروا الله في أيّام معدودات).
ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذا الأمر بقرينة الآيات السابقة ناضرة إلى الأيّام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الّتي تسمّى بلسان الروايات (أيّام التشريق) ويتّضح من اسم هذه الأيّام أنّها فترة إشراق الرّوح الإنسانية في ظل تلك المناسك العظيمة.
وفي الآية 28 من سورة الحجّ ورد الأمر بذكر الله في (أيّام معلومات)وهنا
ــ[66]ــ
وردت عبارة في (أيّام معدودات) فالمعروف هو أنّ الأيّام المعلومات تعني العشرة الأيّام من بداية ذي الحجّة، وأما (أيّام معدودات) فالمراد بها أيّام التشريق المذكورة آنفاً، ولكنّ بعض المفسّرين أورد احتمالات اُخرى غير ذلك في شرح الآية 28 من سورة الحجّ، وسيأتي في شرح الآية 28 من سورة الحجّ(1).
أمّا المراد من (أذكار) فقد ورد في الأحاديث الإسلاميّة أنّها تعني تلاوة التكبيرات التالية بعد خمسة عشر صلاة في هذه الأيّام (ابتداءً من صلاة الظهر من يوم العيد حتّى صلاة الصبح من اليوم الثالث العشر) وهي (الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام).
ثمّ تشير الآية إلى هذا الحكم الشرعي (فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى) وهذا التعبير بالحقيقة إشارة إلى نوع من التخيير في أداء ذكر الله بين يومين أو ثلاثة أيّام.
وجملة (لمن أتّقى) ظاهراً قيد للتعجيل في اليومين، أي لا إثم على من تعجّل واختار اليومين أو الثلاثة، وهذا التعجيل يختص بمثل هؤلاء الأشخاص.
وجاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المراد من التقوى هنا هي تجنّب الصيد، أي أنّ الأشخاص حين الإحرام يجب عليهم تجنّب الصيد أو جميع تروك الإحرام، فيمكنهم البقاء بعد عيد الأضحى يومين في منى ولأداء مناسكهم وذكر الله تعالى، أمّا من لم يتّق فيجب عليه البقاء ثلاثة أيّام هناك لأداء المراسم العباديّة وذكر الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ بالرغم من أن «أيام» جمع «يوم» وهو مذكر، إلاّ أنه وصف بـ «معلومات» و «معدودات» بصيغة المؤنث، وقيل أن ذلك لأن الأيّام مركبة من ساعات، ولعلّه إشارة إلى أنكم ينبغي أن تذكروا الله طيلة ساعات هذه الأيّام.
ــ[67]ــ
وذهب البعض إلى أنّ جملة (لا إثم عليه) إشارة إلى نفي كلّ إثم وذنب عن زوّار بيت الله الحرام، أي أنّ الحاج بعد أداء مناسكه عن ايمان وإخلاص ووعي يُغفر له ما تقدّم من ذنبه وتزول رواسب المعاصي وأدران الذنوب من قلبه ونفسه، ويخرج من هذه العبادة التربويّة خالصاً طاهراً نقيّاً.
فمع أنّ هذا المعنى صحيح بذاته، إلاّ أنّ ظاهر الآية ينسجم مع المعنى الأوّل أكثر.
وفي نهاية الآية نلاحظ أمراً كليّاً بالتّقوى حيث تقول الآية (واتّقوا الله واعلموا أنّكم إليه تُحشرون).
فعلى أحد هذين التفسيرين المذكورين آنفاً يمكن أن تكون هذه الجملة إشارة إلى أنّ المناسك الروحانيّة في الحجّ تطهّر الإنسان من الذنوب السّابقة كيوم ولدته اُمّه، ولكن عليكم تقوى الله والحذر من الوقوع في الذنب مرّة اُخرى.
* * *
ــ[68]ــ
الآيـات
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ƒ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الاَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ƒوَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بالإْثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ƒ
سبب النّزول
ذُكر في سبب نزول هذه الآيات أمران:
1 ـ أنّ هذه الآيات نزلت في (الأخنس بن شريف) وكان رجلاً وسيماً عذب البيان يتظاهر بالإسلام وحبّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان كلّما جلس عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أقسم بالله على إيمانه وحبّه للرّسول، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يغدق عليه من لطفه وحبّه كما هو مأمورٌ به، ولكنّ هذا الشخص كان منافقاً في الباطن وفي حادثة نزاع بينه وبين بعض المسلمين هجم عليهم وقتل أحشامهم وأباد زرعهم (وبهذا أظهر ما في باطنه من النّفاق)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي وغيره من التفاسير.
ــ[69]ــ
2 ـ ومن المفسّرين من نقل عن ابن عباس أنّ الآية المذكورة نزلت في سريّه (الرجيع) حيث بعث رسول الله مجموعة من الدعاة إلى القبائل المتوطنّة أطراف المدينة، فدبّرت لهم مؤامرة لئيمة استشهدوا فيها(1).
ولكنّ سبب النّزول الأوّل أكثر انسجاماً مع مضمون الآيات، وعلى أيّ حال فالدرس الّذي تقدّمه الآية عام وشامل.
التّفسير
مصير المفسدين في الأرض:
الآية الاُولى تشير إلى بعض المنافقين حيث تقول (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام).
(ألد) تأتي بمعنى ذو العداوة الشديدة، وأصلها من (لديد) التي يراد بها طرفي الرقبة وكناية عن الشخص الّذي يغلب الأعداء من كلّ جانب، و (خصام) لها معنىً مصدري وهو الخصومة والعداوة.
ثمّ تضيف الآية التالية بعض العلامات الباطنيّة لعداوة مثل هذا الإنسان وهي: (وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد).
أجل، فإنّ الله سبحانه وتعالى يفضح هؤلاء ويكشف سريرتهم، لأنّ هؤلاء لو كانوا صادقين في إيمانهم وإظهارهم المحبّة لما أفسدوا في الأرض مطلقاً ولما اعتدوا على مزارع الناس وأغنامهم بدون رحمة أو شفقة، فبالرّغم من أنّ ظاهرهم المحبّة الخالصة إلاّ أنّهم في الباطن أشدّ الناس قساوة ووحشيّة.
واحتمل كثير من المفسّرين أنّ المراد بقوله (إذا تولّى) أي إذا حكم، لأنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير أبو الفتوح، ج 2، ص 140، قلّما روى هذا السبب النّزول.
ــ[70]ــ
التولّي من الولاية بمعنى الحكومة، فيكون معنى الولاية حينئذ أنّ المنافقين إذا حكموا في الأرض أهلكوا الحرث والنسل وأشاعوا الظلم بين عباد الله، وبسبب ظلمهم وجورهم تهلك الماشية وتتعرّض أموال ونفوس الناس للخطر(1).
(حرث) بمعنى الزّراعة، (نسل) بمعنى الأولاد، وتُطلق أيضاً على أولاد الإنسان وغير الإنسان، فعلى هذا يكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى إتلاف كلّ الموجودات الحيّة أعمّ من الأحياء النباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة.
وذُكر لمعنى الحرث والنسل تفاسير اُخرى منها: أنّ المراد بالحرث هو النساء بقرينة الآية الشريفة (نساؤكم حرث لكم)(2) والمراد بالنسل هم الأولاد، أو يكون المراد من الحرث هنا الدين والعقيدة والنسل الناس (وهذا التفسير هو الوارد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) المذكور في مجمع البيان).
وعلى كلّ حال فإنّ التعبير (يهلك الحرث والنسل) كلام مختصر وجامع لكلّ المصاديق حيث يشمل الإفساد والتخريب بالنسبة للأموال والنفوس في المجتمع البشري.
والآية الاُخرى تُضيف (وإذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالإثم)(3) فتشتعل في قلبه نيران التعصّب واللّجاج وتجرّه إلى المعصية والإثم.
فمثل هذا الشخص لا يستمع إلى نصيحة النّاصحين ولايهتم للإنذارات الإلهيّة، بل يستمر على عناده وإرتكابه للآثام والمنكرات مغروراً، فلا يكون جزاءه إلاّ النار، ولذلك يقول في نهاية الآية (فحسبه جهنّم وبئس المهاد).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير الميزان، ج 2 ، ص 96 ـ وكذلك اُشير إلى هذا البحث في ذيل هذه الآية في تفسير مجمع البيان وأبو الفتوح الرازي، ولكن هذا الرأي لا يناسب سبب النّزول، وإن كان مفهوم الآية واسعاً.
2 ـ البقرة، 233.
3 ـ العزة في مقابل الذلّة في الأصل. ولكن هنا ورد بمعنى الغرور والنخوة، (روح المعاني) والراغب يرى أنها بمعنى عدم المغلوبية في الأصل، ومجازاً تأتي بمعنى الغرور.
ــ[71]ــ
وفي الحقيقة أنّ هذه هي أحد الصّفات القبيحة والذّميمة للمنافقين حيث أنّهم لا يستسلمون للحقّ بسبب التعصّب والتحجّر وقساوة القلب، وهذه الصفات الذّميمة تبلغ بصاحبه إلى أعلا درجات الإثم، فمن البديهي أنّ مثل هذه الأخشاب اليابسة المنحرفة لا تستقيم إلاّ بنار جهنّم.
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الله عزّوجلّ وصف هؤلاء الأشخاص بخمس صفات في الآيات المذكورة آنفاً، الاُولى: أنّ كلامهم يخدع الإنسان، الثانية: أنّ قلوبهم ملوّثة ومظلمة، الثالثة: أنّهم ألدّ الأعداء، الرّابعة: أنّهم إذا سنحت الفرصة فلا يرحمون أحداً من الإنسان والحيوان والزرع، الخامسة: أنّهم وبسبب الغرور والتكبّر لا يقبلون أيّة نصيحة.
* * *
ــ[72]ــ
الآيـة
وَمِن النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِƒ
سبب النّزول
روى «الثعلبي» مفسّر أهل السنّة المعروف في تفسيره أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أراد الهجرة إلى المدينة خلّف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت عنده وأمره ليلة خروجه من الدّار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه وقال له: اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي وإنّه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء الله تعالى. ففعل ذلك علي، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل إنّي آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة انزلا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.
فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل يُنادي بخّ بخّ
ــ[73]ــ
مَن مثلك يا علي يُباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة، فأنزل الله على رسوله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن علي الآية.
ولهذا سُمّيت هذه اللّيلة التاريخية بليلة المبيت، ويقول ابن عباس نزلت الآية في علي حين هرب رسول الله من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ونام علي على فراش النبي.
ويقول (أبو جعفر الإسكافي) كما جاء في شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المجلّد (3) الصفحة (270) «إنّ حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يجحده إلاّ مجنون أو غير مخالط لأهل الملّة»(1).
التّفسير
التضحيّة الكبرى في دولة الهجرة التاريخيّة:
بالرّغم من أنّ الآية محل البحث تتعلّق كما ورد في سبب النزول بحادثة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتضحية الإمام علي ومبيته على فراش النبي، ولكنّ مفهومها ومحتواها الكلّي ـ كما في سائر الآيات القرآنية ـ عامٌّ وشامل، وفي الحقيقة أنّها تقع في النقطة المقابلة للآيات السابقة الّتي تتحدّث عن المنافقين.
تقول الآية(ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد).
الطائفة السّابقة الّتي تحدّثنا عنها هي مجموعة من الأشخاص المعنادين والمغرورين والأنانيّين الّذين يحاولون أن يحقّقوا لهم بين المجتمع عزّة وكرامة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ذكر صاحب الغدير: ج 2 ص 44 و 55 أنّ ليلة المبيت رواها الغزالي في إحياء العلوم: ج 3 ص 238، والصفوي في نزهة المجالس: ج 2 ص 209، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة، والسبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص: ص 21، ومسند أحمد: ج 1 ص 48 وتاريخ الطبري: ج 2 ص 99 ـ 101، وابن هشام في السيرة: ج 2 ص 291، والحلبي في السيرة: ج 2 ص 29، وتاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 29.
ــ[74]ــ
عن طريق النفاق ويتظاهرون بالإيمان بأقوالهم بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
أما هذه الطائفة الثّانية فتعاملهم مع الله وحده حيث يقدّمون أرواحهم رخيصة في سبيله، ولا يبتغون سوى رضاه، ولا يطلبون عزّة ورفعة الإّ بالله، وبتضحيات هؤلاء يصلح أمر الدّين والدنيا ويستقيم شأن الحقّ والحقيقة وتصفو حياة الإنسان وتثمر شجرة الإسلام.
ومن هنا يتّضح أنّ جملة (والله رؤوف بالعباد) بمثابة النقطة المقابلة لما ورد في الآية السابقة عن المنافقين المفسدين في الأرض (فحسبه جهنّم ولبئس المهاد) وقد تكون إشارة إلى أن الله عزّوجلّ في الوقت الّذي هو رحيم ورؤوف بالعباد هو الّذي يشري الأنفس بأغلى الأثمان وهو رضوان الله تعالى عن الإنسان.
وممّا يستلفت النظر أنّ البائع هو الإنسان، والمُشتري هو الله تعالى، والبضاعة هي النفس، وثمنها هو رضوان الله تعالى، في حين نرى في موارد اُخرى أنّ ثمن مثل هذه المعاملات هو الجنّة الخالدة والنجاة من النار، من قبيل قوله تعالى (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فَيَقْتلُون ويُقْتَلون)(1).
ولعلّه لهذا السبب كانت (مِن) في الآية مورد البحث تبعيضية (ومن الناس)، يعني أنّ بعض الناس يستطيعون أن يقوموا بمثل هذه الأعمال الخارقة بحيث لا يطلبون عوضاً عن أرواحهم وأنفسهم سوى رضوان الله تعالى، وأمّا في الآية (111) من سورة التوبة التي ذكرناها سابقاً رأينا أنّ جميع المؤمنين قد دُعوا إلى التعامل والتجارة مع الله تعالى في مقابل الجنّة الخالدة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ التوبة: 111.
ــ[75]ــ
ويُحتمل أيضاً في تفسير جملة (والله رؤوف بالعباد) وتناسبها مع بداية هذه الآية أنّ المراد هو بيان هذه الحقيقة أنّ وجود مثل هؤلاء الأفراد بين الناس لطف من الله سبحانه ورأفة بعباده، إذ لو لم يكن بين الناس مثل هؤلاء الأفراد المضحّين المتفانين مقابل تلك العناصر الخبيثة لانهدمت أركان الدّين والمجتمع، لكنّ الله سبحانه بفضله ومنّه يدفع بهؤلاء الصّديقين الأولياء خطر أُولئك الأعداء.
فعلى أيّ حال، فهذه الآية ومع الإلتفات إلى سبب النزول المذكور آنفاً تُعدُّ أعظم الفضائل لإمام علي (عليه السلام) الواردة في ااكثر المصادر الإسلامية، وكانت في صدر الإسلام من الوضوح بين المسلمين بحيث دعت معاويه العدو اللّدود للإمام علي (عليه السلام) أن يُرشي (سمرة بن جندب) بأربعمائة ألف درهم كي يروي حديثاً مختلطاً ينسب فيه فضيلة هذه الآية إلى عبدالرحمن ابن ملجم، وقد اختلق هذا المنافق الجاني هذه الفرية، ولكنّ أحداً لم يقبل منه حديثه المجعول(1).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نقل قصّة هذه المعاملة «ابن أبي الحديد» في شرح «نهج البلاغة» ج 4، ص 73.