ــ[671]ــ
أفضل مكان من الناحية العسكرية والدفاعية.
المسلمون يتهيئون للدفاع:
لقد استشار النبي أصحابه في هذه المسألة يوم الجمعة، ولذلك فإنه بعد إنتهاء المشاورة قام يخطب لصلاة الجمعة وقال بعد حمد الله والثناء عليه:
«انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم».
ثمّ تولى (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه قيادة المقاتلين وقد أمر بأن تعقد ثلاث ألوية، دفع واحد منها للمهاجرين، واثنين منها للأنصار، ثمّ إن النبي قطع المسافة بين المدينة و «أُحد» مشياً على الأقدام، وكان يستعرض جيشه طوال الطريق، ويرتب صفوفهم، يقول المؤرخ المعروف الحلبي في سيرته:
وسار إلى أن وصل «رأس الثنية» وعندها وجد كتيبه كبيره فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما هذا؟ قالوا: هؤلاء خلفاء عبدالله بن أبي اليهودي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أسلموا؟ فقيل: لا، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «انا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك» فردهم، ورجع عبدالله بن أبي اليهودي ومن معه من أهل النفاق وهم ثلاثةمائة رجل(1).
ولكن المفسّرين كتبوا أن «عبدالله بن أبي» رجع من أثناء الطريق مع جماعة من أعوانه، يبلغون ثلاثمائة رجل، لأنه لم يؤخذ برأيه في الشورى.
وعلى أي حال فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أجرى التصفية اللازمة في صفوف جيشه واستغنى عن بعض أهل الريب والشكّ والنفاق استقر عند الشعب من «أُحد» في عدوة الوادي إلى الجبل وجعل «أحداً» خلف ظهره واستقبل المدينة.
وبعد أن صلّى بالمسلمين الصبح صف صفوفهم وتعبأ للقتال.
فأمّر على الرمّاة «عبدالله بن جبير» والرماة خمسون رجلاً جعلهم (صلى الله عليه وآله وسلم) على
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ السيرة الحلبية المجلد الثاني الصفحة 233.
ــ[672]ــ
الجبل خلف المسلمين وأوعز إليهم قائلاً:
«إن رأيتمونا قد هزمناهم حتّى أدخلناهم مكّة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتّى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم».
ومن جانب آخر، وضع أبو سفيان «خالد بن الوليد» في مأتي فارس كميناً يتحينون الفرصة للتسلل من ذلك الشعب ومباغتة المسلمين من ورائهم وقالوا: «إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتّى تكونوا وراءهم».
بدء القتال:
ثمّ اصطف الجيشان للحرب، وراح كلّ واحد منهما يشجع رجاله على القتال بشكل من الأشكال ويحرضهم على الجلاد بما لديه من وسيلة.
وقد كان أبو سفيان يحرض رجاله باسم الأصنام ويغريهم بالنساء الجميلات.
وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان يحث المسلمين على الصمود والإستقامة، مذكراً إياهم بالنصر الإلهي والتأييدات الربانية.
ها هي تكبيرات المسلمين ونداءات «الله أكبر، الله أكبر» تدوي في جنبات ذلك المكان، وتملأ شعاب «أُحد» وسهولها، بينما تحرض هند والنسوة اللاتي معها من نساء قريش وبناتها الرجال ويضربن بالدفوف ويقرأن الأشعار المثيرة.
وبدأ القتال وحمل المسلمون على المشركين حملة شديدة هزمتهم شر هزيمة، وألجأتهم إلى الفرار وراح المسلمون يتعقبونهم ويلاحقون فلولهم.
ولما علم «خالد» بهزيمة المشركين وأراد أن يتسلل من خلف الجبل ليهجم على المسلمين من الخلف شقه الرماة بنبالهم، وحالوا بينه وبين نيته.
هذه الهزيمة القبيحة التي لحقت بالمشركين دفعت ببعض المسلمين الجديدي العهد بالإسلام إلى التفكر في جمع الغنائم والإنصراف عن الحرب، بظن أن
ــ[673]ــ
المشركين هزموا هزيمة كاملة، حتّى أن بعض الرماة تركوا مواقعهم في الجبل متجاهلين تذكير قائدهم «عبدالله بن جبير» إياهم بما أوصاهم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق معه إلاَّ قليل ظلوا يحافظون على تلك الثغرة الخطرة في الجبل محافظة على المسلمين.
فتنبه «خالد بن الوليد» إلى قلة الرماة في ذلك المكان، فكر راجعاً بالخيل (وعددهم مائتا رجل كانوا معه في الكمين) فحملوا على «عبدالله بن جبير» ومن بقي معه من الرماة وقتلوهم بأجمعهم، ثمّ هجموا على المسلمين من خلفهم.
وفجأة وجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم العدو بسيوفهم، وداخلهم الرعب، فإختل نظامهم، وأكثر المشركون من قتل المسلمين فاستشهد ـ في هذه الكرة ـ «حمزة» سيد الشهداء وطائفة من أصحاب النبي الشجعان، وفر بعضهم خوفاً، ولم يبق حول النبي سوى نفر قليل جداً يدافعون عنه ويردون عنه عادية الأعداء، وكان أكثرهم دفاعاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورداً لهجمات العدو، وفداء بنفسه هو «الإمام علي بن أبي طالب» (عليه السلام) الذي كان يذب عن النبي الطاهر ببسالة منقطعة النظير، حتّى أنه تكسر سيفه فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيفه المسمى بذي الفقار، ثمّ تترس النبي بمكان، وبقي علي (عليه السلام) يدفع عنه حتّى لحقه ـ حسب ما ذكره المؤرخون ـ ما يزيد عن ستين جراحة في رأسه ووجهه، ويديه وكلّ جسمه المبارك، وفي هذه اللحظة قال جبرائيل «إن هذه لهي المواساة يا محمّد» فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) «إنه مني وأنا منه» فقال جبرائيل: «وأنا منكما».
قال الإمام الصادق (عليه السلام): نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جبرائيل بين السماء والأرض وهو يقول: « لاسيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي»(1).
وفي هذه اللحظة صاح صائح: قتل محمّد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير مجمع البيان المجلد الأول الصفحة 497.
ــ[674]ــ
من الصائح: قتل محمّد؟
يذهب بعض المؤرخين إلى أن «ابن قمئة» الذي قتل الجندي الإسلامي البطل «مصعب بن عمير» وهو يظن أنه النبي، هو الذي صاح «واللات والعزى: لقد قتل محمّد».
وسواء كانت هذه الشائعة من جانب المسلمين،أو العدو فإنها ـ ولاريب ـ كانت في صالح الإسلام والمسلمين لأنها جعلت العدو يترك ساحة القتال ويتجه إلى مكّة بظنّه أن النبي قد قتل وانتهى الأمر، ولولا ذلك لكان جيش قريش الفاتح الغالب لا يترك المسلمين حتّى يأتي على آخرهم لما كانوا يحملونه من غيظ وحنق على النبي، بل ولما كانوا يتركون ساحة القتال حتّى يقتلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنهم لم يجيئوا إلى «أُحد» إلاّ لهذه الغاية.
لم يرد ذلك الجيش الذي كان قوامه ما يقارب خمسة آلاف ـ وبعد تلك الإنتصارات ـ أن يبقى ولو لحظة واحدة في ساحة القتال، ولذلك غادرها في نفس الليلة إلى مكّة، وقبل أن يندلع لسان الصباح.
إلاّ أن شائعة مقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجدت زلزالاً كبيراً في نفوس بعض المسلمين، ولذلك فر هؤلاء من ساحة المعركة.
وأما من بقي من المسلمين في الساحة فقد عمدوا ـ بهدف الحفاظ على البقية من التفرق وإزالة الخوف والرعب عنهم ـ إلى أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشعب من «أُحد» ليطلع المسلمون على وجوده الشريف ويطمئّنوا إلى حياته، وهكذا كان، فإنهم لما عرفوا رسول الله عاد الفارون وآب المنهزمون واجتمعوا حول الرسول ولامهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على فرارهم في تلك الساعة الخطيرة، فقالوا يا رسول الله أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين.
وهكذا لحقت بالمسلمين ـ في معركة أحد ـ خسائر كبيرة في الأموال
ــ[675]ــ
والنفوس، فقد قتل منهم في هذه الموقعة اثنان وسبعون من المسلمين في ميدان القتال، كما جرح جماعة كبيرة، ولكنهم أخذوا من هذه الهزيمة والنكسة درساً كبيراً ضمن إنتصاراتهم في المعارك القادمة، وسوف نعرض بتفصيل عند دراسة الآيات القادمة لآثار هذه الحادثة الكبرى بإذن الله سبحانه.
* * *
ــ[676]ــ
الآيات
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ__ƒ_إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـثَةِ ءَالَـف مِّنَ الْمَلاَئكَةِ مُنزَلِينَ__ƒ_بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـف مِّن الْمَلاَئكَةِ مُسَوِّمِينَ__ƒ_وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ__ƒ_لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئبِينَ__ƒ_
التّفسير
المرحلة الخطيرة من الحرب:
بعد إنتهاء معركة «أُحد» عاد المشركون المنتصرون إلى مكّة بسرعة، ولكنّهم بدالهم في أثناء الطريق أن لا يتركوا هذا الإنتصار دون أن يكملوه ويجعلوه ساحقاً، أليس من الأحسن أن يعودوا إلى المدينة، وينهبوها ويلحقوا بالمسلمين
ــ[677]ــ
مزيداً من الضربات القاضية وأن يقتلوا محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان لايزال حيّاً ليتخلصوا من الإسلام والمسلمين ويطمئن بالهم من ناحيتهم بالمرّة.
لهذا صدر قرار بالعودة إلى المدينة، ولا ريب أنه كان أخطر مراحل معركة «أُحد» بالنظر إلى ما كان قد لحق بالمسلمين من القتل والجراحة والخسائر، الذي كان قد سلب منهم كلّ طاقة للدخول في معركة جديدة أو لإستئناف القتال، فيما كان العدو في ذروة القوّة والروحية العسكرية التي كانت تمكن العدو من تحقيق إنتصارات جديدة، وإحراز النتيجة لصالحه، فنهاية هذه العودة ونتيجتها كانت معروفة سلفاً.
وقد بلغ خبر العودة هذه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولولا شهامته البالغة، وقدرته المكتسبة من الوحي على الأخذ بزمام المبادرة لإنتهى تاريخ الإسلام وحياته عند تلك النقطة.
في هذه المرحلة الحساسة بالذات نزلت الآيات الحاضرة لتقوي روحية المسلمين وتصعد من معنوياتهم، وفي أعقاب ذلك صدر أمر من النبي إلى المسلمين بالتهيؤ لمقابلة المشركين، فاستعد جميع المسلمين حتّى المجروحين (ومنهم الإمام علي (عليه السلام) الذي كان يحمل في جسمه أكثر من ستين جراحة) لمقابلة المشركين، وخرجوا بأجمعهم من المدينة لذلك.
فبلغ هذا الخبر مسامع زعماء قريش فأرعبتهم هذه المعنوية العالية التي يتمتع بها المسلمون وظنوا أن عناصر جديدة التحقت بالمسلمين وإن هذا يمكن أن يغير نتائج المواجهة الجديدة لصالح المسلمين، ولذلك فكروا في العدول عن قرارهم بمهاجمة المدينة، حفاظاً على قواهم، وهكذا قفلوا راجعين إلى مكة بسرعة، وانتهت القضية عند هذا الحدّ.
وإليك شرحاً للآيات التي نزلت لتقوّي روحية المسلمين، وتجبر ما نزل بهم من هزيمة في هذه المعركة.
ــ[678]ــ
فقد بدأت هذه الآيات بتذكير المسلمين بما تحقق لهم من نصر ساحق بتأييد الله لهم في «بدر»(1) إذ قال سبحانه (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وقد كان الهدف من هذا التذكير هو شد عزائم المسلمين وزرع الثقة في نفوسهم والإطمئنان إلى قدراتهم، والأمل بالمستقبل، فقد نصرهم الله وهم على درجة كبيرة من الضعف، وقلة العدد وضآلة العدة (حيث كان عددهم 313 مع امكانيات بسيطة قليلة، وكان عدد المشركين يفوق ألف مقاتل مع امكانيات كبيرة).
فإذا كان الأمر كذلك فليتقوا الله، وليجتنبوا مخالفة أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكونوا بذلك قد أدوا شكر المواهب الإلهية (فاتقوا الله لعلكم تشكرون).
ثمّ تتعرض الآية اللاحقة لذكر بعض التفاصيل حول ما جرى في «بدر» إذ قالت: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين)أي اذكروا واذكر أيّها النبي يوم كنت تقول للمسلمين الضعفاء آنذاك اخرجوا وسيمدكم الله بالملائكة ألا يكفيكم ذلك لتحقيق النصر الساحق على جحافل المشركين المدججين بالسلاح؟
نعم أيها المسلمون لقد تحقّق لكم ذلك في «بدر» نتيجة صبركم واستقامتكم، واليوم يتحقّق لكم ذلك أيضاً إذا أطعتم أوامر النبي، وسرتم وفق تعليماته وصبرتم: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم(2) هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين).
على أن نزول الملائكة هذا لن يكون هو العامل الأساسي لتحقيق هذا الإنتصار لكم بل النصر من عند الله، وليس نزول الملائكة إلاَّ لتطمئن قلوبكم (وما جعله الله إلاَّ بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلاّ من عند الله العزيز
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «بدر» سميت بدر لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر (مجمع البحرين).
وبدر من حيث اللغة يعني الممتلى الكامل. ولهذا سمي القمر إذا امتلأ: بدراً.
2 ـ «الفور» السرعة التي تقلب المعادلات كما يفور القدر وتتقلب محتوياتها بسرعة.
ــ[679]ــ
الحكيم) فهو العالم بسبل النصر ومفاتيح الظفر، وهو القادر على تحقيقه.
ثمّ إنه سبحانه عقب هذه الآيات بقوله: (ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين).
وهذه الآية وإن ذهب المفسّرون في تفسيرها مذاهب مختلفة، إلاّ أنها ـ في ضوء ما ذكرناه في تفسير الآيات السابقة بمعونة الآيات نفسها وبمعونة الشواهد التاريخية ـ واضحة المراد بيّنة المقصود كذلك. فهي تقصد أن تأييد الله للمسلمين بإنزال الملائكة عليهم إنما هو لأجل القضاء على جانب من قوّة العدو العسكرية، وإلحاق الذلة بهم.
يبقى أن نعرف أن «طرف» الشيء يعني جانبه وقطعة منه. وأمّا «يكبتهم» فيعني الرد بعنف وإذلال.
ثمّ إن هاهنا أسئلة تطرح نفسها حول كيفية نصرة الملائكة للمسلمين ومساعدتهم على تحقيق الإنتصار فسنجيب عليها ـ بإذن الله ـ لدى تفسير الآيات 7 ـ 12 من سورة الأنفال.
* * *
ــ[680]ــ
الآية
لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَْمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فإِنَّهُمْ ظَـالِمُونَ__ƒ_
التّفسير
وقع بين المفسّرين في تفسير هذه الآية كلام كثير، إلاّ أن ما هو مسلّم تقريباً هو أن الآية الحاضرة نزلت بعد «معركة أُحد» وهي ترتبط بأحداث تلك المعركة، والآيات السابقة تؤيد هذه الحقيقة أيضاً.
ثمّ إنّ هناك معنيين يلفتان النظر من بين المعاني المذكورة في تفسير هذه الآية وهما:
أولاً: إن هذه الآية تشكل جملة مستقلة، وعلى هذا تكون جملة (أو يتوب عليهم) بمعنى «إلاّ أن يتوب عليهم» ويكون معنى مجموع الآية كالتالي: ليس لك حول مصيرهم شيء، فإنهم قد استحقوا العذاب بما فعلوه، بل ذلك إلى الله، يعفو عنهم إن شاء أو يأخذهم بظلمهم، والمراد بالضمير «هم» إمّا الكفّار الذين ألحقوا بالمسلمين ضربات مؤلمة، حتّى أنهم كسروا رباعية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشجوا جبينه
ــ[681]ــ
المبارك، وأما المسلمين الذين فروا من ساحة المعركة، ثمّ ندموا على ذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها واعتذروا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه العفو.
فالآية تقول: إن العفو عنهم، أو معاقبتهم على ما فعلوا، أمر يعود إلى الله تعالى، وأن النبي لن يفعل شيئاً بدون إذنه سبحانه.
وهناك تفسير آخر، وهو أن يعتبر قوله (ليس لك من الأمر شيء) جملة إعتراضية، وتكون جملة (أو يتوب عليهم) جملة معطوفة على (أو يكبتهم)وتعتبر هذه الآية متصلة بالآية السابقة.
وعلى هذا يكون المراد من مجموع الآيتين، السابقة والحاضرة هو: إن الله سيمكنكم من وسائل النصر ويصيب الكفّار بإحدى اُمور أربعة: إما أن يقطع طرفاً من جيش المشركين، أو يردهم على أعقابهم خائبين مخزيين، أو يتوب عليهم إذا أصلحوا، أو يعذبهم بظلمهم، وعلى كلّ حال فإنه سيعامل كلّ طائفة وفق ما تقتضيه الحكمة والعدالة، وليس لك أن تتخذ أي موقف من عندك إذ كلّ ذلك إلى الله تعالى.
ولقد نقلت في سبب نزول هذه الآية روايات عديدة منها أنه لما كان من المشركين يوم «أحد» ما كان من كسر رباعية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشجه حتّى جرى الدم على وجهه الشريف، ولحق بالمسلمين ما لحق من الخسائر في الأرواح والإصابات في الأبدان قلق النبي على مصير اُولئك القوم، وفكر في نفسه، كيف يمكن أن تهتدي تلك الجماعة المتمادية في غيها وعنادها وقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم»؟ فنزلت الآية وأخبره تعالى فيها أنه ليس إليه إلاّ ما اُمر به من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى، فهو ليس مسؤولاً عن هدايتهم إن لم يهتدوا ولم يستجيبوا لندائه.
تصحيح خطأ:
لابدّ هنا من الإنتباه إلى نقطتين:
ــ[682]ــ
1 ـ إن المفسّر المعروف صاحب تفسير «المنار» يعتقد أن هذه الآية تُعلم المسلمين درساً كبيراً في مجال الإستفادة من الوسائل والأسباب الطبيعية للنصر، وإن وعد الله لهم بإنزال النصر عليهم، ليس بمعنى أن للمسلمين أن يتجاهلوا الوسائل الحربية، والتخطيط العسكري، وما شاكل ذلك من الأسباب المادية اللازمة للقتال ولتحقيق الإنتصار، وإنتظار أن يدعو لهم النبي لينزل عليهم النصر الالهي، دون الأخذ بالأسباب القتالية المتعارفة، ولهذا جاءت الآية تخاطب النبي قائلة (ليس لك من الأمر شيء) بمعنى أن أمر النصر لم يوكل إليك، بل هو إلى الله، وقد جعل الله لتحقيقه سننا ً ونواميس يجب أن يستخدمها الناس حتّى يتحقّق لهم النصر والغلبة (وبالتالي فإن دعاء النبي وإن كان مؤثراً ومفيداً، إلاّ أن له موارد استثنائية خاصّة).
وهذا الكلام وإن كان منطقياً في حد ذاته، إلاّ أنه لا يلائم ما جاء في ذيل الآية إذ يقول سبحانه: (أو يتوب عليهم، أو يعذبهم) ولهذا لا يمكن تفسير الآية بما قاله هذا الكاتب.
2 ـ إن هذه الآية وإن كانت تنفي أن يكون للنبي الحقّ في أن يغفر للكفار والمشركين أو يعذبهم، إلاّ أنها لا تتعارض مع ما يستفاد من الآيات الاُخرى من تأثير دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفوه وشفاعته، لأن المقصود في الآية الحاضرة هو نفي أن يكون للنبي كلّ ذلك على نحو الإستقلال، وعلى هذا لاينافي أن يكون له كلّ ذلك (من العفو أو المجازاة) بإذن الله سبحانه.
فله بالتالي أن يعفو ـ بإذن الله ـ لمن أراد، أو يجازي حيث تصح المجازاة، كما أن له أن يهيىء عوامل النصر وأسباب الظفر، بل وله ـ بإذن الله ـ أن يحيي الموتى كما كان يفعل المسيح (عليه السلام) بإذنه سبحانه.
إن الذين تمسكوا بقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) لنفي وإنكار قدرة
ــ[683]ــ
الرسول على هذا الأمر نسوا ـ في الحقيقة ـ الآيات القرآنية الأُخرى في هذا المجال.
فالقرآن الكريم يقول في سورة النساء الآية 64 (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً).
فاستغفار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عُد ـ طبق هذه الآية ـ من العوامل المؤثرة لمغفرة الذنوب، وسوف نوضح هذه الحقيقة في أبحاثنا القادمة عند تفسير الآيات المناسبة إن شاء الله.
* * *
ــ[684]ــ
الآية
وَللهِ مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ __ƒ_
التّفسير
هذه الآية ـ في الحقيقة ـ تأكيد لمفاد الآية السابقة، فيكون المعنى هو: أن العفو أو المجازاة ليس بيد النبي، بل هو لله الذي بيده كلّ ما في السماوات وكلّ ما في الأرض، فهو الحاكم المطلق لأنه هو الخالق، فله الملك وله التدبير، وعلى هذا الأساس فإن له أن يغفر لمن يشاء من المذنبين، أو يعذّب، حسب ما تقتضيه الحكمة، لأن مشيئته تطابق الحكمة: (ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء).
ثمّ إنه سبحانه يختم الآية بقوله: (والله غفور رحيم) تنبيهاً إلى أنه وإن كان شديد العذاب، إلاّ أن رحمته سبقت غضبه، فهو غفور رحيم قبل أن يكون شديد العقاب والعذاب.
وهنا يحسن بنا أن نشير إلى ما ذكره أحد كبار العلماء المفسّرين الإسلاميين
ــ[685]ــ
وهو العلاّمة الطبرسي من سؤال وجواب حول هذه الآية، لكونه على إختصاره في غاية الأهمية من الناحية الإعتقادية، فقد ذكر في ذيل هذه الآية أنه: سُئل بعض العلماء: كيف يعذب الله عباده بذنوبهم مع سعة رحمته؟
فقال: «رحمته لا تغلب حكمته، إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون الرحمة منا».
بمعنى أن الرحمة الإلهية لا تكون على أساس عاطفي كما هو الحال فينا، بل إن رحمته ممتزجة دائماً مع حكمته، وحكمته توجب عقوبة المذنبين (إلاّ في موارد خاصّة).
* * *