ــ[656]ــ







الآيتان

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْلَئكَ أَصْحَـابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ __ƒ_ مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْم ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون __ƒ_

التّفسير
في مقابل العناصر التي تبحث عن الحقّ، وتؤمن به من الذين وصفتهم الآية السابقة، هناك عناصر كافرة ظالمة وصفهم الله سبحانه في هاتين الآيتين بقوله: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً) لأنه لا ينفع في الآخرة سوى العمل الصالح والإيمان الخالص لا الإمتيازات المادية، في هذه الحياة: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم)(1).
يبقى أن نعرف لماذا أُشير في هذه الآية إلى الثروة والأولاد من بين بقية

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الشعراء: 88 و 89.

ــ[657]ــ


الإمكانات؟ وجه ذلك أن أهم الإمكانات المادية تنحصر في أمرين:
الأول: الطاقة البشرية وقد ذكرت الأولاد كأفضل نموذج لها.
الثاني: الثروة الاقتصادية.
وأما بقية الإمكانات المادية الاُخرى فتتفرع من هاتين.
إن القرآن ينادي بصراحة بأن الإمتيازات المالية والقدرة البشرية الجماعية لا تعد إمتيازاً في ميزان الله، وأن الإعتماد عليها وحدها هو الخطأ الجسيم إلاَّ إذا قرنت بالإيمان والعمل الصالح، واستخدمت في سبيلهما، وإلاَّ فستؤول بأصحابها إلى الجحيم وعذابها الخالد. (اُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
ولما كان الكلام عن الثروة والمال كان لابدّ من الإشارة إلى مسألة الإنفاق فيقول سبحانه: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته).
و «الصرّ» مأخوذ من «الأصرار» لغة، وتعني الشد بقوّة وشدّة، والمراد بها هنا هي الريح الشديدة سواء كانت مصحوبة بالبرد القارص، أو الحر اللافح.

إنفاق الكفّار:

وفي هذه الآية إشارة إلى كيفية إنفاق الكفّار وبذلهم المصحوب بالرياء، ضمن إعطاء مثل رائع يجسد مصير هذا الإنفاق والبذل، ويصوره في أبلغ تصوير.
القرآن يمثل إنفاق الكفّار بالريح الشديدة الباردة أو اللافحة جدّاً التي إذا هبت على الزرع لا تبقي منه شيئاً ولا تذر، بل تترك الزرع حطاماً والأرض بلاقع.
إنه لا شكّ أن النسائم الخفيفة تنعش الزرع وتحيي الطبيعة، فنسائم الربيع تفتح الأزهار، وتصب في عروق الأشجار والنباتات روحاً جديدة وحياة ونشاطاً، وتساعد على لقاحها، وكذلك يكون الإنفاق الصحيح والبذل الذي ينبع

ــ[658]ــ


من الإخلاص والإيمان. إنه يعالج مشاكل المجتمع كما يكون له أثر حسن وعميق في نفس الباذل المنفق، لأنه يرسخ فيها السجايا الإنسانية ويعمق مشاعر العطف واللطف والرفق والحبّ بما يستشعره من آثار إيجابية لإنفاقه، وبما يسببه الإنفاق في رفع الآلام الإجتماعية، وتوفير السعادة للآخرين.
أما إذا تبدلت هذه النسائم الرقيقة إلى رياح عاصفة لافحة، أو زوبعة شديدة البرودة، فسوف تؤدي إلى إحراق جميع النباتات والأزهار أو تجميدها.
وهذا هو حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه لا ينفق ماله بدافع صحيح، بل ينفقه رياءاً وسمعة وأهواء وأهداف شريرة، وبذلك يكون كالريح العاتية، اللافحة أو الباردة، تأتي على كلّ ما أنفقه كما تأتي على الزرع، فتصيبه بالجفاف والفناء، والدمار والهلاك.
إن مثل هذا الإنفاق لا يعالج أية مشكلة إجتماعية (لأنه صرف للمال في غير محله في الأغلب) كما لا ينطوي على أي أثر أخلاقي ونفسي للمنفق الباذل.
والذي يلفت النظر أن القرآن الكريم يقول في هذه الآية (حرث قوم ظلموا أنفسهم) وهو يشير إلى أن هؤلاء المزارعين تعرضوا لما تعرضوا له لأنهم تساهلوا في إختيار مكان الزرع وزمانه، ولأنهم زرعوا في أرض معرضة للرياح الشديدة، أو أنهم إختاروا للزرع وقتاً يكثر فيه هبوب رياح السموم، وبهذا ظلموا أنفسهم، وكذلك حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه ظلم نفسه بإنفاقه غير الصحيح وغير المناسب من حيث الزمان والمكان والهدف، وبهذا عرض أمواله وثرواته للرياح.
من كلّ ما أشرنا إليه، وبملاحظة القرائن الموجودة في الآية تبين أن هذا التمثيل لإنفاق الكفّار بالزرع الذي أهلكته الرياح العاصفة تمثيل به من ناحيتين:
الأولى: تشبيه لإنفاق الكافر بالزرع في غير محله وموسمه المناسب.
الثانية: تشبيه لنواياه وأهدافه من الإنفاق بالرياح العاصفة الباردة أو

ــ[659]ــ


السموم، ولهذا فإن المقام لا يخلو عن تقدير شيء محذوف وأن معنى قوله: (مثل ما ينفقون)أن مثل نوايا الكافر في الإنفاق مثل الرياح الباردة أو السموم التي تهب على الزرع فتفنيه.
قال جماعة من المفسّرين: إن هذه الآية إشارة إلى الأموال التي يستخدمها الكفّار للإيقاع بالإسلام وصد حركته، والتي يحركون بها الأعداء ضد النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم). أو الأموال التي يعطيها اليهود لأحبارهم ليحرفوا آيات الله عن مواضعها ويزيدوا أو ينقصوا في الكتب السماوية.
ولكن من الواضح جدّاً أن هذه الآية تنطوي على معنى واسع يشمل هذا الرأي وغيره.
ثمّ إنه سبحانه يعقب على ما قال بشأن إنفاق الكفّار الذي لا يعود عليهم إلاَّ بالوبال والويل بقوله: (وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون).
أجل، إن العمل الفاسد لا يجر على صاحبه إلاَّ النتيجة الفاسدة، فما يحصده الكفّار من إنفاقهم من الوبال والبطلان، إنما هو بسبب نواياهم الباطلة الفاسدة من هذا الإنفاق.
* * *

ــ[660]ــ







الآيات

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الاَْيَـاتِ إِن م تَعْقِلُونَ __ƒ_هَـأَنتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَـابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمْ الاَْنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ __ƒ_إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةُ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بَمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ__ƒ_

سبب النّزول

عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت عندما أقدم بعض المسلمين ـ بسبب ما كان بينهم وبين اليهود من الصداقة أو القرابة أو الجوار أو الحلف أو الرضاع ـ على

ــ[661]ــ


ذكر أسرار المسلمين عندهم، وبهذا كان اليهود الذين يتظاهرون بالمودة للمسلمين ـ وهم ألدّ أعداء الإسلام في باطنهم ـ يطلعون على أسرار المسلمين، فنزلت هذه الآيات تحذر اُولئك الرجال من المسلمين من مغبة هذه الصداقات والعلاقات، وتوصيهم بأن لا يتخذوا اليهود بطانة يسرون إليهم بأسرارهم، لأنهم لا يتورعون عن استخدام كلّ وسيلة ممكنة ـ حتّى هذه الأسرار ـ لإلحاق الأذى والضرر بكم، لأنهم يهمهم ـ دائماً ـ أن تكونوا في نصب وتعب ومحن ومشاكل، وعناء وشقاء.

التّفسير

لا تتخذوا الأعداء بطانة:

هذه الآية التي جاءت بعد الآيات السابقة التي تعرضت لمسألة العلاقات بين المسلمين والكفّار، تشير إلى قضايا حساسة بالغة الأهمية، وتحذر المؤمنين ـ ضمن تمثيل لطيف ـ بان لا يتخذوا من الذين يفارقونهم في الدين والمسلك أصدقاء يسرون إليهم ويخبرونهم بأسرارهم، وأن لا يطلعوا الأجانب على ما تحتفظ به صدورهم وما خفي من نواياهم وأفكارهم الخاصّة بهم، قال سبحانه:
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة(1) من دونكم...).
وهذا يعني أن الكفّار لا يصلحون لمواصلة المسلمين ومصادقتهم، كما لا يصلحون بأن يكونوا أصحاب سر لهم، وذلك لأنهم لا يتورعون عن الكيد والإيقاع بهم ما استطاعوا: (لا يألونكم خبالاً)(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «البطانة» مأخوذة من بطانة الثوب، وهي الوجه الذي يلي البدن لقربه منه، ونقيضها «الظهارة» والبطانة في المقام كناية عن خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره ويطلعون على أسراره. 2 ـ «الخبال» في الأصل بمعنى ذهاب شيء، وهي تطلق في الأغلب على الأضرار التي تؤثر على عقل الإنسان وتلحق به الضرر.

ــ[662]ــ


فليست الصداقات والعلاقات بقادرة على أن تمنع اُولئك الكفّار ـ بسبب ما يفارقون به المسلمين في العقيدة والمسلك ـ من أضمار الشر للمسلمين، وتمني الشقاء والعناء لهم (ودوا ما عنتم) أي احبوا في ضمائرهم ودخائل نفوسهم لو أصابكم العنت والعناء.
إنهم ـ لإخفاء ما يضمرونه تجاهكم ـ يحاولون دائماً أن يراقبوا تصرفاتهم، وأحاديثهم كيلا يظهر ما يبطنونه من شر وبغض لكم، بيد أن آثار ذلك العداء والبغض تظهر أحياناً في أحاديثهم وكلماتهم، عندما تقفز منهم كلمة أو اُخرى تكشف عن الحقد الدفين والحنق المستكن في صدورهم: (قد بدت البغضاء من أفواههم).
وتلك حقيقة من حقائق النفس يذكرها الإمام أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) في إحدى كلماته إذ يقول:
«ما أضمر أحد شيئاً إلاَّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»(1).
إنه لابدّ أن يَرْشَح شيء إلى الخارج إذا ما امتلأ الداخل، كما يطفح الكيل فتنفضح السرائر، وتبدو الدخائل.
وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية إحدى سبل التعرف على بواطن الأعداء ودخائل نفوسهم، ثمّ إنه سبحانه يقول: (وما تخفي صدورهم أكبر) أي أن ما يبدو من أفواههم ما هي إلاَّ شرارة تحكي عن تلك النار القوية الكامنة في صدورهم.
ثمّ إنه تعالى يضيف قائلاً: (قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) أي أن ما ذكرناه من الوسيلة للتعرف على العدو أمر في غاية الأهمية لو كنتم تتدبرون فيه، فهو يوقفكم على وسيلة جداً فعالة لمعرفة ما يكنه الآخرون ويضمرونه تجاهكم، وهو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لأمنكم وحياتكم وبرامجكم.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نهج البلاغة ـ الحكمة 26.

ــ[663]ــ


البغض في مقابل الحبّ:

يحسب بعض المسلمين أن في مقدورهم أن يكسبوا حبّ الأعداء والأجانب إذا أعطوهم حبهم وودهم، وهو خطأ فظيع، وتصور باطل، يقول سبحانه: (ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه).
إنه سبحانه يخاطب هذا الفريق من المسلمين ويقول لهم: إنكم تحبون من يفارقكم في الدين لما بينكم من الصداقة أو القرابة أو الجوار، وتظهرون لهم المودة والمحبة، والحال أنهم لا يحبونكم أبداً، وتؤمنون بكتبهم وكتابكم المنزل من السماء ـ على السواء ـ في حين أنهم لا يؤمنون بكتابكم ولا يعترفون بأنه منزل من السماء.
إن هذا الفريق من أهل الكتاب ينافقون ويخادعون (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ).
ولاشكّ أن هذا الغيظ لن يضر المسلمين في الواقع، إذن فقل لهم يا رسول الله: (قل موتوا بغيظكم) واستمروا على هذا الحنق فإنه لن يفارقكم حتّى تموتوا.
هذه هي حقيقة الكفّار التي غفلتم عنها، ولم يغفل عنها سبحانه: (إن الله عليم بذات الصدور).
ثمّ إن الله يذكر علامة اُخرى من علائم العداوة الكامنة في صدور الكفّار إذ يقول (ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها).
ولكن هل تضر هذه العداوة وما يلحقها من ممارسات ومحاولات شريرة بالمسلمين؟
هذا ما يجيب عنه ذيل الآية الحاضرة حيث يقول سبحانه: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط).
وعلى هذا يستفاد من ذيل هذه الآية أن أمن المسلمين، وسلامة حوزتهم من

ــ[664]ــ


كيد الأعداء، يتوقف على استقامة المسلمين وحذرهم وتقواهم، ففي مثل هذه الحالة فقط يمكنهم أن يضمنوا أمنهم وسلامتهم من كيد الكائدين.

تحذير إلى المسلمين:

حذر الله سبحانه المسلمين في هذه الآية من أن يتخذوا أعداءهم بطانة يسرون إليهم بأسرارهم وأُمورهم وهو تحذير عام لا يختص بزمان دون زمان، ولا بمكان دون مكان، ولا بطائفة من المسلمين دون طائفة.
فلابدّ أن يحذر المسلمون من هذا العمل في جميع الأزمنة والأمكنة، حفاظاً على أمن المسلمين وكيانهم.
ولكننا مع الأسف نجد الكثيرين من أتباع القرآن قد غفلوا عن هذا التحذير الإلهي المهم، فتعرضوا لتبعات هذا العمل وآثاره السلبية.
فها نحن نجد أعداء كثيرين يحيطون بالمسلمين من كلّ جانب، يتظاهرون بمحبة المسلمين وصداقتهم، وربّما أعلنوا تأييدهم في بعض الاُمور، ولكنهم بما يظهرون ـ في بعض الأحيان ـ من مواقف عدائية يكشفون عن كذبهم، ومع ذلك ينخدع المسلمون بما يتظاهر هؤلاء الأعداء به من صداقة وحب وتأييد، ويعتمدون عليهم أكثر ممّا يعتمدون على إخوانهم من المسلمين المشاركين لهم في العقيدة والمصير. في حين أن الأعداء والأجانب لا يريدون للأمة الإسلامية إلاَّ الشقاء والتأخر، وإلاَّ الهلاك والدمار، ولا يألون جهداً في إثارة المشاكل في وجه المسلمين وإيجاد الصعوبات في حياتهم.
ولا نذهب بعيداً، فإن الأعوام الأخيرة شهدت حربين بين المسلمين وأعدائهم الصهاينة، ففي الحرب الاُولى (حرب حزيران) تحمل المسلمون هزيمة ساحقة ونكسة قاطمة، في حين أنهم في حربهم الثانية (حرب رمضان) استطاعوا

ــ[665]ــ


تحقيق إنتصارات باهرة على الأعداء وتغيّرت الخارطة السياسية لصالحهم. وتمكنوا من دفن اُسطورة الجيش الإسرائيلي والرعب والخوف في صحراء «سيناء» وهضبة «الجولان» منذ الأيّام الاُولى للحرب، وذاق المسلمون أخيراً طعم النصر لأول مرّة في العقود الأخيرة.
ماذا حصل في هذه المدّة القصيرة التي شهدت هذا التحول الكبير؟ الجواب بحاجة إلى بحث طويل، ولكن من المتيقّن أن أحد الأسباب المؤثرة في تلك الهزيمة وهذا النصر هو أن الأجانب والذين كانوا يظهرون الود والصداقة للمسلمين كانوا على علم بأمر الحرب وتفاصيلها. ولكن في الحرب الثانية لم يطلع على أسرار الحرب سوى اثنان أو ثلاثة من رؤساء البلدان الإسلامية، وهذا هو أحد عوامل النصر، وشاهد حيّ على عظمة هذا الدستور السماوي والقرآني.
* * *

ــ[666]ــ







الآيتان

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَـاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ__ƒ_إذْ هَمَّت طَّآئفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ __ƒ_

التّفسير
من هنا تبدأ الآيات التي نزلت حول واحدة من أهم الأحداث الإسلامية ألا وهي معركة «أُحد» لأن القرائن التي توجد في الآيتين الحاضرتين يستفاد منها أن هاتين الآيتين نزلتا بعد معركة أُحد، وتشير إلى بعض وقائعها المرعبة، وعلى هذا أكثر المفسّرين.
في البدء تشير الآية الأُولى إلى خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لإختيار المحل الذي يعسكر فيه عند «أُحد» وتقول (وإذا غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال).
أي واذكر عندما خرجت غدوة من المدينة تهيىء للمؤمنين مواطن للقتال لغزوة «أُحد».

ــ[667]ــ


ولقد كانت بين المسلمين في ذلك اليوم آراء مختلفة وكثيرة ـ كما ستعرفها قريباً ـ حول الموطن الذي ينبغي أن يعسكر فيه المسلمون، بل وكيفية مقابلة الأعداء القادمين، وأنه يتعيَّن عليهم أن يتحصنوا بالمدينة، أم يخرجوا إليهم ويحاربوهم خارجها.
ولقد كان هناك خلاف شديد في الرأي بين المسلمين في هذه الاُمور، فاختار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد المشاورة رأي الأغلبية، والتي كانت تتألف ـ في الأكثر من الشباب المتحمسين، وهو الخروج من المدينة ومقاتلة العدو خارجها، بعد الإستقرار عند جبل «أُحد».
ومن الطبيعي أن يكون هناك بين المسلمين من كان يخفي أشياء وأُموراً يحجم عن الإفصاح بها لعلل خاصة، ومن الممكن أن تكون عبارة (والله سميع عليم)ناظرة إلى هذه الأُمور المكنونة، فهو سبحانه سميع لما يقولون، عليم بما يضمرون.
ثمّ إن الآية الثانية تشير إلى زاوية أُخرى من هذا الحدث إذ تقول: (وإذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون).
والطائفتان كما يذكر المؤرخون هما «بنو سلمة» من الأوس و «بنو حارثة» من الخزرج.
فقد صممت هاتان الطائفتان على التساهل في أمر هذه المعركة والرجوع إلى المدينة، وهمتا بذلك.
وقد كان سبب هذا الموقف المتخاذل هو أنهما كانتا ممّن يؤيد فكرة البقاء في المدينة ومقاتلة الأعداء داخلها بدل الخروج منها والقتال خارجها، وقد خالف النبي هذا الرأي، مضافاً إلى أن «عبدالله بن أبي سلول» الذي التحق بالمسلمين

ــ[668]ــ


على رأس ثلاثمائة من اليهود عاد هو وجماعته إلى المدينة، لأن النبي عارض بقاءهم في عسكر المسلمين، وقد تسبب هذا في أن تتراجع الطائفتان المذكورتان عن الخروج مع النبي وتعزما على العودة إلى المدينة من منتصف الطريق.
ولكن يستفاد من ذيل الآية أن هاتين الطائفتين عدلتا عن هذا القرار، واستمرتا في التعاون مع بقية المسلمين، ولهذا قال سبحانه (والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) يعني أن الله ناصرهما فليس لهما أن تفشلا إذا كانتا تتوكلان على الله بالإضافة إلى تأييده سبحانه للمؤمنين.
ثمّ لابدّ من التنبيه إلى نقطة هامة وهي أن ذكر هذه المقاطع من غزوة «أحد» بعد الآيات السابقة التي تحدثت عن لزوم عدم الوثوق بالكفّار، إشارة إلى نموذج واحد من هذه الحقيقة، لأن النبي ـ كما أسلفنا وكما سيأتي تفصيله ـ لم يسمح ببقاء اليهود ـ الذين تظاهروا بمساعدة المسلمين ـ فى المعسكر الإسلامي، لأنهم كانوا أجانب على كلّ حال، ولا يمكن السماح لهم بأن يبقوا بين صفوف المسلمين فيطلعوا على أسرارهم في تلك اللحظات الخطيرة، وأن يكونوا موضع إعتماد المسلمين في تلك المرحلة الحساسة.

غزوه أحد

سبب هذه الغزوة:

هنا لابدّ من الإشارة ـ قبل أي شيء ـ إلى مجموعة الحوادث التي وقعت في هذه الغزوة، فإنه يستفاد من الروايات والنصوص التاريخية الإسلامية، أن قريشاً لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، لأنه قتل منهم سبعون شخصاً وأسر سبعون شخصاً، وقال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا

ــ[669]ــ


نساءكم يبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ أبو سفيان على نفسه العهد على أن لا يقرب فراش زوجته ما لم ينتقم لقتلى بدر.
وهكذا ألبت قريش الناس على المسلمين وحركتهم لمقاتلتهم وسرت نداءات «الإنتقام الإنتقام» في كلّ نواحي مكّة.
وفي السنة الثالثة للهجرة عزمت قريش على غزو النبي، وخرجوا من مكّة في ثلاث آلاف فارس وألفي راجل، مجهزين بكلّ ما يحتاجه القتال الحاسم، وأخرجوا معهم النساء والأطفال والأصنام، ليثبتوا في ساحات القتال.

العباس يرفع تقريراً إلى النبي:

لم يكن العباس عمّ النبي قد أسلم إلى تلك الساعة، بل كان باقياً على دين قريش، ولكنه كان يحب ابن أخيه غاية الحب، ولهذا فإنه عندما عرف بتعبئة قريش وعزمهم الأكيد على غزو المدينة ومقاتلة النبي، بادر إلى إخبار النبي، محمّلاً غفارياً (من بني غفار) رسالة عاجلة يذكر فيها الموقف في مكّة وعزم قريش. وكان الغفاري يسرع نحو المدينة، حتّى أبلغ النبي رسالة عمه العباس، ولما عرف (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخبر إلتقى سعد بن أبي وأخبره بما ذكره له عمه، وطلب منه أن يكتم ذلك بعض الوقت.

النبي يشاور المسلمين

عمد النبي ـ بعد أن بلغته رسالة عمه العباس ـ إلى بعث رجلين من المسلمين إلى طرق مكّة والمدينة للتجسس على قريش، وتحصيل المعلومات الممكنة عن تحركاتها.

ــ[670]ــ


ولم يمض وقت طويل حتّى عاد الرجلان وأخبرا النبي بما حصلا عليه حول قوات قريش وأن هذه القوات الكبيرة يقودها أبو سفيان.
وبعد أيّام استدعى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع أصحابه وأهل المدينة لدراسة الموقف، وما يمكن أو يجب إتخاذه للدفاع، وبحث معهم في أمر البقاء في المدينة ومحاربة الأعداء الغزاة في داخلها، أو الخروج منها ومقاتلتهم خارجها. فاقترح جماعة قائلين «لا نخرج من المدينة حتّى نقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودروبنا وما خرجنا إلى عدو لنا قط إلاّ كان الظفر لهم علينا، وكان هذا هو ما قاله «عبدالله بن أبي».
وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يميل إلى هذا الرأي نظراً لوضع المدينة يومذاك، فهو كان(صلى الله عليه وآله وسلم)يرغب في البقاء في المدينة ومقاتلة العدو في داخلها، إلاَّ أن فريقاً من الشباب الأحداث الذين رغبوا في الشهادة وأحبوا لقاء العدو، خالفوا هذا الرأي الذي كان عليه الأكابر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: اخرج بنا إلى عدونا، وقام سعد بن معاذ وغيره من الأوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيداً، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، وقال مثلها الآخرون.
وهكذا تزايدت الطلبات بالخروج من المدينة ومقابلة العدو خارجها حتّى أصبح المقترحون بالبقاء أقلية.
فوافقهم النبي ـ رغم أنه كان يمل إلى البقاء في المدينة ـ احتراماً لمشورتهم،ثمّ خرج مع أحد أصحابه ليرتب مواضع استقرار المقاتلين المسلمين خارج المدينة وإختار الشعب من «أُحد» لاستقرار الجيش الإسلامي بإعتباره