ــ[611]ــ


ولذلك فسّر الكفر في هذه الآية عن الإمام الصادق (عليه السلام) بترك الحجّ(1).
وبعبارة اُخرى أن للكفر والإبتعاد عن الحق ـ تماماً مثل الإيمان والتقرب إلى الحقّ ـ مراحل ودرجات، ولكلّ واحدة من هذه المراحل والدرجات أحكام خاصة بها، وفي ضوء هذه الحقيقة يتضح الحال بالنسبة لجميع الموارد التي استعملت فيها لفظة الكفر والإيمان في الكتاب العزيز.
فإذا وجدنا القرآن يستعمل وصف الكفر في شأن آكل الربا (كما في الآية 275 من سورة البقرة) وكذا في شأن السحرة (كما في الآية 102 من نفس السورة) ويعبر عنهما بالكافر، كان المراد هو ما ذكرناه، أي أن الربا والسحر إبتعاد عن الحقّ في مرحلة العمل.
وعلى كلّ حال فإنه يستفاد من هذه الآية أمران:
الأوّل: الأهمية الفائقة لفريضة الحجّ، إلى درجة ان القرآن عبر عن تركها بالكفر. ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» من أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام):
«يا علي إن تارك الحجّ وهو مستطيع كافر يقول الله تبارك وتعالى: (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين); يا علي; من سوف الحجّ حتّى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً، أو نصرانياً»(2).
الثاني: إن هذه الفريضة الإلهية المهمة ـ مثل بقية الفرائض والأحكام الدينية الأُخرى ـ شرعت لصلاح الناس، وفرضت لفرض تربيتهم، وإصلاح أمرهم وبالهم أنفسهم فلا يعود شيء منها إلى الله سبحانه أبداً، فهو الغني عنهم جميعاً.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ التهذيب بناء على نقل تفسير الصافي في ذيل هذه الآية.
2 ـ من لايحضره الفقيه: ج 4 ص 368 باب النوادر.

ــ[612]ــ



ــ[613]ــ







الآيات

قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَـاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ__ƒ_قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللهُ بِغَـافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ __ƒ_ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيَمـانِكُمْ كَـافِرِينَ __ƒ_وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَـاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم __ƒ_

سبب النّزول

يستفاد من مؤلفات الشيعة والسنّة وما ذكروه في سبب نزول هذه الآية أن «شأس بن قيس» وكان شيخاً من اليهود (قد اسن)، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مرّ ذات يوم على نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من الفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في

ــ[614]ــ


الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم ـ إذا اجتمع ملؤهم بها ـ من قرار، فأمر شاباً من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثمّ أذكر يوم «بعاث» وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا ما يتقاولون فيه من الأشعار.
وكان يوم «بعاث» يوماً اقتتلت فيه الأَوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأَوس على الخزرج، وكان يرأس الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهلي أبو أسيد بن حضير، ويرأس الخزرج يومئذ عمرو النعمان البياضي، فقتلا جميعاً.
ففعل ذلك الشاب ما أراده «شأس» فتكلّم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتّى تواثب رجلان من الحيين، وتقاولا، وراح أحدهما يهدد الآخر، وكادت نيران الإقتتال تتأجج بينهم من جديد. فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتّى جاءهم، وقال: « يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم»؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ثمّ انصرفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله «شأس بن قيس»، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الأربع، الأوليان في شأس بن قيس وما صنع. والآخريان لانذار المسلمين وتحذيرهم.

التّفسير

مفرقو الصفوف ومثيرو الخلاف:

بعد أن فعل بعض العناصر اليهودية الحاقدة فعلتها وكادت أن تشعل نيران العداوة بين المسلمين نزل ـ كما عرفت في سبب النزول ـ قوله تعالى: (قل يا أهل

ــ[615]ــ


الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون) والمخاطب في هذه الآية هم أهل الكتاب ويقصد منهم هنا اليهود، فالله سبحانه يأمر نبيه في هذه الآية أن يسألهم معاتباً عن علّة كفرهم بآيات الله في حين أن الله يعلم بأعمالهم.
والمراد من آيات الله المذكورة في هذا المقام إما الآيات الواردة في التوراة حول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلائم نبوته، أو مجموعة الآيات والمعجزات التي نزلت على نبي الإسلام، وتحققت على يديه، وكشفت عن حقانيته، وصدق دعوته، وصحّة نبوته.
ثمّ جاءت الآية الثانية تلومهم قائلة (قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن، تبغونها عوجاً وأنتم شهداء) أي قل يا رسول الله لهم لائماً ومندداً: إذا كنتم غير مستعدين للقبول بالحقّ، فلماذا تصرون على صرف الآخرين عنه، وصدهم عن سبيل الله، وإظهار هذا الطريق المستقيم في صورة السبيل الأعوج بما تدخلون من الشبه على الناس، في حين ينبغي ـ بل يتعين ـ أن تكونوا أول جماعة تبادر إلى تلبية هذا النداء الإلهي، لما وجدتموه من البشائر بظهور هذا النبي في كتبكم وتشهدون عليه.
فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ هذه الوساوس والمحاولات لإلقاء الفرقة وإضلال الناس، وإزاحتهم عن سمت الحقّ، وصدهم عن السبيل الإلهي القويم؟ ولم تحملون أثقالاً إلى أثقالكم، وتتحملون إلى إثم الضلال جريمة الإضلال؟، لماذا؟
هل تتصورون أن كلّ ما تفعلونه سيخفى علينا؟ كلاّ... (وما الله بغافل عمّا تعملون) إنه تهديد بعد تنديد، وإنه إنذار بعد لوم شديد.
ولعلّ وصفه سبحانه بعدم الغفلة في هذا المقام لأجل أن اليهود كانوا ـ لإنجاح محاولاتهم ـ يتكتمون ويتسترون، ويعمدون إلى حبك المؤامرات في الخفاء، لينجحوا في التأثير على المغفلين والبسطاء بنحو أفضل، وليجنوا المزيد من الثمار،

ــ[616]ــ


ولهذا قال لهم سبحانه إذا كان بعض الناس ينخدعون بوساوسكم ومؤامراتكم لغفلتهم فإن الله يعلم بأسراركم، وخفايا أعمالكم، وما هو بغافل عمّا تعملون، فعلمه محيط بكم، وعقابه الأليم ينتظركم.
وبعد أن ينتهي هذا التقريع والتنديد، والإنذار والتهديد لمشعلي الفتن، الصادين عن سبيل الله القويم، المستفيدين من غفلة بعض المسلمين يتوجه سبحانه بالخطاب إلى هؤلاء المخدوعين من المسلمين، يحذرهم من مغبة الإنخداع بوساوس الأعداء، والوقوع تحت تأثيرهم، والسماح لعناصرهم بالتسلل إلى جماعتهم، وترتيب الأثر على تحريكاتهم وتسويلاتهم، وأن نتيجة كلّ ذلك هو الإبتعاد عن الإيمان، والوقوع في أحضان الكفر، إذ يقول: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين).
أجل إن نتيجة الإنصياع لمقاصد هؤلاء الأعداء هو الرجوع إلى الكفر لأن العدو يسعى في المرحلة الاُولى إلى أن يشعل بينكم نيران العداوة والإقتتال، ولكنه لن يكتفي بهذا القدر منكم، بل سيستمر في وساوسه الخبيثة حتّى يخرجكم عن الإسلام مرّة واحدة، ويعيدكم إلى الكفر تارة اُخرى.
من هذا البيان اتضح أن المراد من الرجوع إلى الكفر ـ في الآية ـ هو «الكفر الحقيقي، والإنفصال الكامل عن الإسلام» كما ويمكن أن يكون المراد من ذلك هي تلك العداوات الجاهلية التي تعتبر ـ في حدّ ذاتها ـ شعبة من شعب الكفر، وعلامة من علائمه، وأثراً من آثاره، لأن الإيمان لا يصدر منه إلاَّ المحبة والمودة والتآلف، وأما الكفر فلا يصدر منه إلاَّ التقاتل والعداوة والتنافر.
ثمّ يتساءل ـ في عجب واستغراب ـ (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) أي كيف يمكن أن تسلكوا سبيل الكفر، وترجعوا كفّاراً والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بين ظهرانيكم، وآيات الله البينات تقرأ على أسماعكم، وتشع أنوار

ــ[617]ــ


الوحي على قلوبكم وتهطل عليكم أمطاره المحيية؟
إن هذه العبارة ما هي ـ في الحقيقة ـ إلاَّ الإشارة إلى أنه لا عجب إذا ضل الآخرون وانحرفوا، ولكن العجب ممّن يلازمون الرسول ويرونه فيما بينهم، ولهم مع عالم الوحي إتصال دائم... ومع آياته صحبة دائمة، إن العجب إنما هو ـ في الحقيقة ـ من هؤلاء كيف يضلون وكيف ينحرفون؟
إنه حقّاً يدعو إلى الدهشة والإستغراب ويبعث على العجب أن يضل مثل هؤلاء الذين يعيشون في بحبوحة النور، ولاشك أنهم أنفسهم يتحملون إثم هذا الضلال ـإن ضلوا ـ لأنهم لم يضلوا إلاَّ عن بيّنة، ولم ينحرفوا إلاَّ بعد بصيرة... ولا شكّ أن عذابهم سيكون شديداً جدّاً لذلك.
ثمّ في ختام هذه الآيات يوصي القرآن الكريم المسلمين ـ إن أرادوا الخلاص من وساوس الأعداء، وأرادوا الإهتداء إلى الصراط المستقيم ـ أن يعتصموا بالله ويلوذوا بلطفه ويتمسكوا بهداياته وآياته، ويقول لهم بصراحة تامة (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم).
هذا ومن النقاط المهمة التي تلفت النظر في هذه الآيات هو أن الخطاب الإلهي في الآيتين الأوليين من هذه الآيات موجهة إلى اليهود بالواسطة، لأن الله سبحانه يأمر نبيه الكريم أن يبلغ هذه المواضيع لليهود عن لسانه فيقول تعالى له (قل)ولكنه عندما يوجه الخطاب إلى المسلمين في الآيتين الآخريين يخاطبهم بصورة مباشرة ودون واسطة فلا يشرع خطابه لهم بلفظه (قل) وهذا يكشف عن منتهى عناية الله ولطفه بالمؤمنين، وأنهم ـ دون غيرهم ـ لائقون بأن يخاطبهم الله مباشرة، وأن يوجه إليهم الكلام دون أن يوسط بينه وبينهم أحداً.
* * *

ــ[618]ــ







الآيتان

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ__ƒ_وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ مْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَّ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيّن اللهُ لَكُمْ ءَايَـاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ__ƒ_

سبب النّزول

كانت بين «الأوس» و«الخزرج» القبيلتين الكبيرتين القاطنتين في يثرب حروب طويلة دامية ومنازعات استمرت ما يقرب من مئة عام، وكانت المعارك والمناوشات تنشب بينهم بين فترة واُخرى وتكلف الجانبين خسائر جسيمة في الأموال والأرواح.
كلّ ذلك كان أيّام الجاهلية قبل بزوغ الإسلام وطلوع شمسه على تلك الربوع.
وقد كان ممّا وفق له الرسول ونجح فيه أكبر نجاح ـ بعد هجرته إلى

ــ[619]ــ


المدينة(يثرب) ـ هو تمكنه من وضع حد لتلك المعارك والمناوشات وتلكالمذابح والمجازر، وإقرار الاخاء مكان العداء وإحلال السلام محلالحروب، وتشكيل جبهة متحدة متراصة الصفوف، قوية البنيان والأركان فيالمدينة المنورة.
ولكن حيث أن جذور النزاع كانت قوية وعديدة جداً، كان ذلك الإتحاد يتعرض أحياناً لبعض الهزات بسبب بعض الإختلافات المنسية التي كانت تطفو على السطح أحياناً فتشتعل نيران النزاع بعد غياب، ولكن سرعان ما كانت تختفي مرّة اُخرى بفضل تعليمات النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحكمته، وتدبيره.
وقد لاحظنا في الآيات السابقة نموذجاً من تلك الإختلافات المتجددة التي كانت تبرز على أثر التحريكات التي كان يقوم بها الأعداء الأذكياء، ولكن هذه الآيات تشير إلى نوع آخر من الإختلافات التي كان يسببها الأصدقاء الجاهلون، والعصبيات العمياء والحمقاء.
يقال: افتخر رجلان من الأوس والخزرج هما «ثعلبة بن غنم» و «أسعد بن زرارة» فقال ثعلبة: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنا سعد بن معاذ الذي رضي الله بحكمه في بني قريظة، وقال أسعد منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم: فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا فجاء الأوس إلى الأوسي، والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب حماراً وأتاهم، فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا.
التّفسير

ــ[620]ــ


الدعوة إلى التقوى:

في الآية الأُولى من هاتين الآيتين دعوة إلى التقوى لتكون التقوى مقدمة للإتحاد والتآخي.
وفي الحقيقة أن الدعوة إلى الإتحاد دون أن تستعين هذه الدعوة وتنبع من الجذور الخلقية والإعتقادية، دعوة قليلة الأثر، إن لم تكن عديمة الأثر بالمرّة، ولهذا يركز الإهتمام في هذه الآية على معالجة جذور الإختلاف، وإضعاف العوامل المسببة للتنازع في ضوء الإيمان والتقوى، ولهذا توجه القرآن بالخطاب إلى المؤمنين فقال (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تقاته).
يبقى ا ن نعرف أنه قد وقع كلام كثير بين المفسّرين حول المراد من قوله تعالى (حق تقاته) ولكن ممّا لا شكّ فيه أن «حق التقوى» يعد من أسمى درجات التقوى وأفضلها لأنه يشمل اجتناب كلّ إثم ومعصية، وكلّ تجاوز وعدوان، وإنحراف عن الحقّ.
ولذا نقل عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في تفسير الدرّ المنثور ، وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كما في تفسير العيّاشي ومعاني الأخبار ـ في تفسير قوله: (حق تقاته) أنهما قالا: «أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى (ويشكر فلا يكفر)».
ومن البديهي أن القيام بهذا الأمر كغيره من الأوامر الإلهية، يرتبط بمدى قدرة الإنسان واستطاعته ولهذا لا تنافي بين هذه الآية التي تطلب حقّ التقوى وأسمى درجاته والآية 16 من سورة التغابن التي تقول: (فاتقوا الله ما استطعتم)فالكلام حول المنافاة بين الآيتين وادعاء نسخ إحداهما بالأُخرى ممّا لا أساس له مطلقاً، ولا داعي له أبداً.
على أنه ليس من شكّ في أن الآية الثانية تعتبر تخصيصاً ـ في الحقيقة ـ لمفاد

ــ[621]ــ


الآية الأُولى وتقييداً بالاستطاعة والقدرة، وحيث أن لفظة النسخ كانت ـ عند القدماء ـ تطلق على التخصيص، لذلك من الممكن أن يكون المراد من قول القائل بأن الآية الثانية ناسخة للأُولى هو كونها مخصصة للأُولى لا غير.
ثمّ إنه بعد أن أوصى جميع المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى إنتهت الآية بما يعتبر تحذيراً ـ في حقيقته ـ للأوس والخزرج وغيرهم من المسلمين في العالم، تحذيراً مفاده: أن مجرد إعتناق الإسلام والإنضمام إلى هذا الدين لا يكفي، إنما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه وإيمانه واعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره وحياته، فلا يبدد هذا الإيمان بإشعال الفتن وإثارة نيران البغضاء أو بالإنسياق وراء العصبيات الجاهلية الحمقاء، والضغائن المندثرة فتكون عاقبته الخسران، وضياع كلّ شيء ولهذا قال سبحانه (ولا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون).

الدعوة إلى الإتحاد

بعد أن أوصت الآية السابقة كلّ المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى ومهدت بذلك النفوس وهيأتها، جاءت «الآية الثانية» تدعوهم بصراحة إلى مسألة الإتحاد، والوقوف في وجه كلّ ممارسات التجزئة وإيجاد الفرقة، فقال سبحانه في هذه الآية (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).
ولكن ما المقصود من «حبل الله» في هذه الآية؟ فقد ذهب المفسّرون فيه إلىإحتمالات مختلفة، فمنهم من قال بأنه القرآن، ومنهم من قال: بأنه الإسلام،ومنهم من قال بأنهمالأئمّة المعصومون من آل الرسول وأهل بيتهالمطهرين.
وقد وردت كلّ هذه المعاني في روايات منقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من

ــ[622]ــ


أهل بيته (عليهم السلام).
ففي تفسير «الدرّ المنثور» عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي كتاب «معاني الأخبار» عن الإمام السجّاد أنهما قالا: «كتاب الله حبل ممدود من السماء».
وروى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «آل محمّد (عليهم السلام) هم حبل الله الذي أمرنا بالإعتصام به فقال: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا».
ولكنه ليس هناك ـ في الحقيقة ـ أي إختلاف وتضارب بين تلك الأقوال والأحاديث لأن المراد من الحبل الإلهي هو كلّ وسيلة للإرتباط بالله تعالى سواء كانت هذه الوسيلة هي الإسلام، أم القرآن الكريم، أم النبي وأهل بيته الطاهرين.
وبعبارة اُخرى فإن كلّ ما قيل يدخل بأجمعه في مفهوم ما يحقق «الإرتباط بالله» سبحانه ـ الواسع ـ والذي يستفاد من معنى حبل الله.

التعبير بـ «حبل الله» لماذا؟

إن النقطة الجديرة بالإهتمام في هذه الآية هو التعبير عن هذه الأُمور بحبل الله، فهو إشارة إلى حقيقة لطيفة وهامة، وهي أن الإنسان سيبقى في حضيض الجهل، والغفلة، وفي قاع الغرائز الجامحة إذا لم تتوفر له شروط الهداية، ولم يتهيأ له الهادي والمربي الصالح فلابدّ للخروج من هذا القاع، والإرتفاع من هذا الحضيض من حبل متين يتمسك به ليخرجه من بئر المادية والجهل والغفلة، وينقذه من أسر الطبيعة، وهذا الحبل ليس إلاَّ حبل الله المتين، وهو الإرتباط بالله عن طريق الأخذ بتعاليم القرآن الكريم والقادة الهداة الحقيقيين، التي ترتفع بالناسمنحضيضالحضيضإلىأعلى الذرى في سماء التكامل المادي والمعنوي.

أعداء الأمس وإخوان اليوم:

ــ[623]ــ


ثمّ إن القرآن بعد كلّ هذا يعطي مثالاً حيّاً من واقع الأُمة الإسلامية لأثر الإرتباط بالله وهو يذكر ـ في نفس الوقت ـ بنعمة الإتحاد والأُخوة ـ تلك النعمة الكبرى ـ ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف، ومقارنة ذلك الإختلاف والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).
والملفت للنظر هو تكرار كلمة (نعمة) في هذه الآية مرتين وهو إشعار بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحققّ إلاَّ في ظل التعاليم الإسلامية والإعتصام بحبل الله.
والنقطة الأُخرى الجديرة بالإهتمام أيضاً هي أن الله نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال (فألف بين قلوبكم) أي أن الله ألف بين قلوبكم، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة إجتماعية عظيمة للإسلام، لأننا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات وإختلافات وما كان يكمن في القلوب من أحقاد طويلة عميقة وما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة، وكيف أن أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب، وإندلاع القتال في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد، وخاصة بالنظر إلى تفشي الأمية والجهل الملازم عادة للإصابة باللجاج والعناد والعصبية، فإن أفراداً من هذا النوع من الصعب أن يتناسوا أبسط أُمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى؟ ومن هنا تتجلى أهمية المعجزة الإجتماعية التي حققها الإسلام حيث وحد الصفوف، وألف بين القلوب، وأنسى الأحقاد، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة وتأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة، وإيجاد أُمة واحدة متآخية من ذلك الشعب الممزق الجاهل ما كان ليتيسر في سنوات قليلة بالطرق والوسائل العادية.

ــ[624]ــ



اعتراف العلماء والمؤرخين:

وقد كانت أهمية هذا الموضوع (أي وحدة القبائل العربية المتباغضة بفضل الإسلام) إلى درجة أنها لم تخف على العلماء والمؤرخين، حتّى غير المسلمين منهم، فقد اتفق الجميع في الإعجاب بهذه المسألة، وإظهارها في كتاباتهم، وها نحن نذكر نماذج من ذلك:
يقول «جان ديون پورث» العالم الإنجليزي المشهور: «لقد حول محمّد العربي البسيط، القبائل المتفرقة والجائعة، الفقيرة في بلدة إلى مجتمع متماسك منظم، إمتازت، فيما بعد ـ بين جميع شعوب الأرض بصفات وأخلاق عظيمة وجديدة، واستطاع في أقل من ثلاثين عاماً وبهذا الطريق أن يتغلب على الامبراطورية الرومانية، ويقضي على ملوك إيران، ويستولي على سوريا وبلاد ما بين النهرين، وتمتد فتوحاته إلى المحيط الأطلسي وشواطىء بحر الخزر وحتى نهر سيحان (في جنوب شرقي آسيا الوسطى)(1).
ويقول توماس كارليل: «لقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور وأحيى به منها أمة خاملة لا يسمع لها صوت ولا يحس فيها حركة حتّى صار الخمول شهرة، والغموض نباهة، والضعة رفعة، والضعف قوّة، والشرارة حريقاً، وشمل نوره الأنحاء، وعم ضوؤه الأرجاء وما هو إلاَّ قرن بعد إعلان هذا الدين حتّى أصبح له قدم في الهند، وأُخرى في الأندلس، وعم نوره ونبله وهداه نصف المعمورة»(2).
ويقول الدكتور «غوستاف لوبون»: معترفاً بهذه الحقيقة: «... وإلى زمان

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ من كتاب عذر تقصير به پيشگاه محمّد وقرآن (بالفارسية) ص 77.
2 ـ الإسلام والعلم الحديث ص 33، والمخططات الإستعمارية لمكافحة الإسلام للصواف ص38.

ــ[625]ــ


وقوع هذه الحادثة المدهشة (يعني الإسلام) الذي أبرز العربي فجأة في لباس الفاتحين، وصانعي الفكر والثقافة لم يكن يعد أن جزء من أرض الحجاز من التاريخ الحضاري ولا أنه كان يتراءى فيها للناظر أي شيء أو علامة للعلم والمعرفة، أو الدين»(1).
ويكتب «نهرو» العالم والسياسي الهندي الراحل في هذا الصدد قائلاً:
«إن قصة إنتشار العرب في آسيا وأوروبا وأفريقيا والحضارة الراقية والمدنية الزاهرة التي قدموها للعالم اُعجوبة من أعجوبات التاريخ، ولقد كان محمّد واثقاً بنفسه ورسالته، وقد هيأ بهذه الثقة وهذا الإيمان لأُمته أسباب القوّة والعزّة والمنعة»(2).
لقد كان وضع العرب سيئاً إلى أبعد الحدود حتّى أن القرآن يصف تلك الحالة بأنهم كانوا على حافة الإنهيار والسقوط إذ يقول: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها).
وتعني «شفا» في اللغة حافة الهاوية وطرف الحفرة أو الخندق وما شابه ذلك، ومن ذلك «الشفة» ، كما وتستعمل لفظة «شفا» هذه في البُرء من المرض، لأن الإنسان بسببه يكون على حافة السلامة والعافية.
ويريد سبحانه من قوله هذا: أنكم كنتم على حافة السقوط والإنهيار في الهاوية، وأن سقوطكم كان محتملاً في كلّ آن ومتوقعاً في كلّ لحظة، لتصبحوا بعد السقوط رماداً، وخبراً بعد أثر، ولكن الله نجاكم من ذلك السقوط المرتقب، وأبدلكم بعد الخوف أمناً، وبدل الإنهيار إعتلاء ومجداً، وهداكم إلى حيث الأمن والأمان في رحاب الأُخوة والمحبة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ حضارة العرب لغوستاف لوبون.
2 ـ لمحات من تاريخ العالم ص 23 ـ 24.