ــ[566]ــ
وأخيراً سيعذّبهم عذاباً شديداً (ولهم عذاب أليم).
وليس المقصود من «الثمن القليل» أن الإنسان إذا باع العهد الإلهي بثمن كثير فيجوز له ذلك، بل المقصود أي ثمن مادّي يعطى مقابل إرتكاب هذه الذنوب الكبيرة، حتّى وإن كان هذا الثمن يتمثّل في رئاسات كبيرة وواسعة، فهي مع ذلك قليلة.
بديهيّ أنّ كلام الله ليس نطق اللسان، لأنّ الله منزّه عن التجسّد، إنّما الكلام عن طريق الإلهام القلبي، أو عن طريق إحداث أمواج صوتية في الفضاء، كالكلام الذي سمعه موسى (عليه السلام) من شجرة الطور.
* * *
ملاحظة
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه العواقب الخمس المترتّبة على «نقض العهد» و «الأيمان الكاذبة» المذكورة في هذه الآية ربّما تكون إشارة إلى مراحل «القرب والبعد» من الله.
إنّ من يقترب من الله ويدنو من ساحة قربه تشمله مجموعة من النِعم الإلهيّة المعنوية، فإذا ازداد اقتراباً كلّمه الله، وإن دنا أكثر نظر إليه الله نظرة الرحمة، وإن اقترب أكثر طهّره الله من آثار ذنوبه، وأخيراً ينجو من العذاب الأليم وتغمره نِعم الله، أمّا الذين يسيرون في طريق نقض العهود واستغلال اسم الله بشكل غير مشروع، فيحرمون من كلّ تلك النِعم ويتراجعون مرحلة بعد مرحلة. في تفسير الآية 174 من سورة البقرة، المشابهة لهذه الآية، شرح أوفى للموضوع.
* * *
ــ[567]ــ
تفسير الآية: 28…455
العلاقة مع الأجنبي…455
بحوث
1 ـ التقية أو الدرع الواقي…457
2 ـ التقية أو تغيير أُسلوب النضال…458
تفسير الآية: 29…459
العالم بأسراركم…459
تفسير الآية: 30…461
حضور الأعمال يوم القيامة…461
القرآن وتجسيد الأعمال وحضورها…462
رأي العلماء في الثواب والعقاب…464
العلم وتجسيد الأعمال…466
تفسير الآيتان: 31 ـ 32…467
سبب النّزول…467
الحب الحقيقي…468
الدين والحبّ…470
تفسير الآيتان: 33 ـ 34…471
امتياز الأنبياء…472
تفسير الآيتان: 35 ـ 36…476
كيفية ولادة مريم…476
تفسير الآية: 37…480
ــ[568]ــ
تفسير الآيات: 38 ـ 40…484
بحوث
1 ـ هل العزوبة فضيلة؟…486
2 ـ يحيى وعيسى…486
تفسير الآية: 41…489
تفسير الآيتان: 42 ـ 43…492
الانتخاب الإلهي لمريم…492
تفسير الآية: 44…495
كفالة مريم…495
الإقتراع الحلّ الأخير…496
تفسير الآية: 45 ـ 46…498
تفسير الآية: 47…501
تفسير الآيتان: 48 ـ 49…503
بقية امتيازات المسيح 7…503
بحوث
1 ـ أكانت معجزات المسيح عجيبة؟…505
2 ـ الولاية التكوينية…506
تفسير الآيتان: 50 ـ 51…508
تفسير الآيات: 52 ـ 54…510
استقامة الحواريين…510
بحوث
ــ[569]ــ
1 ـ من هم الحواريون؟…512
2 ـ الحواريّون في القرآن والإنجيل…513
3 ـ ما المراد بالمكر الإلهي…513
تفسير الآية: 55…515
ملاحظة
هل الديانتان اليهودية والمسيحيّة باقيتان؟…518
تفسير الآيات: 56 ـ 58…519
عاقبة انصار وأعداء المسيح 7…519
تفسير الآيتان: 59 ـ 60…521
سبب النّزول…521
نفي الوهية المسيح…521
تفسير الآية: 61…523
سبب النّزول…523
بحوث
1 ـ المباهلة دليل قاطع على أحقية نبي الإسلام…525
2 ـ أحد أدلّة عظمة أهل البيت…526
3 ـ اعتراض وجوابه…530
تفسير الآيتان: 62 ـ 63…534
تفسير الآية: 64…536
الدعوة إلى الإتّحاد…536
بحث
ــ[570]ــ
رسائل النبيّ إلى رؤساء العالم…539
1 ـ رسالة الى المقوقس539
2 ـ رسالة إلى قيصر الروم541
تفسير الآيات: 65 ـ 68…544
سبب النّزول…544
كيف كان إبراهيم مسلماً؟…546
ملاحظة
الإرتباط الديني أوثق الروابط…547
تفسير الآية: 69…549
سبب النّزول…549
تفسير الآيتان: 70 ـ 71…551
كتمان الحقّ لماذا؟…551
تفسير الآيات: 72 ـ 74…553
سبب النّزول…553
مؤامرة خطيرة…554
خطط قديمة…556
تفسير الآيتان:75 ـ 76…558
سبب النّزول…558
بحث
اعتراض…561
الجواب…561
ــ[566]ــ
تفسير الآية: 77…563
سبب النّزول…563
المحرفون للحقائق…564
ملاحظة…565
الآية
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَـابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَـابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ __ƒ_
التّفسير
هذه الآية التي تؤكّد ما بحثته الآيات السابقة بشأن خيانة بعض علماء أهل الكتاب وتقول: إنّ فريقاً من هؤلاء يلوون ألسنتهم عند تلاوتهم الكتاب. وهذا كناية عن تحريفهم كلام الله. و «يلوُن» من مادة (لَيّ) على وزن حيّ، وهو الإمالة، وهو تعبير بليغ عن تحريف كلام الله، وكأنهم حين تلاوتهم للتوراة وعندما يصلون
ــ[567]ــ
إلى الآيات التي فيها صفات رسول الله والبشارة بظهوره يغيّرون لحن كلامهم.
وتضيف: إنّهم في تحريفهم هذا من المهارة بحيث إنّكم تحسبون ما يقرأونه آيات أنزلها الله، وهو ليس كذلك (لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب).
ولكنّهم لا يقنعون بذلك، بل يشهدون علانية بأنّه من كتاب الله، وهو ليس كذلك (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله).
مرّة أُخرى يقول القرآن: إنّهم في عملهم هذا ليسوا ضحية خطأ، بل هم يكذبون على الله بوعي وبتقصّد، وينسبون إليه هذه التهم الكبيرة وهم عالمون بما يفعلون (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون).
* * *
ــ[568]ــ
الآيتان
مَا كَانَ لِبَشَر أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَـابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِيّ مِن دوُنِ اللهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّـانِيِّنَ بِمَا مْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَـابَ وَبِمَا مْ تَدْرُسُونَ __ƒ_وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلائكَةَ وَالنَّبِيِّن أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنتُم مُّسْلِمُون __ƒ_
سبب النّزول
في سبب نزول هذه الآية روايتان:
الأُولى ـ أنّ رجلاً قال: يا رسول الله نحن نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، ألا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن اكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله، فأنزل الله الآية.
الثانية ـ أنّ أبا رافع من اليهود ومعه رئيس وفد نجران قالا للنبيّ: أتريد أن نعبدك ونتّخذك إلهاً؟
ــ[569]ــ
(ولعلّهم ظنّوا أن مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لالوهية المسيح (عليه السلام) لأنه ليس له نصيب من ذلك، فلو أنهم رفعوا منزلته إلى مستوى الإله كما هو الحال بالنسبة إلى المسيح(عليه السلام) لترك الخلاف معهم، ولعلّ هذا الإقتراح يستبطن مؤامرة دبّرت لتلويث سمعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودفع الأنظار عنه) ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني، فأنزل الله الآية.
التّفسير
الدعوة إلى عبادة غير الله مستحيلة:
سبق أن قلنا إنّ واحدة من عادات أهل الكتاب القبيحة ـ اليهود والنصارى ـ كانت تزييف الحقائق. من ذلك قولهم باُلوهية عيسى، زاعمين أنّه هو الذي أمرهم بذلك، وكان هذا ما يريد بعضهم أن يحقّقه بشأن رسول الإسلام أيضاً، للأسباب التي ذكرناها في نزول الآية.
إنّ الآية ردّ حاسم على جميع الذين كانوا يقترحون عبادة الأنبياء. تقول الآية: ليس لكم أن تعبدوا نبيّ الإسلام ولا أيّ نبيّ آخر ولا الملائكة. ويخطىء من يقول إنّ عيسى قد دعاهم إلى عبادته.
(ما كان لبشر أن يوتيَه الله الكتاب والحُكم والنُبوّة ثمّ يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله).
الآية تنفي نفياً مطلقاً هذا الأمر. أي أنّ الذين أرسلهم الله وأتاهم العلم والحكمة لا يمكن ـ في أيّة مرحلة من المراحل ـ أن يتعدّوا حدود العبودية لله. بل إنّ رسل الله هم أسرع خضوعاً له من سائر الناس، لذلك فهم لا يمكن أن يخرجوا عن طريق العبودية والتوحيد ويجرّوا الناس إلى هوة الشرك.
ــ[570]ــ
(ولكن كونوا ربّانيّين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرُسون).
«الربّاني» هو الذي أحكم إرتباطه بالله. ولمّا كانت الكلمة مشتقّة من «ربّ» فهي تطلق أيضاً على من يقوم بتربية الآخرين وتدبير أُمورهم وإصلاحهم.
وعلى هذا يكون المراد من هذه الآية: إنّ هذا العمل (دعوة الأنبياء الناس إلى عبادتهم) لا يليق بهم، إنّ ما يليق بهم هو أن يجعلوا الناس علماء إلهيّين فى ضوء تعليم آيات الله وتدريس حقائق الدين، ويصيّروا منهم أفراداً لا يعبدون غير الله ولا يدعون إلاَّ إلى العلم والمعرفة.
يتّضح من ذلك أنّ هدف الأنبياء لم يكن تربية الناس فحسب، بل استهدفوا أكثر من ذلك تربية المعلّمين والمربّين وقادة الجماعة، أي تربية أفراد يستطيع كلّ منهم أن يضيء بعلمه وإيمانه ومعرفته محيطاً واسعاً من حوله.
تبدأ الآية بذكر «التعليم» أوّلاً ثمّ «التدريس». تختلف الكلمتان من حيث اتّساع المعنى، فالتعليم أوسع ويشمل كلّ أنواع التعليم، بالقول وبالعمل، للمتعلّمين وللأُمّيّين. أمّا التدريس فيكون من خلال الكتابة والنظر إلى الكتاب، فهو أخصّ والتعليم أعمّ.
(ولا يأمُركم أن تتّخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً).
هذه تكملة لما بحث في الآية السابقة، فكما أنّ الأنبياء لا يدعون الناس إلى عبادتهم، فإنّهم كذلك لا يدعونهم إلى عبادة الملائكة وسائر الأنبياء. وفي هذا جواب لمشركي العرب الذين كانوا يعتقدون أنّ الملائكة هم بنات الله، وبذلك يسبغون عليهم نوعاً من الاُلوهية، ومع ذلك كانوا يعتبرون أنفسهم من أتباع دين إبراهيم. كذلك هو جواب للصابئة الذين يقولون إنّهم أتباع «يحيى»، وكانوا يرفعون مقام الملائكة إلى حدّ عبادتهم. وهو أيضاً ردّ على اليهود الذين قالوا إنّ
ــ[571]ــ
«عزيراً»
ابن الله، أو النصارى الذين قالوا إن «المسيح» ابن الله، وأضفوا عليه طابعاً من الربوبية، فالآية تردّ هؤلاء جميعاً وتقول إنّه لا يليق بالأنبياء أن يدعو الناس إلى عبادة غير الله.
وفي الختام تقول الآية (أيأمُركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون). أيمكن أن يدعوكم النبيّ إلى الكفر بعد أن اخترتم الإسلام ديناً؟
واضح أنّ «الإسلام» هنا يقصد به معناه الأوسع، كما هي الحال في مواضع كثيرة من القرآن، وهو التسليم لأمر الله والإيمان والتوحيد. أي كيف يمكن لنبيّ أن يدعو الناس أوّلاً إلى الإيمان والتوحيد، ثمّ يدلّهم على طريق الشرك؟ أو كيف يمكن لنبيّ أن يهدم ما بناه الأنبياء في دعوتهم الناس إلى الإسلام. فيدعوهم إلى الكفر والشرك؟
تنوّه الآية ضمنيّاً بعصمة الأنبياء وعدم إنحرافهم عن مسير إطاعة الله(1).
* * *
ملاحظة
منع عبادة البشر:
تدين هذه الآيات بصراحة كلّ عبادة، وخاصّة عبادة البشر، سوى عبادة الله، وتربّي في الإنسان روح الحرّية واستقلال الشخصية، تلك الروح التي لا يكون بدونها جديراً بحمل اسم إنسان.
نعرف من خلال التاريخ العديد من الأشخاص الذين كانوا، قبل الوصول إلى
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ في القراءة المعروفة التي اعتمدتها طبعة القرآن السائده، تأتي «ولا يأمركم» في حالة نصب ـ بفتح الراء ـ وهي معطوفة على «أي يؤتيه الله» في الآية السابقة. و «لا» توكيد لـ «ما» النافية في الآية السابقة. وعليه تكون الآية بهذا المعنى: وما كان لبشر أن يأمركم أن تتّخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً.
ــ[572]ــ
السلطة، يتميّزون بالبراءة ويدعون الناس إلى الحقّ والعدالة والحرّية والإيمان. ولكنّهم ما أن صعدوا عروش السلطة والهيمنة على المجتمع غيّروا سيرتهم شيئاً فشيئاً وانحازوا إلى فكرة عبادة الشخصية ودعوا الناس إلى عبادتهم.
في الواقع، أنّ من أساليب تمييز «دعاة الحقّ» عن «دعاة الباطل» هو هذا. فدعاة الحقّ ـ وعلى رأسهم الأنبياء والأئمّة ـ كانوا وهم في قمّة السلطة، كما كانوا قبل أن تكون لهم أيّة سلطة، يدعون إلى الأهداف الدينية المقدّسة والإنسانية والتوحيد والحرّية. أمّا دعاة الباطل، فإنّ أوّل ما يبادرون إليه عند وصولهم السلطة هو الدعوه لأنفسهم وحثّ الناس على نوع من عبادتهم، نتيجة تملّق الناس الضعفاء المحيطين بهم، وكذلك نتيجة ضيق أُفقهم وغرورهم.
هناك حديث عن الإمام علي (عليه السلام) تظهر من خلاله شخصيّته الكبيرة الفذّة، ويعتبر دليلاً وشاهداً على هذا البحث.
عند وصول الإمام (عليه السلام) إلى أرض الأنبار ـ إحدى مدن العراق الحدودية ـ خرّ جمع من الدهّاقين ساجدين أمامه، بحسب التقاليد التي اعتادوا عليها، فغضب الإمام من فعلتهم هذه وصرخ فيهم:
«ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلُقٌ منّا نعظّم به أمراءنا. فقال: والله ما ينتفع بهذا أُمراؤكم، وأنّكم لتشقّون على أنفسكم في دنياكم وتشقّون به في آخرتكم، وما أخسر المشقّة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار».
* * *
ــ[573]ــ
الآيتان
وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَـاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْررْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّـاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى__ƒ_ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْفَـاسِقُونَ __ƒ_
التّفسير
الميثاق المقدس:
بعد أن أشارت الآيات السابقة الى وجود علائم لنبيّ الإسلام في كتب الأنبياء السابقين، أشارت هذه الآية إلى مبدأ عام، وهو أنّ الأنبياء السابقين وأتباعهم قد أبرموا مع الله ميثاقاً بالتسليم للأنبياء الذين يأتون بعدهم، وبالإضافة إلى الإيمان بهم، لا يبخلون عليهم بشيء في مساعدتهم على تحقيق أهدافهم. تقول الآية:
(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين...).
في الواقع، مثلما أنّ الأنبياء والأُمم التالية تحترم الأنبياء السابقين ودياناتهم،
ــ[574]ــ
فإنّ الأنبياء السابقين والأُمم السابقة كانوا يحترمون الأنبياء الذين يأتون بعدهم. وفي القرآن إشارات كثيرة على وحدة الهدف عند أنبياء الله. وهذه الآية نموذج حيّ على ذلك.
و«الميثاق» من «الوثوق»، أي ما يدعو إلى الإطمئنان به والإعتماد عليه. و «الميثاق» هو الإتّفاق المؤكّد. وأخذ الميثاق من الأنبياء مصحوب بأخذ الميثاق من أتباعهم أيضاً. كان موضوع هذا الميثاق هو أنّه إذا جاء نبيّ تنسجم دعوته مع دعوتهم (وهذا ما يثبت صدق دعوته) فيجب الإيمان به ونصرته.
ثمّ لتوكيد هذا الموضوع جاءت الآية:
(قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري)(1).
هل اعترفتم بهذا الميثاق وقبلتم عهدي وأخذتم من أتباعكم عهداً بهذا الموضوع؟
وجواباً على ذلك (قالوا أقررنا).
ثمّ لتوكيد هذا الأمر المهمّ وتثبيته يقول الله: كونوا شهداء على هذا الأمر وأنا شاهد عليكم وعلى أتباعكم (قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين).
وفي الآية الأخيرة يذم ويهدد القرآن الكريم ناقضي العهود ويقول:
(فمن تولى بعد ذلك فأُولئك هم الفاسقون).
فلو أن أحداً بعد كلّ هذا التأكيد على أخذ المواثيق والعهود المؤكّدة ـ أعرض عن الإيمان بنبيّ كنبيّ الإسلام الذي بشرت به الكتب القديمة وذكرت علائمه، فهو فاسق وخارج على أمر الله تعالى. ونعلم أن الله لايهدي الفاسقين المعاندين، كما
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الإصر: العهد المؤكّد الذي يستوجب نقضه العقاب الشديد.
ــ[575]ــ
مرّ في الآية 80 من سورة التوبة: (والله لا يهدي القوم الفاسقين)، ومن لا يكون له نصيب من الهداية الإلهيّة، فإن مصيره إلى النار.
* * *
هنا ثلاث نقاط لابدّ أن ننتبه لها:
1 ـ هل هذه الآية مقصورة على بشارة الأنبياء السابقين وميثاقهم بالنسبة لنبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، أم أنّها تشمل كلّ نبيّ يبعث بعد نبيّ قبله؟
يظهر من الآية أنّها تعبّر عن مسألة عامّة، وإن كان خاتم الأنبياء مصداقها البارز. كما أنّ هذا المعنى الواسع يتّسق مع روح مفاهيم القرآن. لذلك إذا ما رأينا في بعض الأخبار أنّ المقصود هو نبيّ الإسلام الكريم، فما ذلك إلاَّ من قبيل تفسير الآية وتطبيقها على أجلى مصاديقها، وليس لأنّ المعنى جاء على سبيل الحصر.
ينقل الفخر الرازي في تفسيره عن الإمام علي (عليه السلام) قال: «إنّ الله تعالى ما بعث آدم (عليه السلام) ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلاَّ أخذ عليهم العهد لئن بعث محمّد عليه الصلاة والسلام وهو حي، ليؤمننّ به ولينصرنّه»(1).
2 ـ بعد أخذ مضمون الآية بنظر الإعتبار، يبرز هذا السؤال: أيمكن أن يظهر نبيّ من أُولى العزم في زمان نبيّ آخر من أُولي العزم حتّى يتبعه؟
يمكن القول في جواب هذا السؤال: إنّ الميثاق لم يؤخذ من الأنبياء وحدهم، بل ومن أتباعهم أيضاً، كما قلنا في تفسير الآية، والواقع أنّ القصد من أخذ الميثاق من الأنبياء وأخذه من أُممهم والأجيال التي تولد بعدهم وتدرك عصرالنبيّ التالي. كما أنّ الأنبياء أنفسهم يؤمنون أيضاً إذا أدركوا ـ فرضاً ـ عهدالأنبياء التالين. أي أنّ أنبياء الله لا ينفصلون إطلاقاً في أهدافهم وفي دعوتهمولا صراع أو خلاف بينهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ التفسير الكبير: ج 8 ص 123.
ــ[576]ــ
3 ـ والقول الأخير بشأن هذه الآية هو أنّها وإن تكن بخصوص الأنبياء، فهي تصدق طبعاً بحقّ خلفائهم أيضاً، إذ أنّ خلفائهم الصادقين لا ينفكّون عنهم، وهم جميعاً يسعون لتحقيق هدف واحد. ولذلك كان الأنبياء يعيّنون خلفائهم، ويبشّرون الناس بهم ويدعونهم إلى الإيمان بهم وشدّ أزرهم.
ولئن وجدنا بعض الروايات الواردة في تفاسيرنا لهذه الآية وكتب أحاديثنا بشأن نزول عبارة «ولتنصرنّه» في علي (عليه السلام) وأنها تشمل قضية الولاية، إنّما هو إشارة إلى هذا المعنى.
ولابدّ أن نشير إلى أنّ هذه الآية ـ من حيث تركيبها النحوي ـ كانت موضع بحث بين المفسّرين ورجال الأدب(1).
4 ـ التعصّب المقيت
يحدّثنا التاريخ أنّ أتباع دين من الأديان لا يتخلّون بسهولة عن دينهم ولا يستسلمون للأنبياء الجدد المبعوثين من قبل الله، بل يتمسّكون بدينهم القديم تمسّكاً جافّاً جامداً، ويدافعون عنه كأنّه جزء من وجودهم، ويرون تركه إبادة لقوميّتهم.
لذلك يشقّ عليهم القبول بالدين الجديد. إنّ منشأ الكثير من الحروب الدينية التي وقعت على امتداد التاريخ ـ وهي من أفظع حوادث التاريخ ـ هو هذا التعصّب الجاف والجمود على الأديان القديمة.
غير أنّ قانون الإرتقاء والتكامل يقول: هذه الأديان يجب أن تأتي الواحد تلو الآخر، وتتقدّم بالبشرية في سيرها نحو معرفة الله والحقّ والعدالة والإيمان والأخلاق والإنسانية والفضيلة، حتّى تصل إلى الدين النهائي، خاتم الأديان،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ في «لما آتيتكم»يعتبر بعضهم «ما» موصولة ومبتدأ، واللام موطئة للقسم، وجملة «لتؤمننّ به» خبر. وقال فريق آخر «ما» شرطية زمانية وجزاؤها «لتؤمننّ به ولتنصرنّه». وهذا الإحتمال الثاني أقرب إلى معنى الآية.
ــ[577]ــ
كالطفل الذي يتدرّج في مراحل الدراسة ويطويها الواحدة بعد الأُخرى حتّى يتخرّج من الكليّة والجامعة.
فإذا أحبّ التلاميذ جوّ مدرستهم الإبتدائية ذلك الحبّ الذي يربطهم بمدرستهم إلى درجة أنّهم يرفضون الإنتقال إلى المدرسة الثانوية، فبديهيّ أنّ لا يكون نصيب هؤلاء سوى التخلّف عن ركب السائرين نحو التقدّم والإرتقاء.
إنّ إصرار الآية على أخذ الميثاق والعهد المؤكّد من الأنبياء والأُمم الماضية نحو الأنبياء التالين لهم قد يكون من أجل اجتناب أمثال هذا التعصّب والجمود والعناد.
ولكنّ الذي يؤسف له أنّنا ـ بعد كلّ هذا التأكيد ـ ما زلنا نرى أتباع الأديان القديمة لا يسلّمون بسهولة أمام الحقائق الجديدة. سوف نشرح إن شاء الله في تفسير الآية 40 من سورة الأحزاب كيف يكون الإسلام آخر الأديان وخاتمها ولماذا؟
* * *
ــ[578]ــ
الآيات
أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَـاوَاتِ وَالاَْرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ __ƒ_ قُلْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَـاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَْسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَى وَعيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ__ƒ_وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَْخِرَةِ مِنَ الْخَـاسِرِينَ__ƒ_
التّفسير
الإسلام أفضل الأديان الإلهيّة:
مرّت بنا حتّى الآن بحوث مسهبة في الآيات السابقة عن الأديان الماضية. وابتداءاً من هذه الآية يدور البحث حول الإسلام وفيها إلفات لأنظار أهل الكتاب وأتباع الأديان السابقة إلى الإسلام.
تبدأ الآية بالتساؤل: (أفغير دين الله يبغون) أيريد هؤلاء ديناً غير دين الله؟
ــ[579]ــ
وما دين الله سوى التسليم للشرائع الإلهية، هي كلّها قد جمعت بصورتها الكاملة الشاملة في دين نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم). فإذا كان هؤلاء يبحثون عن الدين الحقيقي فعليهم أن يسلموا.
(وله أسلمَ مَن في السماوات والأرض).
يبدأ القرآن بتفسير الإسلام بمعناه الأوسع، فيقول: كلّ مَن في السماوات والأرض، أو جميع الكائنات في السماوات والأرض، مسلمون خاضعون لأوامره (طوعاً وكرهاً). هذا الإستسلام والخضوع يكون «طوعاً» أو إختيارياً أحياناً، إزاء «القوانين التشريعية»، ويكون «كرهاً» أو إجبارياً أحياناً أُخرى، إزاء «القوانين التكوينية».
ولتوضيح ذلك نقول: إنّ لله نوعين من الأمر في عالم الوجود. فبعض أوامره يكون بشكل (قوانين طبيعية وما وراء طبيعية) تحكم على مختلف كائنات هذا العالم، فهي خاضعة لها خضوع إكراه وليس لها أن تخالفها لحظة واحدة، فإن فعلت ـ فرضاً ـ يكتب لها الفناء والزوال. هذا نوع من «الإسلام والتسليم» أمام أمر الله. وبناءً على هذا فإنّ أشعة الشمس التي تسطع على البحار، وبخار الماء الذي يتصاعد منها، وقطع السحاب التي تتواصل، وقطرات المطر التي تنزل من السماء والنباتات التي تنمو بها، والزهور التي تتفتح لها، جميعها مسلّمة، لأنّ كلاًّ منها قد أسلم للقوانين التي فرضها عليها قانون الخليقة.
والنوع الآخر من أوامر الله هي «الأوامر التشريعية» وهي القوانين التي ترد في الشرائع السماوية وتعاليم الأنبياء. إنّ التسليم أمامها تسليم «طوعي» أو إختياري. فالمؤمنون الذين يسلمون لها إنّما هم وحدهم المسلمون. إنّ مخالفة هذه القوانين والشرائع لا تقلّ ـ على كلّ حال ـ عن مخالفة القوانين التكوينية، لأنّ مخالفتها تبعث على الإنحطاط والتخلّف والعدم.
ــ[580]ــ
ولمّا كانت «أسلم» مستعملة في هذه الآية بالمعنى الأوسع للإسلام، أي المعنى الذي يشمل النوعين من أوامر الله، لذلك فهي تقول إنّ فريقاً يسلم طوعاً ـكالمؤمنين ـ وفريقاً يسلم كرهاً ـ كالكافرين ـ أمام القوانين التكوينية. وهكذا نجد أنّ الكافرين الذين يمتنعون عن التسليم أمام بعض أوامر الله مجبرين على التسليم أمام بعض آخر من أوامر الله. فلماذا إذاً لا يسلمون لجميع قوانين الله ودينالحقّ؟
هناك احتمال آخر في تفسير هذه الآية ذكره كثير من المفسّرين، وإن لم يتعارض مع ما قلناه آنفاً، وهو: أنّ المؤمنين وهم في حال من الرفاه والهدوء يسيرون نحو الله بملء إختيارهم. أمّا غير المؤمنين فلا يسيرون نحو الله إلاَّ عندما تحيق بهم البلايا والمشكلات التي لا تطاق، فيدعونه ويتوسّلون إليه، فمع أنّهم في الظروف العادية يشركون به، فإنّهم في الشدائد والملمّات لا يتوجّهون إلاَّ إليه.
ويتضح ممّا تقدّم أن «مَن» في جملة (من في السماوات والأرض) تشمل الموجودات العاقلة وغير العاقلة، فبالرغم من كونها تستعمل عادة للعقلاء، إلاَّ أنها قد تكون عامّة للتغليب. و «طوعاً» إشارة إلى الموجودات العاقلة المؤمنة، و «كرهاً» إشارة إلى الكفّار وغير العقلاء.
(قل آمنّا بالله وما أُنزل علينا...).
في هذه الآية يأمر الله النبيّ والمسلمين بأنّهم، فضلاً عن إيمانهم بما أُنزل على رسول الإسلام، عليهم أن يظهروا إيمانهم بكلّ الآيات والتعليمات التي نزلت على الأنبياء السابقين، وأن يقولوا: إنّنا لا نفرّق بينهم من حيث صدقهم وعلاقتهم بالله. إنّنا نعترف بالجميع، فهم جميعاً كانوا قادة إلهيّين، وهم جميعاً بُعثوا لهداية الناس. إنّا نسلم بأمر الله من جميع النواحي، وبذلك نقطع أيدي المفرّقين.