ــ[506]ــ
إنّ قضية إحياء الموتى التدريجي بإذن الله ليست عويصة، لأنّنا نعلم أنّ جميع الكائنات الحيّة مخلوقة من التراب والماء، إلاَّ أنّ المعجزة في أن هذا الخلق الذي تحقّق على إمتداد سنوات طويلة. فما الذي يمنع من أن يكثّف الله تلك العوامل والأسباب بحيث تتمّ مراحل الخلق بسرعة فائقة، ويتحوّل الطين إلى كائن حي؟
بديهيّ أنّ تحقّق هذا الأمر في ذلك المحيط، وفي أي محيط آخر، سند حيّ ودليل واضح على علاقة صاحب المعجزة بعالم ما وراء الطبيعة، وعلى قدرة الله اللامتناهية.
ثمّ تشير إلى معالجة الأمراض الصعبة العلاج أو التي لا علاج لها، وتقول على لسانه: (وأُبريء الأكمه والأبرص(1) وأحيي الموتى بإذن الله). لاشكّ أنّ القيام بكلّ هذه الأعمال وخاصّة لدى علماء الطبّ في ذلك الزمان كان من المعجزات التي لا يمكن إنكارها.
بعد ذلك تشير إلى إخباره عن أسرار الناس الخافية، فلكلّ امرىء في حياته بعض الأسرار التي لا يعرف الآخرون شيئاً عنها. فإذا جاء من يخبرهم بما أكلوه، أو ما ادّخروه، فهذا يعني أنّه يستقي معلوماته من مصدر غيبي: (وأُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم) وأخيراً يقول إنّ هذه كلّها دلائل صادقة للذين يؤمنون منكم: (إنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).
* * *
بحوث
1 ـ أكانت معجزات المسيح عجيبة؟
يصرّ بعض المفسّرين ـ مثل صاحب المنار ـ على تأويل المعجزات التي ذكرها القرآن للمسيح بشكل من الأشكال. من ذلك قولهم إنّ المسيح اكتفى بمجرّد
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «اكمه» قيل أنه يعني أعمى، وذهب بعض إلى أنه العشو الليلي، ولكن اغلب المفسّرين وأرباب اللغة ذهبوا إلى أنه يعني الأعمى منذ الولادة. وبعض ذهب إلى أكثر من ذلك بأن المراد هو عدم وجود أصل العين.
ــ[507]ــ
الادّعاء بأنّه يفعل كذا وكذا بإذن الله، ولكنّه لم يفعل منها شيئاً أبداً! فإذا كان هذا الرأي قابلاً للنقاش هنا، فإنّ ما جاء في الآية 110 من سورة المائدة لا مجال فيه لأيّ نقاش: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير...) لأنّ الآية تقول صراحةً إنّ واحدة من نِعم الله عليك أنّك كنت تصنع من الطين طيراً حيّاً بإذن الله.
إنَّ الإصرار على أمثال هذه التأويلات لا موجب له أبداً. لأنّه إذا كان الهدف إنكار أعمال الأنبياء الخارقة للعادة، فإنّ القرآن يصرّح بها في كثير من المواضع، فإذا استطعنا ـفرضاًـ أن نؤوّل المعجزات فكيف بسائر المعجزات التي لا يمكن تأويلها؟
ثمّ إنّنا إذا كنا نقول إنّ الله هو الذي يحكم قوانين الطبيعة، وليست هي التي تحكمه، فما الذي يمنع هذه القوانين الطبيعية أن تتغيّر بأمر منه في ظروف استثنائية فتظهر حوادث بطرق غير طبيعية.
أمّا إذا تصوّر هؤلاء أن ذلك يتعارض مع وحدة أفعال الله وخالقيّته وكونه لا شريك له، فإنّ القرآن قد أجاب على هذا. فوقوع هذه الحوادث أينما وقعت مشروط بأمر الله، أي أنّ أحداً بقواه الخاصّة غير قادر على القيام بأمثال هذه الأعمال إلاَّإذاشاء،وبإمداد من قدرته اللامتناهية وهذاهوالتوحيد عينه، لا الشرك.
2 ـ الولاية التكوينية
تفيد هذه الآية وآيات أُخرى سوف نتطرّق إليها ـ إن شاء الله ـ أنّ رسل الله وأولياءه يستطيعون بإذن منه وبأمره ـ إذا اقتضى الأمر ـ أن يتدخّلوا في عالم الخلق والتكوين، وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً للقوانين الطبيعية. فاستعمال أفعال مثل «أُبريء» و «أُحيي الموتى» وبضمير المتكلّم تدلّ على أنّ هذه الأفعال من عمل الأنبياء أنفسهم، وأنّ القول بأنّ هذه الأفعال كانت تقع بسبب دعائهم فقط هو
ــ[508]ــ
قول لا يقوم عليه دليل، بل أنّ ظاهر الآيات يدلّ على أنّهم كانوا يتصرفون بعالم التكوين ويقومون بتلك الأفعال.
ولكن لكي لا يتصوّر أحد أنّ الأنبياء والأولياء كان لهم استقلال في العمل، وأنّهم أقاموا جهازاً للخلق في مقابل جهاز خلق الله، وكذلك لكي لايكون هناك أيّ إحتمال للشرك وللعبادة المزدوجة، تكرّر قول «بإذن الله»، (تكرّر في هذه الآية مرّتين، وفي الآية 110 من سورة المائدة أربع مرّات).
وما الولاية التكوينية إلاَّ القول بأنّ الأنبياء والأئمّة يستطيعون ـ إذا لزم الأمرـ أن يتصرّفوا في عالم الخلق بإذن الله. وهذا مقام أرفع من مقام الولاية التشريعية، أي إدارة الناس وحكمهم ونشر قوانين الشريعة بينهم ودعوتهم إلى الله وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
وبذلك يتضح جواب الذين ينكرون ولاية أهل الله التكوينية يعتبرونها ضرباً من الشرك. فما من أحد يقول بأنّ للأنبياء والأئمّة جهازاً للخلق مستقلاً في قبال الله. إنّما هم يفعلون ما يفعلون بإذن الله وبأمر منه. غير أنّ منكري الولاية التكوينية يقولون إنّ مهمّة الأنبياء تنحصر في الدعوة إلى الله وإبلاغ رسالته وأحكامه، وقد يتوسّلون أحياناً بالدعاء إلى الله في بعض الأُمور التكوينية، وأنّ هذا هو كلّ ما يقدرون عليه، مع أنّ هذه الآية والآيات الأُخرى تفيد غير ذلك.
كما يُستنتج من هذه الآية أنّ كثيراً من معجزاتهم ـ على الأقل ـ قد فعلوها بأنفسهم، وإن كان ذلك بإذن الله وبعون من القدرة الإلهية. في الواقع يمكن القول بأنّ المعجزة من عمل الأنبياء ـ لأنّهم هم الذين يقومون بها ـ كما هي من عمل الله لأنّها تتمّ بإذنه وبالإستعانة بقدرته.
3 ـ الجدير بالإلتفات هنا إن تكرار القول «بإذن الله» والاعتماد على مشيئته في هذه الآية من أجل أن لا يبقى عذر لمدعي اُلوهية المسيح، ولكيلا يعتبره الناس ربّاً، أما عدم تكرارها في الأخبار بالغيب لوضوح الأمر.
* * *
ــ[509]ــ
الآيتان
وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَة مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ __ƒ_إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ __ƒ_
التّفسير
هذه الآية جاءت على لسان المسيح (عليه السلام) ولبيان بعض اهداف النبوّة حيث يقول: جئت أُؤكّد لكم التوراة وأُثبت أُصولها ومبادئها (ومصدقاً لما بين يدي من التوراة) كما جئت لأرفع الحظر الذي فرض عليكم، بالنسبة لبعض الأشياء، في دين موسى بسبب عصيانكم ـ مثل منع لحم الأباعر، وبعض شحوم الحيوانات، وبعض الطيور، والأسماك ـ (ولاُحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم).
وسوف نجد في تفسير الآية 160 من سورة النساء أنّه بسبب عناد بعض جماعات اليهود وطغيانهم حرّم الله عليهم بعض الطيّبات من النِعم: (فَبِظُلم من الَّذينَ هَادوا حرّمنا عليهم طيّبات أُحِلَّت لهم).
إلاَّ أنّ هذه المحظورات أُحلّت لهم مرّة أُخرى ببركة ظهور المسيح (عليه السلام) هذا النبيّ العظيم.
ــ[510]ــ
ثمّ مرّة أُخرى تتكرّر الجملة التي قرأنا على لسان المسيح في الآية السابقة: (وجئتكم بآية من ربّكم فاتّقوا الله وأطيعون).
وفي الآية الثانية تؤكد على لسان السيد المسيح (عليه السلام) عبودية المسيح لرفع كلّ إبهام وريب قد ينشأ من كيفية ولادته التي قد يتشبث بها البعض لإثبات الوهيته وتقول: (ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) يتّضح من هذه الآية ومن آيات أُخرى أنّ السيّد المسيح، لكي يزيل كلّ إبهام وخطأ فيما يتعلّق بولادته الخارقة للعادة، ولكي لا يتّخذونها ذريعة لتأليهه، كثيراً ما يكرّر القول (إنّ الله ربّي وربّكم) و (إنّي عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً)(1)، بخلاف ما نراه في الأناجيل المحرّفة الموجودة التي تنقل عن المسيح أنّه كان يستعمل «الأب» في كلامه عن الله. إنّ القرآن يذكر «الرب» بدلاً من ذلك: (إنّ الله ربّي وربّكم). وهذا أكثر ما يمكن أن يقوم به المسيح في محاربة من يدّعي بالوهيّته. بل لكي يكون التوكيد على ذلك أقوى يقول للناس (فاعبُدوه) أي اعبدوا الله ولا تعبُدوني.
ولذلك نجد أنه لم يكن أحد من الناس يتجرأ في حياة السيّد المسيح (عليه السلام)أنيدعي الوهيته أو أنه أحد الإلهة، وحتّى بعد عروجه بقرنين من الزمان لم تخالطتعليماته في التوحيد شوائب الشرك، إلاَّ أن التثليث باعتراف أربابالكنيسة ظهر في القرن الثالث للميلاد (وسيأتي تفصيل ذلك في ذيل الآية171 من سورة النساء).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مريم: 30.
ــ[511]ــ
الآيات
فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَالْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ ءَامنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ__ƒ_ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَامَعَ الشَّـاهِدِينَ __ƒ_ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَـاكِرِينَ__ƒ_
التّفسير
استقامة الحواريين:
كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح بموجب ما بشّرهم به موسى، قبل أن يولد. ولكنّه عندما ظهر، وتعرّضت مصالح جمع من الظالمين والمنحرفين من بني إسرائيل للخطر، لم يبق معه إلاَّ نفر قليل، بينما تركه الذين احتملوا أن يؤدّي قبولهم دعوة المسيح والتقيّد بالقوانين الإلهية إلى ضياع مصالحهم.
بعد أن أعلن عيسى دعوته وأثبتها بالأدلّة الكافية، أدرك أنّ جمعاً من بني إسرائيل يصرّون على المعارضة والعصيان ولا يتركون المعاندة والإنحراف (فلمّا
ــ[512]ــ
أحسّ(1) عيسى منهم الكفر)، فنادى في أصحابه و (قال مَن أنصاري إلى الله)فاستجاب لندائه نفر قليل. كانوا أطهاراً سمّاهم القرآن بـ «الحواريّين». لبّوا نداء المسيح ولم يبخلوا بشيء في سبيل نشر أهدافه المقدّسة.
أعلن الحواريُون استعدادهم لتقديم كلّ عون للمسيح، وقالوا: (نحن أنصار الله آمنّا بالله واشهد بأنّا مسلمون).
لاحظ أنّ الحواريين لم يقولوا: نحن أنصارك. بل لكي يعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد وليؤكّدوا إخلاصهم، ولكن لا يشمّ من كلامهم أيّ رائحة للشرك، قالوا: نحن أنصار الله، ننصر دينه، ونريدك شاهداً على هذه الحقيقة، لعلّهم قد شمّوا منذ ذلك اليوم رائحة الإنحراف في المستقبل وأنّ هناك من يستدعي الوهيّة عيسى من بعده، فسعوا ألاَّ يكون في كلامهم ما يمكن أن يتذرّعوا به. ضمناً نلاحظ أن الحواريين عبّروا في كلامهم عن كونهم مسلمين، وهذا يدلّ على أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء (عليهم السلام).
وهنا ميّز المسيح (عليه السلام) أتباعه المخلصين من الأعداء والمنافقين كيما يضع لدعوته برنامجاً دقيقاً وخطة مدروسة كما صنع نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك في بيعة العقبة.
وبعدأن قبل الحواريّون دعوة المسيح إلى التعاون معه وأتّخاذه شاهداً عليهم في إيمانهم، أتّجهوا إلى الله يعرضون عليه إيمانهم قائلين: (ربّنا آمنّا بما أنزلت).
ولكن لمّا كانت دعوى الإيمان لا تكفي وحدها، فقد اتّبعوا ذلك بقيامهم بتنفيذ أوامر الله واتّباع رسوله المسيح، وقالوا مؤكّدين: (واتّبعنا الرسول).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ التعبير بـ «أحسّ» مع أن الكفر أمر باطني لايدرك بالحواس قد يكون أن إصرارهم على الكفر بلغ مرتبة من الشدّة وكأنه أصبح محسوساً (الميزان ـ ذيل الآية مورد البحث).
ــ[513]ــ
عندما يتغلغل الإيمان في روح الإنسان لابدّ أن ينعكس ذلك على عمله، فبدون العمل يكون ادّعاؤه الإيمان تقوّلاً، لا إيماناً حقيقياً.
بعد ذلك طلبوا من الله قائلين (فاكتبنا مع الشاهدين). والشاهدون هم أُولئك الذين لهم صفة قيادة الأُمم، ويوم القيامة يشهدون على أعمال الناس الحسنة والسيّئة.
وبعد أن انتهى الحواريّون من شرح إيمانهم، أشاروا إلى خطط اليهود الشيطانية، وقالوا: إنّ هؤلاء ـ لكي يقضوا على المسيح، وعلى دعوته، ويصدّوا انتشار دينه ـ وضعوا الخطط الماكرة. إلاَّ أن ما رسمه الله من مكر فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).
* * *
بحوث
1 ـ من هم الحواريون؟
«حواريّون» جمع حوري من مادة «حَوَر» بمعنى الغسل والتبييض، وقد تطلق على الشيء الأبيض. لذلك يطلق العرب على الطعام الأبيض «الحواري». و«حور» جمع حوراء وهي البيضاء البشرة.
أمّا سبب تسمية تلامذة المسيح بالحواريّين فقد ذكرت له احتمالات كثيرة، ولكن الأقرب إلى الذهن، وهو الوارد في أحاديث أئمّة الدين، هو لأنّهم فضلاً عن طهارة قلوبهم وصفاء أرواحهم، كانوا دائبي السعي في تطهير الناس وتنوير أفكارهم وغسلهم من أدران الذنوب.
وهذا ما أكّده حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) في «عيون أخبار الرضا»..؟!
ــ[514]ــ
2 ـ الحواريّون في القرآن والإنجيل
تكلّم القرآن على الحواريّين في سورة الصف، الآية 14، مشيراً إلى إيمانهم.
ولكن يتبيّن ممّا نقرأه في الإنجيل بشأن الحواريّين أنّهم جميعاً ارتكبوا بعض الزلل بالنسبة للمسيح.
أمّا أسماؤهم كما جاءت في إنجيل متّى ولوقا، الباب السادس، فهي:
1 ـ بطرس،2 ـ اندرياس، 3 ـ يعقوب، 4 ـ يوحنّا، 5 ـ فيلوبس، 6ـبرتولولما، 7 ـ توما، 8 ـ متّى، 9 ـ يعقوب بن حلفا، 10 ـ شمعون «الغيور»، 11ـيهوذا أخو يعقوب، 12 ـ يهوذا الاسخريوطي الذي خان المسيح.
يذكر المفسّر المعروف المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان» أنّ الحواريّين كانوا يرافقون المسيح في رحلاته. كلّما عطشوا أو جاعوا رأوا الماء والطعام مهيّأًأمامهم بأمر الله، فكانوا يرون في ذلك فخراً لهم أيّ فخر، وسألوا المسيح:أهناك من هو أفضل منّا؟ فقال: نعم، أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل منكسبه.
وعلى أثر ذلك اشتغلوا بغسل الملابس للناس لقاء أجر، وانشغلوا بذلك; فكان ذلك درساً عملياً للناس بأنّ العمل ليس عيباً أو عاراً.
3 ـ ما المراد بالمكر الإلهي
في القرآن آيات مشابهة لهذه ينسب فيها المكر إلى الله(1). كلمة «المكر» بالمصطلح المعاصر تختلف كثيراً عن معناها اللغوي. فالمكر بالمعنى المعاصر هو وضع الخطط الشيطانية الضارّة. ولكن معناها بلغة العرب هو البحث عن العلاج لأمر مّا، وقد يكون حسناً أو سيّئاً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر الآية 30 من سورة الأنفال، أو الآية 50 من سورة النمل وغيرهما.
ــ[515]ــ
في كتاب «المفردات» للراغب نقرأ: المكر: صرف الغير عمّا يقصد ـ خيراً كان أم شرّاً ـ .
وفي القرآن وردت كلمة «المكر» مقرونة بكلمة «الخير»، إذ يقول (والله خير الماكرين)، كما وردت مع «السيّىء»: (ولايحيق المكر السيّىء إلاَّ بأهله)(1).
وعليه يكون المقصود من الآية هو أنّ أعداء المسيح وضعوا الخطط الشيطانية للوقوف بوجه هذه الدعوة الإلهيّة. ولكن الله لكي يحفظ حياة نبيّه ويصون الدعوة مكَرَ أيضاً فأحبط كلّ ما مكَروه.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ فاطر: 43.
ــ[516]ــ
الآية
إِذْ قَالَ اللهُ يَـاعِيسَى إِنّىِ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيَما مْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ __ƒ_
التّفسير
قلنا إنّ اليهود ـ بالتعاون مع بعض المسيحيّين الخونة ـ قرّروا قتل السيّد المسيح، فأحبط الله مكرهم، ونجى نبيّه منهم. في هذه الآية يذكر الله نعمته على المسيح قبل وقوع الحادثة، قائلاً: (إنّي متوفّيك ورافعك إليّ).
من المعروف عند المفسّرين، بالإستناد إلى الآية 157 من سورة النساء، أنّ السيّد المسيح لم يُقتَل، وأنّ الله رفعه إلى السماء. غير أنّ المسيحيّين يقولون إنّه قُتِل ودُفِن، ثمّ قام من بين الأموات وبقي لفترة قصيرة على الأرض ثمّ صعد إلى السماء(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ إنجيل مرقس الباب 6 ـ إنجيل متى الباب 28 ـ إنجيل لوقا الباب 24 ـ إنجيل يوحنا الباب 31.
ــ[517]ــ
ولكن الذي لابدّ من قوله الآن هو أنّ هذه الآية ليس فيها دليل على موت عيسى، على الرغم من أنّ بعضهم تصوّر أنّ كلمة «متوفّيك» من «الوفاة». وعلىذلك فإنّهم يرون أنّ هذا الموضوع يتعارض مع الرأي السائد بين المسلمين،والذي تؤيّده الأحاديث، من أنّ عيسى لم يمت وأنّه حي. ولكن الأمرليس كذلك.
«الفوت» هو بُعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه. و «الوافي» الذي بلغ التمام، ووفى بعهده إذا أتمّه ولم ينقضه. وإذا استوفى أحد دَينه من المدين قيل «توفّى دَينه».
وفي القرآن وردت «توفّى» كراراً: (وهو الذي يتوفّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)(1). فهنا عبّر عن النوم بكلمة «يتوفّاكم».
هذا المعنى نفسه يرد في الآية 42 من سورة الزمر، كما ترد كلمة «توفّى» في آيات أُخرى بمعنى الأخذ.
صحيح أنّ «توفّى» قد تأتي أحياناً بمعنى الموت، ولكنّها حتّى في تلك المواضع لا تعني الموت حقّاً، بل بمعنى قبض الروح. والواقع أنّ مادّة «فوت» ومادّة «وفي» منفصلتان تماماً.
ممّا تقدّم يكون تفسير الآية واضحاً.
يقول الله: يا عيسى إنّني سوف استوفيك وأرفعك إليّ. وهذا يعني حياة عيسى، لا موته (وطبعاً اذا كانت كلمة «توفي» بمعنى قبض الروح فقط. فإن لازم ذلك هو الموت).
ثمّ تضيف الآية (ومطهّرك من الذين كفروا).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الأنعام: 60.
ــ[518]ــ
هذا جانب آخر من خطاب الله إلى المسيح. والقصد من التطهير هنا هو إنقاذه من الكفّار الخبثاء البعيدين عن الحقّ والحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التهم الباطلة، و يحوكون حوله المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته، فنصر الله دينه، وطهّره من تلك التهم، بمثل ما نقرأه عن نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل سورة الفتح (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر). أي أنّنا هيّأنا لك نصراً واضحاً كي يغفر لك الله ذنوبك السابقة واللاحقة (ويطهّرك من التهم التي ألصقوها بك على شكل ذنوب).
كما يحتمل أن يعني التطهير إخراج المسيح من ذلك المحيط الملوّث. وهذا يناسب الآية السابقة.
(وجاعل الذين أتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة).
وهذه بشارة يبشّر بها الله المسيح وأتباعه لتشجيعهم على المضيّ في الطريق الذي اختاروه. والواقع أنّ هذه واحدة من آيات الإعجاز ومن تنبّؤات القرآن الغيبية التي تقول إنّ أتباع المسيح سوف يسيطرون دائماً على اليهود الذين عادوا المسيح.
وها نحن اليوم نرى هذه الحقيقة رأيَ العين، فاليهود الصهاينة، ـ بغير الإستناد إلى المسيحيّين ـ غير قادرين على إدامة حياتهم السياسية والإجتماعية يوماً واحداً. بديهيّ أنّ «الكافرين» هنا هم اليهود الذين كفروا بالمسيح.
وفي ختام الآية يقول تعالى: (ثمّ إليّ مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) ويعني أن ما تقدّم من الإنتصارات والبشائر يتعلق بالحياة الدنيا، أمّا المحكمة النهائية ونيل الجزاء الكامل فسيكون في الآخرة.
* * *
ــ[519]ــ
ملاحظة
هل الديانتان اليهودية والمسيحيّة باقيتان؟
هنا يتبادر سؤال إلى الذهن، وهو أنّ اليهود والنصارى ـ بموجب هذه الآية ـ سيبقون في الدنيا حتّى يوم القيامة، وأنّ أتّباع هاتين الديانتين سيبقون أيضاً، مع أنّ الأخبار الخاصّة بظهور المهدي (عليه السلام) تبيّن أنّه يخضع جميع الأديان ويحكم العالم كلّه.
يتّضح جواب هذا السؤال بالتدقيق في الأحاديث. فنحن نقرأ في الأحاديث عن المهدي (عليه السلام) أنّه لا يبقى بيت في البدو ولا في الحضر إلاَّ ويدخله التوحيد، أي أنّ الإسلام سيكون الدين الرسمي في العالم كلّه، وتكون الحكومة حكومة إسلامية، ولا يحكم العالم سوى القوانين الإسلامية. و لكن هذا لا يمنع من وجود أقلّية من اليهود والنصارى تعيش تحت ظلّ حكومة المهدي (عليه السلام) وفق شروط «أهل الذمّة».
إنّنا نعلم أنّ حكومة المهدي (عليه السلام) لا تجبر الناس على اعتناق الإسلام، بل تتقدّم بالمنطق. أمّا التوسّل بالقوّة العسكرية فلبسط العدالة، وللإطاحة بالحكومات الظالمة، ولإنضواء العالم تحت لواء الإسلام، لا لإجبار الناس على قبول الإسلام، وإلاَّ فلن يكون هناك أي معنى لحرية الإرادة والإختيار.
* * *
ــ[520]ــ
الآيات
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِوَمَا لَهُم مِّن نَّـاصِرِينَ __ƒ_ وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَـاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـالِمِينَ__ƒ_ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الاَْيَـاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ__ƒ_
التّفسير
عاقبة انصار وأعداء المسيح (عليه السلام):
الآية الاُولى والثانية تتابعان الخطاب للسيد المسيح وحال أتباعه وأعدائه، بينما الآية الثالثة فتخاطب نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبعد ذكر رجوع ا لناس إلى الله ومحاكمتهم ـ في الآية السابقة ـ يأتي في هذهالآية ذكر نتيجة تلك المحاكمة. فالكافرون والمعارضون للحقّ والعدالةسيُلاقون في الآخرة من العذاب الأليم مثل ما يُلاقون في الدنيا، ولنيكون لأيّ منهم حام ولا نصير، (فاما الذين كفروا فاعذبهم عذاباً شديداً في