ــ[476]ــ


وحده الذي اصطفاه الله.
ولكن في مقابل هذا الرأي يمكن القول أن ليس هناك أيّ دليل على أنّ «عالمين» هم أُناس عاصروا آدم، بل قد يكون القصد هو مجموع المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ. وعلى هذا يكون معنى الآية: إنّ الله اصطفى من بين جميع المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ أفراد كان أوّلهم آدم، فنوحاً، فآل إبراهيم، فآل عمران. وبما أنّ كلّ واحد من هؤلاء كان يعيش في عصر غير عصر الآخر نفهم من ذلك أنّ القصد من «عالمين» هو البشر عموماً على إختلاف عصورهم وأزمانهم. لذلك ليس ثمّة ما يدعونا إلى الاعتقاد بأنّ آدم كان يعاصره أُناس آخرون فاصطفاه الله من بينهم، فتأمّل.
* * *

ــ[477]ــ







الآيتان

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبّ ِ إِنّىِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِى مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنّى إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ __ƒ_ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ ِ إِنّىِ وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى وَإِنّىِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنّىِ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَـانِ الرَّجِيمِ __ƒ_

التّفسير

كيفية ولادة مريم:

تعقيباً على ما جاء في الآية السابقة من إشارة إلى آل عمران، تشرع هاتان الآيتان بالكلام على مريم بنت عمران وكيفية ولادتها وتربيتها وما جرى لهذه السيّدة العظيمة.
جاء في التواريخ والأخبار الإسلامية وأقوال المفسّرين أنّ «حنة» و «اشياع» كانتا أُختين، تزوّجت الأُولى «عمران»(1) أحد زعماء بني إسرائيل،

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفيد بعض الأحاديث أنّ «عمران» كان نبيّاً ويوحى إليه. وعمران هذا غير عمران والد موسى، إذ بينهما 1800 سنة من الزمان. (مجمع البيان ـ وتفسير المراغي، ذيل الآية مورد البحث).

ــ[478]ــ


وتزوّجت الأُخرى «زكريّا» النبيّ.
مضت سنوات على زواج «حنة» بغير أن ترزق مولوداً. وفي أحد الأيّام بينما هي جالسة تحت شجرة، رأت طائراً يطعم فراخه. فأشعل هذا المشهد نار حبّ الأُمومة في قلبها، فتوجّهت إلى الله بمجامع قلبها طالبةً منه أن يرزقها مولوداً، فاستجاب الله دعاءها الخالص، ولم تمض مدّة طويلة حتّى حملت.
ورد في الأحاديث أنّ الله قد أوحى إلى «عمران» أنّه سيهبه ولداً مباركاً يشفي المرضى الميؤوس من شفائهم، ويحيي الموتى بإذن الله، وسوف يرسله نبيّاً إلى بني إسرائيل. فأخبر عمران زوجته «حنة» بذلك. لذلك عندما حملت ظنّت أنّ ما تحمله في بطنها هو الابن الموعود، دون أن تعلم أنّ ما في بطنها أُم الابن الموعود «مريم» فنذرت ما في بطنها للخدمة في بيت الله «بيت المقدس». ولكنّها إ ذ رأتها أُنثى إرتبكت ولم تدر ما تعمل، إذ أنّ الخدمة في بيت الله كانت مقصورة على الذكور، ولم يسبق أن خدمت فيه أُنثى.
والآن نباشر بالتفسير من خلاله نتعرّف على تتمّة الأحداث:
(إذ قالت امرأة عمران...).
هذه إشارة إلى النذر الذي نذرته امرأة عمران وهي حامل بأنّها تهب ابنها خادماً في بيت المقدس، لأنّها كانت تظنّه ذكراً بموجب البشارة التي أتاها بها زوجها، ولذلك قالت «محرّراً» ولم تقل «محرّرة» ودعت الله أن يتقبل نذرها: (فتقبّل منّي إنك أنت السميع العليم).
«المحرر» من التحرير، وكانت تطلق في ذلك الزمان على الأبناء المعيّنين للخدمة في المعبد ليتولّوا تنظيفه وخدماته، وليؤدّوا عباداتهم فيه وقت فراغهم.ولذلك سمّي الواحد منهم «المحرّر»، إذ هو محرّر من خدمة الأبوين،

ــ[479]ــ


وكان ذلك مدعاة لافتخارهم.
قيل إنّ الصبيان القادرين على هذه الخدمة كانوا يقومون بها بإشراف الأبوين إلى سنّ البلوغ، ومن ثمّ كان الأمر يوكل إليهم، إن شاؤوا بقوا، وإن شاؤوا تركواالخدمة.
ويرى البعض أن إقدام امرأة عمران على النذر دليل على أن عمران توفي أيّام حمل زوجته، وإلاَّ كان من البعيد أن تستقل الاُم بهذا النذر.
(فلمّا وضعتها قالت ربّ إنّي وضعتها أُنثى).
هذه الآية تشرح حال أُم مريم بعد ولادتها، فقد أزعجها أن تلد أُنثى، وراحت تخاطب الله قائلة: إنّها أُنثى، وأنت تعلم أنّ الذكر ليس كالأُنثى في تحقيق النذر، فالأُنثى لا تستطيع أن تؤدّي واجبها في الخدمة كما يفعل الذكر فالبنت بعد البلوغ لها عادة شهرية ولا يمكنها دخول المسجد، مضافاً إلى أن قواها البدنية ضعيفة، وكذلك المسائل المربوطة بالحجاب والحمل وغير ذلك. (وليس الذكر كالأُنثى).
ويظهر من القرائن في الآية والأحاديث الواردة في التفاسير أنّ هذا القول (وليس الذكر كالأُنثى) قول أُمّ مريم، لا قول الله كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين. ولكن كان ينبغي أن تقول «وليست الأُنثى كالذكر» باعتبارها قد ولدت أُنثى لا ذكراً. لذلك يمكن أن يكون في الجملة تقديم وتأخير، كما نلاحظه في كلام العرب وغير العرب. ولعلّ ما انتابها من الكدر والحزن لوضعها أُنثى جعلها تنطق بهذا الشكل، إذ كانت شديدة الاعتقاد بأنّ ما ستلده ذكر وأنّها ستفي بنذرها فيجعله خادماً في بيت المقدس. وهذا الاعتقاد والتوقّع جعلاها تقدّم الذكر علىالأُنثى، على الرغم من أنّ أُصول تركيب الجمل وجنس المولود يقتضيان تقديم الأُنثى.

ــ[480]ــ


والجملة المعترضة (والله أعلم بما وضعت) من قول الله. أي لم يكن يلزم أن تقول إنّها ولدت أُنثى، لأنّ الله كان أعلم منها بمولودها منذ انعقاد نطفته وتعاقب مراحل تصوّره في الرحم.
(وإني سمّيتها مريم...).
يتّضح من هذه الجملة أنّ أُم مريم هي التي سمّتها بهذا الإسم عند ولادتها. و «مريم» بلغتها تعني «العابدة». وفي هذا يظهر منتهى اشتياق هذه الأُمّ الطاهرة لوقف وليدها على خدمة الله. لذلك طلبت من الله ـ بعد أن سمّتها ـ أن يحفظها ونسلها من وسوسة الشياطين، وأن يرعاهم بحمايته ولطفه (وإنّي أُعيذها بِكَ وذُرّيتها من الشيطان الرجيم).
* * *

ــ[481]ــ







الآية

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَـامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَاب __ƒ_

التّفسير
تواصل هذه الآية سرد حكاية مريم. لقد أشرنا من قبل أنّ أُمّ مريم لم تكن تصدّق إمكان قبول الأُنثى خادمة في بيت الله، لذلك كانت تتمنّى أن تلد مولوداً ذكراً، إذ لم يسبق أن اختيرت أُنثى لهذا العمل. ولكن الآية تقول إنّ الله قد قبل قيام هذه الأُنثى الطاهرة بهذه الخدمة الروحية والمعنوية، لأوّل مرّة.
يقول بعض المفسّرين: إنّ دليل قبولها لهذه الخدمة أنّها لم تكن ترى العادة الشهرية أثناء خدمتها في بيت المقدس لكي لا تضطرّ إلى ترك الخدمة، أو أن حضور طعامها من الجنّة إلى محرابها دليل على قبولها. وقد يكون قبول النذر وقبول مريم قد أُبلغ للأُمّ عن طريق الإلهام.

ــ[482]ــ


وكلمة «أنبتها» إشارة إلى تكامل مريم أخلاقياً وروحياً. كما أنّه يتضمّن نكتة لطيفة هي أنّ عمل الله هو «الإنبات» و الإنماء. أي كما أنّ بذور النباتات تنطوي على استعدادات كامنة تظهر وتنمو عندما يتعهّدها المزارع، كذلك توجد في الإنسان كلّ أنواع الإستعدادات السامية الإنسانية التي تنمو وتتكامل بسرعة إن خضعت لمنهج المربّين الإلهيّين ولمزارعي بستان الإنسانية الكبير، ويتحقّق الإنبات بمعناه الحقيقي.
(وكفّلها زكريّا).
«الكفالة» ضمّ شيء إلى آخر. لذلك يطلق على من يلتزم رعاية شؤون أحد الأطفال اسم «الكافل» أو «الكفيل»، أي أنّه يضمّ الطفل إليه. إذا استعملت الكلمة ثلاثية مجرّدة كانت فعلاً لازماً، وتتعدّى بنقلها إلى باب الثلاثي المزيد «كفّل» أي إنتخاب الكفيل لشخص آخر.
في هذه الآية يقول القرآن: إختار الله زكريّا كي يتكفّل مريم، إذ أنّ أباها عمران قد ودّع الحياة قبل ولادتها، فجاءت بها أُمّها إلى بيت المقدس وقدّمتها لعلماء اليهود وقالت: هذه البنت هديّة لبيت المقدس، فليتعهّدها أحدكم، فكثر الكلام بين علماء اليهود، وكان كلّ منهم يريد أن يحظى بهذا الفخر، وفي احتفال خاص ـسيأتي شرحه في تفسير الآية 44 من هذه السورة ـ اختير زكريّا ليكفلها.
وكلّما شبّت وتقدّم بها العمر ظهرت آثار العظمة والجلال عليها أكثر إلى حدّ يقول القرآن عنها:
(كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً).
«المحراب» هو الموضع الذي يخصّص في المعبد لإمام المعبد أو لأفراد من النخبة. وذكروا في سبب تسميته بهذا الاسم أوجه كثيرة، أوجهها ثلاثة: أحدها: إنّ

ــ[483]ــ


المحراب من «الحرب» سمّي بذلك لأنّه موضع محاربة الشيطان والأهواء. والآخر: إنّ المحراب صدر المجلس، ثمّ أُطلق أيضاً على صدر المعبد. (كان بناء المحراب عند اليهود يختلف عن بنائه عندنا، فأُولئك كانوا يبنون المحراب مرتفعاً عن سطح الأرض بعدّة درجات بين حائطين مرتفعين يحفظانه، بحيث كانت تصعب رؤية من بداخل المحراب من الخارج).
والثالث: انه يطلق على كلّ المعبد، وهو المكان الذي يخصّص للعبادة ومجاهدة النفس والشيطان.
كَبُرت مريم تحت رعاية زكريّا، وكانت غارقة في العبادة والتعبّد. بحيث إنّها ـكما يقول ابن عبّاس ـ عندما بلغت التاسعة من عمرها كانت تصوم النهار وتقوم الليل بالعبادة، وكانت على درجة كبيرة من التقوى ومعرفة الله حتّى أنّها فاقت الأحبار والعلماء في زمانها(1). وعندما كان زكريّا يزورها في المحراب يجد عندها طعاماً خاصّاً، فيأخذه العجب من ذلك. سألها يوماً: (يا مريمُ أنّى لك هذا). فقالت: (هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب).
الآية لا تذكر شيئاً عن ماهيّة هذا الطعام ومن أين جاء، لكنّ بعض الأحاديث الواردة في تفسير العيّاشي وغيره من كتب الشيعة والسنّة تفيد أنّه كان فاكهة من الجنّة في غير فصلها تحضر بأمر الله إلى المحراب. وليس ما يدعو إلى العجب في أن يستضيف الله عبداً تقيّاً.
كما أنّ اعتبار «الرزق» طعاماً من الجنّة يتبيّن من القرائن التي نراها في ثنايا الآية. فأوّلاً كلمة «رزقاً» النكرة دليل على أنّ زكريّا لم يعرف نوع هذا الرزق. وثانياً جواب مريم التي قالت «من عند الله» دليل آخر. وثالثاً انفعال زكريّا وطلبه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير مجمع البيان: ج 2 ص 436.

ــ[484]ــ


ولداً من الله ـ كما نقرأ في الآية التالية ـ دليل ثالث على ذلك.
بَيدَ أنّ بعض المفسّرين ـ مثل صاحب المنار ـ يرون أنّ «رزقاً» تعني هذا الطعام الدنيويّ المألوف. يقول ابن جرير: إنّ قحطاً أصاب بني إسرائيل يومئذ، ولم يعد زكريّا قادراً على سدّ جوعة مريم. لذلك اقترعوا فكانت من نصيب رجل نجّار، فأخذ هذا يقتطع من كسبه الطيّب الحلال ليهيّيء الطعام لها، فكان هذا هو الطعام الذي يراه زكريّا في محرابها ويعجب من وجوده في تلك الظروف الصعبة. وكان جواب مريم يعني أنّ الله قد سخّر لي مؤمناً فأحبّ القيام بهذه الخدمة الشاقّة.
ولكن ـ كما قلنا ـ هذا التفسير لا يتّسق مع القرائن الموجودة في الآية، ولا مع الأحاديث الواردة في تفسيرها، ومنها ما ورد في تفسير العيّاشي عن الإمام الباقر(عليه السلام) ما ملخّصه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل يوماً على ابنته فاطمة (عليها السلام) وهو يعلم أنّها لم تكن تملك طعاماً يذكر منذ أيّام، فوجد عندها طعاماً وافراً خاصّاً، فسألها عنه، فقالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ (عليه السلام): ألا أُحدّثك بمثلك ومثلها؟ قال: بلى، قال: مثل زكريّا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب...(1).
وفيما يتعلّق بعبارة «بغير حساب» فقد شرحنا ذلك في تفسير الآية 202 من سورة البقرة، والآية 27 من هذه السورة.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير العيّاشي: ج 1 ص 172.

ــ[485]ــ







الآيات

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ ِ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ __ƒ_ فَنَادَتْهُ الْمَلائَكَةُ وَهُوَ قَآئمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَة مِنَ اللهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّن الصَّـالِحِينَ__ƒ_ قَالَ رَبّ ِ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنَىِ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ __ƒ_

التّفسير
قلنا إنّ زوجة زكريّا وأُمّ مريم كانتا أُختين، وكانتا عاقرين، وعندما رزقت أُمّ مريم بلطف من الله هذه الذرّية الصالحة، ورأى زكريّا خصائصها العجيبة، تمنّى أن يرزق هو أيضاً ذرّية صالحة وطاهرة وتقيّة مثل مريم، بحيث تكون آية على عظمة الله وتوحيده. وعلى الرغم من كبر سن زكريّا وزوجته، وبُعدهما من الناحية الطبيعيّة عن أن يرزقا طفلاً، فإنّ حبّ الله ومشاهدة الفواكه الطرية في غير وقتها في محراب عبادة مريم، أترعا قلبه أملاً بإمكان حصوله في فصل شيخوخته على

ــ[486]ــ


ثمرة الأُبوّة، لذلك راح يتضرّع إلى الله (قال ربِّ هب لي من لدنك ذرّية طيّبة إنّك سميع الدعاء).
لم يمض وقت طويل حتّى أجاب الله دعاء زكريّا.
(فنادته الملائكة وهو قائم يصلّي في المحراب).
وفيما كان يعبد الله في محرابه، نادته ملائكة الله وقالت له إنّ الله يبشّرك بمولود اسمه يحيى بل أنهم لم يكتفوا بهذه البشارة حتّى ذكروا للمولود خمس صفات:
أوّلاً: سوف يؤمن بالمسيح ويشدّ أزره بهذا الإيمان: (مصدّقاً بكلمة من الله). و«كلمة الله» هنا وفي مواضع أُخرى من القرآن سيرد شرحها ـ تعني المسيح(عليه السلام) ـ وقد جاء في التاريخ أنّ يحيى كان يكبر عيسى ستة أشهر، وكان أول من آمن به. وإذا كان قد اشتهر بين الناس بالطهر والزهد، فقد كان لإيمانه هذا بالمسيح تأثير كبير على الناس، في توجيههم وحثّهم على الإيمان به.
وثانياً: سيكون من حيث العلم والعمل قائداً للناس (وسيّداً) ، كما أنّه سيحفظ نفسه عن الشهوات الجامحة وعن التلوّث بحبّ الدنيا.
(وحصوراً).
«الحصور» من الحصر، أي الذي يضع نفسه موضع المحاصرة، أو الذي يمتنع عن الزواج، وإلى هذا ذهب بعض المفسّرين، كما أُشير إليه في بعض الأحاديث.
والرابعة والخامسة من مميّزاته أيضاً أنّه سيكون «نبياً» (وجاءت هذه الكلمة بصيغه النكرة لدلالة على العظمة) وأنّه من الصالحين.
فلما سمع زكريا بهذه البشارة غرق فرحاً وسروراً، ولم يمتلك نفسه في إخفاء تعجبّه من ذلك، فقال (ربّ أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر)

ــ[487]ــ


فأجابه الله تعالى (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) فلما سمع زكريا هذا الجواب الموجز الذي يشير إلى نفوذ إرادته تعالى ومشيئته، قنع بذلك.
* * *

بحوث

1 ـ هل العزوبة فضيلة؟

هنا يتبادر إلى الذهن سؤال يقول: إذا كان «الحصر» هو العزوف عن الزواج، فهل هذا مَحمَدة يمتاز بها الإنسان، بحيث يوصف بها يحيى؟
في الجواب نقول: ليس هناك ما يدلّ على أنّ «الحصر» المذكور في الآية يقصد به العزوف عن الزواج، فالحديث المنقول بهذا الخصوص ليس موثوقاً به من حيث أسانيده. فلا يُستبعد أن يكون المعنى هو العزوف عن الشهوات والأهواء وحبّ الدنيا، وفي صفات الزاهدين.
ثانياً: من المحتمل أن يكون يحيى ـ مثل عيسى ـ قد عاش في ظروف خاصّة اضطرّته إلى الترحال من أجل تبليغ رسالته، فاضطرّ إلى حياة العزوبة. وهذا لا يمكن أن يكون قانوناً عامّاً للناس. فإذا مدحه الله لهذه الصفة فذلك لأنّه تحت ضغط ظروفه عزف عن الزواج، ولكنّه استطاع في الوقت نفسه أن يحصن نفسه من الزلل وأن يحافظ على طهارته من التلوّث. إنّ قانون الزواج قانون فطري، فلا يمكن في أيّ دين أن يشرع قانون ضدّه. وعليه فالعزوبة ليست صفة محمودة، لا في الإسلام ولا في الأديان الاُخرى.

2 ـ يحيى وعيسى

«يحيى» من الحياة وتعني البقاء حيّاً، وقد اختيرت هذه الكلمة اسماً لهذا

ــ[488]ــ


النبيّ
العظيم، والمقصود بالحياة هنا هي الحياة المادّية والحياة المعنوية في نور الإيمان ومقام النبوّة والإرتباط بالله. هذا الاسم قد إختاره الله له قبل أن يولد، كما جاء في الآية 7 من سورة مريم (يا زكريّا إنّا نبشّرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبلُ سمّياً) ومن هذا يتبيّن أيضاً أنّ أحداً لم يسبق أن سمّي بهذا الاسم.
قلنا فيما سبق أنّ زكريّا طلب من ربّه الذرّية بعد أن شاهد ما نالته مريم من عطاء معنوي سريع. وعلى أثر ذلك وهب الله له ولداً شبيهاً بعيسى بن مريم في كثير من الصفات: في النبوّة وهما صغيران، وفي معنى اسميهما (عيسى ويحيى كلاهما بمعنى البقاء حيّاً)، وفي تحية وسلام الله عليهما في المراحل الثلاث: الولادة، والموت، والحشر و جهات اُخرى.
3 ـ في هذه الآية يصف زكريّا شيخوخته بقوله (وقد بلغني الكِبَر) ولكنه في الآية 9 من سورة مريم يقول (وقد بلغت من الكِبَر عتياً). فالعبارة الأُولى تعني أنّ الكِبَر قد وصلني والثانية تعني أنّي وصلت الكِبَر، ولعلّ هذا الإختلاف في التعبير يعود إلى أنّ الإنسان ـ كلّما تقدّم نحو الكِبَر ـ يتقدّم الكَبر والموت نحوه أيضاً. كما قال عليّ (عليه السلام) «إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى»(1).
4 ـ «الغلام» الفتى الذي طرّ شاربه. و «عاقر» من «عُقر» بمعنى الأصل والأساس. أو بمعنى الحبس. ووصف المرأة التي لا تلد بأنّها عاقر يعني أنّها وصلت إلى عقرها وانتهت، أو أنّها حبست عن الولادة.
وقد يسأل سائل: لماذا استولى العجب على زكريّا مع أنّه عالم بقدرة الله التي لا تنتهي؟
يتّضح الجواب بالرجوع إلى الآيات الأُخرى. كان يريد أن يعرف كيف يمكن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نهج البلاغة: الكلمات القصار: 28.

ــ[489]ــ


لامرأة عاقر ـ خلفت وراءها سنوات عديدة بعد سنة اليأس ـ أن تحمل وتلد؟ ماالذي يتغيّر فيها؟ أترجع إليها العادة الشهرية كسائر النساء المتوسّطات العمر؟ أم أنّها ستحمل بصورة اُخرى؟
ثمّ إنّ الإيمان بقدرة الله غير «الشهود والمشاهدة». زكريّا كان يريد أن يبلغ إيمانه مبلغ الشهود، مثل إبراهيم الذي كان مؤمناً بالمعاد، ولكنّه طلب المشاهدة. كان يريد أن يصل إلى هذه المرحلة من الإيمان. وأنّه لأمر طبيعيّ أن يفكّر الإنسان، إذا ما صادفه أمر خارق للقوانين الطبيعية في كيفيّة حصول ذلك، ويودّ لو أنّه رأى دليلاً حسّياً على ذلك.
* * *

ــ[490]ــ







الآية

قَالَ رَبّ ِ اجْعَل لّيِ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالاِْبْكَـارِ__ƒ_

التّفسير
هنا يطلب زكريّا من الله إمارة على بشارته بمجيء يحيى. إنّ إظهار دهشته ـكما قلنا ـ وكذلك طلب علامة من الله، لا يعنيان أبداً أنّه لا يثق بوعد الله، خاصّة وأنّ ذلك الوعد قد توكّد بقوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء). إنَّما كان يريد زكريّا أن يتحوّل إيمانه بهذا إيماناً شهودياً. كان يريد أن يمتليء قلبه بالإطمئنان، كما كان إبراهيم يبحث عن اطمئنان القلب والهدوء الناشئين عن الشهود الحسّي.
(قال آيتك ألاَّ تكلّم الناس ثلاثة أيّام إلاَّ رمزاً).
«الرمز» إشارة بالشفة، والصوت الخفي. ثمّ اتّسع المعنى في الحوار العادي، فأُطلق على كلّ كلام وإشارة غير صريحة إلى أمر من الأُمور.
أجاب الله طلب زكريّا هذا أيضاً، وعيَّن له علامة، وهي أنّ لسانه كفّ عن الكلام مدّة ثلاثة أيّام بغير أيّ نقص طبيعي، فلم يكن قادراً على المحادثة العادية.