ــ[461]ــ
تشير إلى أنّ معرفة الله بأسرارهم إنّما هي جانب صغير من مدى علمه اللامحدود الذي يسع السماوات والأرض. وهو إضافة إلى علمه الواسع قادر على معاقبة المذنبين: (والله على كلّ شيء قدير).
* * *
ــ[462]ــ
الآية
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ __ƒ_
التّفسير
حضور الأعمال يوم القيامة:
تشير هذه الآية إلى حضور الأعمال الصالحة والسيئة يوم القيامة، فيرى كلّ امريء ما عمل من خير وما عمل من شرّ حاضراً أمامه. فالذين يشاهدون أعمالهم الصالحة يفرحون ويستبشرون، والذين يشاهدون أعمالهم السيّئة يستولي عليهم الرعب ويتمنّون لو أنّهم استطاعوا أن يبتعدوا عنها (تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) فالآية لم تقل أنه يتمنّى فناء عمله وسيئاته، لأنه يعلم أن كلّ شيء في العالم لا يفنى فلذلك يتمنّى أن يبتعد عنه كثيراً.
«الأمد» في اللغة الزمان المحدود، و «الأبد» اللامحدود، والأمد يقصد من استعماله غالباً انتهاء الزمان، وإن استعمل أحياناً أيضاً في مطلق الزمان المحدود.
ــ[463]ــ
بناءاً على ذلك، فإنّ المذنبين ـ كما تقول الآية ـ يتمنّون أنّ يمتدّ الفاصل الزماني بينهم وبين ذنوبهم طويلاً، وهو تعبير عن ذروة ما يشعرون به من تعاسة جرّاء أعمالهم السيّئة، لأنّ طلب البُعد الزماني أبلغ فى التعبير عن هذا الإستياء من طلب البُعد المكاني، فاحتمال الحضور موجود في الفاصل المكاني، بينما ينتفي هذا الاحتمال تماماً في الفاصل الزماني.
فإذا عاش أحد ـ مثلاً ـ في فترة الحرب العالمية، شمله القلق والإضطراب وإن ابتعد مكانياً عن منطقة الحرب، لكن الشخص الذي يعيش في فترة زمنية بعيدة عن الحرب لا يشعر بذلك القلق.
هذا مع أن بعض المفسّرين احتملوا أن يكون للفظة «الأمد» معنى البُعد المكاني أيضاً (كما ورد في مجمع البيان نقلاً عن بعض المفسّرين)، غير أن هذا لم يرد في اللغة على الظاهر.
(ويحذّركم الله نفسه واللهُ رؤوفٌ بالعباد).
في الجزء الأوّل من هذه العبارة يحذّر الله الناس من عصيان أوامره، وفي الجزء الثاني يذكّرهم برأفته. ويبدو أنّ هذين الجزءين هما ـ على عادة القرآن ـ مزيج من الوعد والوعيد. ومن المحتمل أن يكون الجزء الثاني (والله رؤوف بالعباد) توكيداً للجزء الأوّل (ويحذّركم الله نفسه)، وهذا أشبه بمن يقول لك: إنّي أحذّرك من هذا العمل الخطر، وإنّ تحذيري إيّاك دليل على رأفتي بك، إذ لولا حبّي لك لما حذّرتك.
القرآن وتجسيد الأعمال وحضورها
هذه الآية تبيّن بكل وضوح تَجسُّد الأعمال وحضورها يوم القيامة. كلمة
ــ[464]ــ
«تجد» من الوجود ضدّ العدم. ولفظتا «خير» و «سوء» وردتا نكرتين لتفيدا العموم. أي أنّ الإنسان يجد أعماله الحسنة والقبيحة يوم القيامة مهما تكن قليلة.
بعضهم أوّل هذه الآية وأشباهها وقال إنّ القصد من حضور الأعمال هو حضور ثوابها أو عقابها، أو حضور سجلّ الأعمال الذي دوّنت فيه الأعمال كلّها.
ولكن من الجلي أنّ ذلك لا ينسجم وظاهر الآية، لأنّ الآية تقول بوضوح إنّ الإنسان يوم القيامة «يجد» عمله. وتقول: إنّ المسيء يودّ لو أنّ بينه وبين «عمله» القبيح فواصل مديدة. فهنا «العمل» نفسه هو الذي يدور حوله الكلام. لا سجلّ الأعمال، ولا الثواب والعقاب.
كذلك نقرأ في الآية أنّ المسيء يودّ لو بَعُدَ عنه عمله، ولكنّه لا يتمنّى زوال عمله إطلاقاً. وهذا يعني أنّ زوال الأعمال غير ممكن، ولذلك فهو لا يتمنّاه.
هناك آيات كثيرة أُخرى تؤيّد هذا الأمر، كالآية 49 من سورة الكهف.
(وَ وَجَدوا مَا عَمِلُوا حاضِراً ولا يَظلِمُ رَبُّكَ أحَداً) والآيتان 7 و 8 من سورة الزلزال (فَمَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ).
سبق أن قلنا إنّ بعض المفسّرين يرون أنّ لفظ «الجزاء» مقدّر وهذا خلاف ظاهر الآية.
يستفاد من بعض الآيات أنّ الدنيا مرزعة الآخرة، وأنّ عمل الإنسان أشبه بالحبّ الذي يُزرع في التربة، فتنمو تلك الحبّة، ثمّ يحصد الإنسان معها حبّاً كثيراً. كذلك هي أعمال الإنسان التي تجري عليها تبدّلات وتغيّرات تناسب يوم القيامة، ثمّ تعود إلى الإنسان نفسه، كما جاء في الآية 20 من سورة الشورى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه).
ويستفاد من آيات أُخرى أنّ الأعمال الصالحة في هذه الدنيا تأتي في الآخرة بصورة نور وضياء، فيطلبه المنافقون من المؤمنين: (انظرُونا نَقتَبِس مِن نُورِكم)
ــ[465]ــ
فيقال لهم: (ارجعوا وراءكم فالتمِسُوا نوراً)(1).
هذه الآيات وغيرها العشرات تدلّ على أننا يوم القيامة نجد العمل عينه بشكل أكمل، وهذا هو تجسيد الأعمال الذي يقول به علماء الإسلام.
هناك روايات كثيرة أيضاً عن أئمّة الإسلام تؤكّد هذا المعنى، من ذلك:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن طلب أن يعظه:
«لابدّ لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حيّ، وتدفن معه وأنت ميّت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، لا يحشر إلاَّ معك ولا تحشر إلاَّ معه، ولا تُسأل إلاَّ عنه، ولا تُبعث إلاَّ معه، فلا تجعله إلاَّ صالحاً، فإنّه إن كان صالحاً لم تستأنس إلاَّ به، وإن كان فاحشاً لا تستوحش إلاَّ منه، وهو عملك»(2).
ولإلقاء الضوء على هذا البحث لابدّ من معرفة كيفية الإثابة والعقاب على الأعمال.
رأي العلماء في الثواب والعقاب
للعلماء آراء مختلفة في الثواب والعقاب:
1 ـ يعتقد البعض أن جزاء الأعمال الاُخروي أمر اعتباري، مثل المكافأة والعقوبة في هذه الدنيا، أي كما أنّ هناك في هذه الدنيا عقاباً على كلّ عمل سَيّء أقرّه القانون الوضعي، كذلك وضع الله لكلّ عمل ثواباً أو عقاباً معيّنين. وهذه هي نظرة الأجر المعيّن والجزاء القانوني.
2 ـ ثمّة آخرون يعتقدون أنّ النفس البشرية تخلق الثواب والعقاب، فالنفس تخلق ذلك في العالم الآخر دون إختيار، أي أنّ الأعمال الحسنة والأعمال السيّئة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الحديد: 13.
2 ـ البحار: طبعة كمباني: ج 3 ص 257.
ــ[466]ــ
في هذا العالم تخلق في النفس صفات حسنة أو سيّئة، وهذه الصفات تصبح جزءاً متمكّناً من ذات الإنسان، وتبدأ هذه بإيجاد صورة تناسبها من السعادة أو العذاب. فذو الباطن الحسن في هذا العالم يتعامل مع مجموعة من الأفكار والتصوّرات الحسنة، والأشرار والخبثاء مشغولون بأفكارهم الباطلة وتصوّراتهم الدنيئة في نومهم ويقظتهم.
وفي يوم القيامة تقوم هذه الصفات نفسها بخلق السكينة والعذاب أو الشقاء والسعادة. وبعبارة أُخرى أنّ ما نقرأه عن نِعم الجنّة وعذاب جهنّم ليس سوى ما تخلقه هذه الصفات الحسنة أو السيّئة في الإنسان.
3 ـ فريق ثالث من كبار علماء الإسلام اتّخذوا سبيلاً آخر دعموه بكثير من الآيات والأحاديث. يقول هؤلاء: إنّ لكلّ عمل من أعمالنا ـ حسناً كان أم سيّئاً ـ صورة دنيوية هي التي نراها، وصورة أُخروية كامنة في باطن ذلك العمل. وفي يوم القيامة، وبعد أن تكون قد طرأت عليه تحوّلات كثيرة، يفقد صورته الدنيوية ويظهر بصورته الأُخروية فيبعث على راحة فاعله وسكينته، أو شقائه وعذابه.
هذه النظرة، من بين النظرات الأُخرى، تتّفق مع كثير من آيات القرآن، وبناءاً على ذلك، فإنّ أعمال الإنسان ـ وهي مظاهر مختلفة من الطاقة ـ لا تفنى بموجب قانون بقاء «المادة / الطاقة» وتبقى أبداً في هذه الدنيا، على الرغم من أنّ الناظر السطحي يظنّها قد تلاشت.
إنّ بقاء هذه الأعمال بقاءاً أبدياً يتيح من جهة أن يراها الإنسان عند محاسبته يوم القيامة ولا يبقى له مجال للإنكار، كما يتيح للإنسان من جهة أُخرى أن يعيش يوم القيامة بين أعماله، فيشقى أو يسعد. وعلى الرغم من أنّ علم الإنسان لم يبلغ بعد مرحلة اكتشاف الماضي، إلاَّ للحظات قليلة سابقة(1) ، فممّا لا شكّ فيه أنّه لو تمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ اكتشف العلماء جهاز تصوير يعمل بالأشعة ما تحت الحمراء تستطيع أن تصوّر حدثاً لم يمض عليه أكثر من بضع لحظات، إنّ الجهاز يعمل وفق نظام حراري يجتذب الأمواج الصادرة عن الأجسام، ويحوّلها بوساطة جهاز يدعى «ثرموجرام» إلى سالب وموجب، ثمّ يصوّرها بالأسود والأبيض ـ كما ذكرت وسائل الإعلام ـ وبهذا يمكن ـ أن نعرف كيفية وقوع جريمة وتصوير أعمال المجرمين السابقة ثمّ عرضها عليهم وكشف كذبهم.
ــ[467]ــ
صنع جهاز أدقّ وأكمل، أو لو كانت لنا «رؤية» و «إدراك» أكمل لاستطعنا أن نرى وندرك كلّ ما حدث في الماضي. (ليس هناك ما يمنع أن يكون جانب من الثواب والعقاب ذا طابع توافقي).
العلم وتجسيد الأعمال
لإثبات إمكان تجسيد الأعمال الماضية، يمكن الإستناد إلى مبادىء الفيزياء الثابتة اليوم، فقوانين الفيزياء تقول إنّ المادة تتحوّل إلى طاقة، وذلك لأنّ «المادّة» و «الطاقة» مظهران لحقيقة واحدة، كما تقول أحدث النظريات بهذا الخصوص، وأنّ المادّة طاقة متراكمة مضغوطة تتحوّل إلى طاقة في ظروف معيّنة. وقد تكون الطاقة الكامنة في غرام واحد من المادّة تعادل في قوة انفجارها أكثر من ثلاثين ألف طن من الديناميت.
ملخّص القول: إنّ المادّة والطاقة مظهران لحقيقة واحدة، وبالنظر لعدم فناء الطاقة والمادّة، فليس هناك ما يحول دون تراكم الطاقات المنتشرة مرّة أُخرى وتتّخذ صورة مادّة أو جسم، فإذا كانت نتيجة الأعمال صالحة ظهرت بصورة نِعم مادّية جميلة، وإذا كانت شرّاً وسيئّة فإنّها تتجسّد في وسائل عذاب وعقاب.
* * *
ــ[468]ــ
الآيتان
قُلْ إِن مْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ __ƒ_ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَـافِرِينَ __ƒ_
سبب النّزول
لهاتين الآيتين روايتان في سبب نزولهما: إحداهما في تفسير «مجمع البيان» والأُخرى في تفسير «المنار».
الأُولى تقول: ادّعى جمع من الحاضرين في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهم يحبّون الله، مع أنّ العمل بتعاليم الله كان أقلّ ظهوراً في أعمالهم. فنزلت هاتان الآيتان بشأنهم.
وتقول الأُخرى: حضر فريق من مسيحيّي نجران مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وزعموا في حديثهم أنّ مبالغتهم في تقديس المسيح (عليه السلام) إنّما ينطلق من حبّهم لله. فنزلت الآيتان تردّان عليهم.
ــ[469]ــ
التّفسير
الحب الحقيقي:
تقول الآية الأُولى إِنّ الحبّ ليس بالعلاقة القلبية فحسب، بل يجب أن تظهر آثاره في عمل الإنسان. إنّ من يدّعي حبّ الله، فعليه أوّلاً اتّباع رسوله: (إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني).
في الواقع أنّ من آثار الحبّ الطبيعية انجذاب المحبّ نحو المحبوب والاستجابة له. صحيح أنّ هناك حبّاً ضعيفاً لا تتجاوز أشعّته جدران القلب، إلاَّ أنّ هذا من التفاهة بحيث لا يمكن إعتباره حبّاً. لا شكّ أنّ للحبّ الحقيقي آثاراً عملية تربط المحبّ بالحبيب وتدفعه للسعي في تحقيق طلباته.
والدليل على ذلك واضح، فحبّ المرء شيئاً لابدّ أن يكون بسبب عثوره على أحد الكمالات فيه. لا يمكن أنّ يحبّ الإنسان مخلوقاً ليس فيه شيء من قوّة الجذب، وعليه فإنّ حبّ الإنسان لله ناشيء من كونه منبع جميع الكمالات وأصلها. إنّ محبوباً هذا شأنه لابدّ أن تكون أوامره كاملة أيضاً، فكيف يمكن لإنسان يعشق الكمال المطلق أن يعصي أوامر الحبيب وتعاليمه، فإن عصى فذلك دليل على أنّ حبّه غير حقيقي.
هذه الآية لا تقتصر في ردّها على مسيحيّي نجران والذين ادّعوا حبّ الله على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هذا الردّ أصيل وعامّ في منطق الإسلام موجّه إلى جميع العصور والقرون. إنّ الذين لا يفتأون ـ ليلَ نهار ـ يتحدّثون عن حبّهم لله ولأئمّة الإسلام وللمجاهدين في سبيل الله وللصالحين والأخيار، ولكنّهم لايشبهون أُولئك في العمل، هم كاذبون.
أُولئك الغارقون في الذنوب من قمة الرأس حتّى أخمص القدم، ومع ذلك فهم يرون أن قلوبهم مليئة بحبّ الله ورسوله وأميرالمؤمنين والأئمّة العظام، أو الذين
ــ[470]ــ
يعتقدون أنّ الإيمان والحبّ والمحبّة قلبية فحسب، هم غرباء على منطق الإسلامتماماً.
جاء في «معاني الأخبار» عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «ما أحبّ الله من عصاه». ثمّ قرأ الأبيات:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه***هذا لعمرك في الفعال بديع
لوكان حبّك صادقاً لأطعته***إنَّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
(يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
تقول هذه الآية: إذا كنتم تحبّون الله، وبدت آثار ذلك في أعمالكم وحياتكم، فإنّ الله سيحبّكم أيضاً، وسوف تظهر آثار حبّه أنه سيغفر لكم ذنوبكم، ويشملكمبرحمته.
والدليل على هذا الحبّ المتقابل من قِبل الله واضح أيضاً، لأنّه سبحانه موجود كامل ولا متناه من كلّ الجهات، وسيرتبط ـ على أثر السنخية ـ بكل موجود يقطع خطوات على طريق التكامل برباط الحبّ.
يتبيّن من هذه الآية أن ليس هناك حبّ من طرف واحد، لأنّ الحبّ يدفع المحبّ إلى أن يحقّق عملياً رغبات حبيبه. وفي هذه الحالة لا يمكن للمحبوب إلاَّ أن يرتبط بالمحبّ.
قد يسأل سائل: إذا كان المحبّ دائم الإطاعة لأوامر المحبوب، فلا يبقى له ذنب فيغفر له، ولذلك فإن جملة (ويغفر لكم ذنوبكم) ليست ذات موضوع.
في الجواب نقول: أوّلاً يمكن أن تعني هذه الجملة غفران الذنوب السابقة. وثانياً أنّ المحبّ لا يستمرّ في عصيان المحبوب، ولكن قد يزلّ أحياناً بسبب طغيان الشهوات، وهذا هو الذي يغفره الله سبحانه.
ــ[471]ــ
الدين والحبّ
جاء في كثير من الأحاديث أنّ أئمّة الإسلام كانوا يقولون: ما الدين إلاَّ الحب. ومن ذلك ما جاء في «الخصال» و «الكافي» عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «وهل الدين إلاَّ الحبّ؟» ثمّ تلا هذه الآية (إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني).
هذه الأحاديث تريد أن تبيّن أنّ حقيقة الدين وروحه هي الإيمان بالله وحبّه، ذلك الإيمان والعشق اللذين يعمّ نورهما كلّ الوجود الإنساني ويضيئانه، وتتأثر بهما الأعضاء والجوارح، ويظهر أثرهما في اتّباع أوامر الله.
(قل أطيعوا الله والرسول).
هذه الآية تتابع حديث الآية السابقة، وتقول: ما دمتم تدّعون الحبّ لله، إذاً اتّبعوا أمر الله ورسوله، وإن لم تفعلوا فلستم تحبّون الله، والله لا يحبّ هؤلاء (فإن تولّوا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين).
ويستفاد من (أطيعوا الله والرسول) أنّ إطاعة الله وإطاعة رسوله لا تنفصلان، وأنّ إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي إطاعة الله، وإطاعة الله هي إطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذلك فالآية السابقة تحدّثت عن إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، وهنا دار الكلام على إطاعتهما كليهما.
* * *
ــ[472]ــ
الآيتان
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ__ƒ_ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ __ƒ_
التّفسير
في مبتدأ هذه الآية يشرع القرآن بسرد حكاية مريم وأجدادها ومقامهم، فهم النموذج الكامل لحب الله الحقيقي وظهور آثار هذا الحب في مقام العمل والذي أشارت إليه الآيات السابقة.
«اصطفى» من الصفو، وهو خلوص الشيء من الشوائب، ومنه «الصفا» للحجارة الصافية. وعليه فالإصطفاء هو تناول صفو الشيء.
تقول الآية: إنّ الله إختار آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران من بين الناس جميعاً. هذا الإختيار قد يكون «تكوينياً» وقد يكون «تشريعياً» أي أنّ الله قد خلق هؤلاء منذ البدء خلقاً متميّزاً، وإن لم يكن في هذا الإمتياز ما يجبرهم على إختيار طريق الحقّ، بل أنّهم بملء إختيارهم وحرّية إرادتهم إختاروه. غير أنّ ذلك التميّز أعدّهم للقيام بهداية البشر ثمّ على أثر إطاعتهم أوامر الله، والتقوى والسعي في
ــ[473]ــ
سبيل هداية الناس نالوا نوعاً من التميّز الإكتسابي، الذي إمتزج بتميّزهم الذاتي، فكانوا من المصطفين.
(ذرّية بعضها من بعض)(1).
تشير هذه الآية إلى أنّ هؤلاء المصطفين كانوا ـ من حيث الإسلام والطهارة والتقوى والجهاد في سبيل هداية البشر ـ متشابهين ، بمثل تشابه نسخ عدّة من كتاب واحد، يقتبس كلّ من الآخر: (بعضها من بعض).
(والله سميعٌ عليم).
في النهاية تشير الآية إلى حقيقة أنّ الله كان يراقب مساعيهم ونشاطهم، ويسمع أقوالهم، ويعلم أعمالهم. وفي هذا إشارة أيضاً إلى مسؤوليات المصطفين الثقيلة نحو الله ومخلوقات الله.
في هذه الآية إشارة إلى جميع الأنبياء من أُولي العزم، فبعد نوح الذي صرّح باسمه، يأتي آل إبراهيم الذين يضمّون نوحاً نفسه وموسى وعيسى ونبيّ الإسلام. وذكر آل عمران تكرار للإشارة إلى السيّدة مريم والمسيح، بالنظر لكون هذه الآية مقدّمة لبيان حالهما.
1 ـ امتياز الأنبياء:
هنا يبرز هذا السؤال: على الرغم من أنّ هذا التميّز لم يجبر الأنبياء على السير في طريق الحقّ، وأنّه لا يتعارض مع حرّية الإرادة والإختيار، ولكن ألا يعتبر نوعاً من التفضيل؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «الذرية» أصلها الصغار من الأولاد. وقد يشمل الأبناء الصغار والكبار أيضاً بلا واسطة أو مع الواسطة، والكلمة من (الذرء)، بمعنى الخلق والإيجاد.
ــ[474]ــ
في الجواب نقول: إنّ خلقاً مصحوباً بنظام سليم يستتبع بالضرورة مثل هذا التفاضل، فتأمّل جسم الإنسان ـ مثلاً ـ مخلوق منظّم، وللحفاظ على هذا التنظيم لابدّ من الاعتراف بالتفاضل بين عضو وعضو، إذ لو كانت جميع الخلايا في جسم الإنسان تشبه في لطافتها خلايا شبكية العين، أو تشبه في صلابتها وقوّتها خلايا عظام الساق، أو تشبه خلايا الدماغ في حساسيّتها، أو تشبه خلايا القلب في حركتها، لاختلّ حتماً نظام الجسم. إذاً لابدّ من وجود خلايا مثل خلايا الدماغ لكي تتولّى إدارة سائر أعضاء الجسم وعضلاته، وخلايا العظام المتينة لتحفظ استقامة الجسم وخلايا الأعصاب الحسّاسة لتتسلّم أبسط الإيعازات، والخلايا المتحرّكة لتخلق الحركة في الجسم.
ما من أحد يستطيع أن يقول لماذا ليس الجسم كلّه دماغاً؟ أو في النباتات، لماذا لا تكون الخلايا كلّها بلطافة خلايا أوراق الورد؟ إنّ حالة كهذه ستهدم بناء النبات وتعرضه للفناء.
النقطة المهمّة هي أنّ هذا التميّز الذاتيّ الضروري لإيجاد بناء منظّم ليس بسيطاً، بل هو مصحوب بمسؤولية عظيمة، هذا «الإمتياز» وهذه المسؤولية الثقيلة نفسها تحفظ توازن كفّتي ميزان الخلق. أي أن نسبة تميّز الأنبياء على سائر البشر تتناسب مع أهميّة المسؤولية التي يضطلعون بها. كما أنّ الإختلاف في تميّز الآخرين يتناسب مع مسؤولياتهم.
فضلاً عن ذلك فإنّ التميّز الذاتي لا يكفي للإقتراب من الله، بل لابدّ معه من التميّز المكتسب.
في الآية بعض النقاط ينبغي ذكرها:
1 ـ ليست الآية بصدد ذكر جميع الذين اصطفاهم الله، بل تعدّد بعضاً منهم، فإذا لم يكن بعض الأنبياء من بين هؤلاء، فلا يعني ذلك أنهم ليسوا مصطفين. ثمّ إنّ
ــ[475]ــ
«آل إبراهيم» يشمل موسى بن عمران ونبيّ الإسلام والمصطفين من أهل أيضاً لأنّهم جمعاً من «آل إبراهيم».
2 ـ يرى «الراغب» في كتابه «المفردات» إنّ «الآل» من «الأهل»، ولكنّه خصّ بالإضافة إلى أقرباء العظماء من الناس والأشراف ودون الأزمنة والأمكنة. ولكن «الأهل» يضاف إلى الكلّ، كالزمان والمكان وغير ذلك، فيقال: أهل المدينة الفلانية، ولكن لا يقال: آل المدينة الفلانية.
3 ـ غنّي عن القول أنّ إصطفاء آل إبراهيم وآل عمران لا يعني إصطفاء جميع أبناء إبراهيم وعمران، إذ يحتمل أن يكون بينهم حتّى من الكفّار، إنّما المقصود هو «بعض» من آل إبراهيم وآل عمران.
4 ـ «عمران» في هذه الآية هو أبو مريم، لا أبو موسى، إذ كلّما ورد في القرآن اسم عمران كان المعنى به هو أبو مريم، كما يستدلّ على ذلك أيضاً من الآيات التالية التي تخصّ شرح حال مريم.
5 ـ في الأحاديث العديدة عن أهل البيت (عليهم السلام) اعتبرت هذه الآية دليلاً على عصمة الأنبياء والأئمّة، وذلك لأنّ الله لا يمكن أن يصطفي المذنبين الملوّثين بالشرك والكفر والفسق. بل لابدّ أن يقع إختياره على المطهّرين المعصومين. (يستدلّ كذلك من الآية أنّ هناك مراتب للعصمة).
6 ـ يستدلّ بعض الكتّاب المحدثين بهذه الآية على نظرية النشوء والإرتقاء، معتقدين أنّ الآية تدلّ على أنّ «آدم» لم يكن هو الإنسان الأوّل، بل كان هناك أُناس كثيرون فاصطفى الله من بينهم آدم الذي خلَّف نسلاً متميّزاً من أبنائه، وأنّ تعبير (على العالمين) دليل على ذلك. يقول هؤلاء: كان في عصر آدم مجتمع إنساني، ولذلك فليس ثمّة ما يمنع من أن يكون الإنسان الأوّل ـ الذي وجد قبل ذلك بملايين السنين ـ قد نشأ وتطوّر من حيوانات أُخرى متطوّرة، ويكون «آدم»