ــ[431]ــ


بالشرك والتثليث، وقد اختلف كلّ منهما في أمر الإسلام ودلائل صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الواردة في كتبهم، فقبل بعضهم وانكر آخرون.
والخلاصة إنّ لكلّ دين سماوي دلائله الواضحة التي لا تترك إبهاماً أمام الباحث عن الحقيقة. فالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً ـ بالإضافة إلى أنّ المعجزات والدلائل الواضحة في نصوص دينه تؤكّد صدقه ـ وردت أوصافه وعلاماته في الكتب السماوية السابقة التي بقي قسم منها في أيدي اليهود والنصارى، ولذلك بشّر علماؤهم بظهوره قبل ظهوره، ولكنّهم بعد أن بُعث رأوا مصالحهم في خطر، فأنكروا كلّ ذلك، يحدوهم الظلم والحسد والطغيان.
(ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريعُ الحساب).
هذا بيان لمصير أمثال هؤلاء الذين لا يعترفون بآيات الله. إنّهم سوف يتلقّون نتائج عملهم هذا، فالله سريع في تدقيق حساباتهم(1).
المراد من «آيات الله» في هذه الآية ما يشمل جميع آياته وبراهينه وكتبه السماوية، ولعلّها تشمل أيضاً الآيات التكوينية في عالم الوجود، وما ذكره بعض المفسرين من أنها تعني آيات التوراة والإنجيل خاصة، لا دليل عليه.
* * *

ملاحظة

منشأ الإختلافات الدينية

ممّا يلفت النظر في هذه الآية هو أنّ سبب الإختلافات الدينية ليس الجهل وعدم المعرفة دائماً، بل هو على الأكثر الظلم والطغيان والإنحراف عن الحقّ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر تفسير الآية 202 من سورة البقرة بشأن معنى «سريع الحساب».

ــ[432]ــ


واتّباع وجهات النظر الخاصّة، فلو تخلّى الناس ـ وعلى الأخصّ العلماء منهم ـ عن التعصّب، والحقد، وضيق النظر، والمصالح الخاصّة، وتجاوز الحدود، والإعتداء على الحقوق، وتعمّقوا في دراسة أحكام الله بنظرة واقعية وبروح من العدالة، فسيرون محجّة الحقّ منيرة وسيستطيعون حلّ الإختلافات بسرعة.
وهذه الآية في الواقع ردّ دامغ على الذين يقولون: «إنّ الدين هو سبب الخلافات إراقة الدماء بين البشر على امتداد التاريخ».
هؤلاء يخلطون بين «الدين» و «التعصّب الديني» والإنحرافات الفكرية. فنحن إذا درسنا تعاليم الأديان السماوية نجد أنّها جميعاً تسعى لتحقيق هدف واحد، وكلّها جاءت من أجل سعادة الإنسان، وإن كان قد تكاملت تدريجياً على مرور الزمن.
الأديان السماوية أشبه في الواقع بقطرات المطر النازلة من السماء حيث تكمن فيها الحياة، ولكنّها إذا نزلت على الأراضي السبخة، كالأرض المالحة، اكتسبت صبغة هذه الأرض. فهذه الإختلافات ليست من قطرات المطر، بل هي من تلك الأراضي. ولكن من حيث مبدأ التكامل، فإنّ آخر تلك الأديان يكون أكملها.
* * *

ــ[433]ــ







الآية

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتـابَ وَالاُْمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن تُوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ __ƒ_

التّفسير
«المحاجّة» أن يسعى كلّ واحد في ردّ الآخر عن حجّته ومحجّته دفاعاً عن عقيدته.
من الطبيعيّ أن يقوم أتباع كلّ دين بالدفاع عن دينهم، ويرون أنّ الحقّ بجانبهم. لذلك يخاطب القرآن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: قد يحاورك أهل الكتاب (اليهود والنصارى...) فيقولون إنّهم قد أسلموا بمعنى أنّهم قد استسلموا للحق، وربّما هم يصرّون على ذلك، كما فعل مسيحيّو نجران مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فالآية لا تطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتجنّب محاورتهم ومحاججتهم، بل تأمره أن يسلك سبيلاً آخر، وذلك عندما يبلغ الحوار منتهاه، فعليه لكي يهديهم ويقطع الجدل والخصام أن يقول لهم: إنّني وأتباعي قد أسلمنا لله واتّبعنا الحقّ

ــ[434]ــ


(فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعني).
ثمّ يسأل أهل الكتاب والمشركين إن كانوا هم أيضاً قد أسلموا لله واتّبعوا الحقّ فعليهم أن يخضعوا للمنطق (وقل للذين اُوتوا الكتاب والاُميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا) فإذا لم يستسلموا للحقيقة المعروضة أمامهم، فإنّهم لا يكونون قد أسلموا لله. عندئذ لا تمضي في مجادلتهم، لأنّ الكلام في هذه الحالة لا تأثير له، وما عليك إلاَّ أن تبلّغ الرسالة لا غير (وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ).
ومن الواضح أن المراد ليس هو التسليم اللساني والادعائي، بل التسليم الحقيقي والعملي في مقابل الحق، فلو أنهم خضعوا حقيقة للكلام الحق، فلابدّ أن يؤمنوا بدعوتك القائمة على المنطق والدليل الواضح، وإلاَّ فإنهم غير مستسلمين للحق.
والخلاصة: إن وظيفتك هي إبلاغ الرسالة المشفوعة بالدليل والبرهان، فلو كانت لديهم روحية البحث عن الحقيقة فسوف يؤمنون حتماً، وإلاَّ فإنك قد أديت واجبك تجاههم.
وفي الختام يقول: (والله بَصيرٌ بالعباد) فهو سبحانه يعلم المدّعي من الصادق وكذلك اغراض ودوافع المتحاجّين، ويرى أعمالهم الحسنة والقبيحة ويجازي كلّ شخص بعمله.
* * *

بحوث
1 ـ يستفاد من الآية ضمنيّاً لزوم تجنّب مجادلة المعاندين الذين لا يخضعون للمنطق السليم.

ــ[435]ــ


2 ـ المقصود بالأُميّين في هذه الآية هم المشركون، والسبب في وصف المشركين بالأُميّين في قبال أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ هو أنّ المشركين لا يملكون كتاباً سماوياً حتى يكون حافزاً لهم على تعلّم القراءة والكتابة.
3 ـ يتّضح من هذه الآية بكلّ جلاء أنّ اُسلوب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أُسلوب فرض الفكرة والعقيدة، بل كان اُسلوبه السعي إلى توضيح الحقائق أمام الناس، ثمّ يتركهم وشأنهم لكي يتّخذوا قرارهم في اتّباع الحقّ بأنفسهم.
* * *

ــ[436]ــ







الآيتان

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُون بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أَلِيم __ƒ_ أُوْلَئكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِ وَمَا لَهُم مِن نَّـاصِرِينَ __ƒ_

التّفسير

علامات الطغيان:

تعقيباً للآية السابقة التي تضمّنت أنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا يجادلون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يستسلمون للحق، ففي الآية الاُولى إشارة إلى بعض علامات هذا الأمر حيث تقول الآية: (إنّ الّذين يكفرون...).
وتشير هذه الآية في البداية إلى ثلاث ذنوب كبيرة وهي الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير الحق وقتل الّذين يدعون إلى العدالة ويدافعون عن أهداف الأنبياء، وكلّ واحد من هذه الذنوب يكفي لوحده لجعل الإنسان معانداً ومتصلّباً بكفره وعدم تسليمه للحق، بل يسعى لخنق كلّ صوت يدعو إلى الحقّ.
التعبير بـ (يكفرون) و (يقتلون) جاء بصيغة الفعل المضارع وهو إشارة إلى

ــ[437]ــ


أنّ كفرهم وقتلهم الأنبياء والآمرين بالقسط كان من جملة برنامجهم في الحياة فيرتكبون هذه الأعمال بصورة دائمة ومستمرّة (لأن الفعل المضارع يدلّ على الإستمراريّة).
وبطبيعة الحال إنّ هذه الأعمال كانت تصدر عادةً من اليهود حيث نلحظ إستمرارهم بهذه الأعمال في زماننا الحاضر بشكل آخر، ولكنّ هذا لا يمنع من عموميّة مفهوم الآية أيضاً.
ثمّ أنّ الآية تشير إلى ثلاثة عقوبات مترتّبة على إرتكاب هذه الذنوب، ففي البداية تشير الآية (فبشرّهم بعذاب أليم).
ثمّ تقول: (اُولئك الّذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) فلو فرض أنّهم عملوا بعض الأعمال الصالحة فإنّها ستمحى وتزول بسبب الذنوب الكبيرة التي يرتكبونها.
والثالث أنّ الآية تقول: (وما لهم من ناصرين) فلا أحد يحميهم من العقوبات الإلهيّة التي تنتظرهم ولا أحد يشفع لهم في ذلك اليوم.
وسبق وأن قلنا في تفسير الآية 61 من سورة البقرة أنّ هذه الآية تشير إلى تاريخ اليهود المضطرب، فهم فضلاً عن إنكارهم آيات الله تجرّؤا على قتل الأنبياء، كما كانوا يقتلون أتباع الأنبياء من المجاهدين، ولكنّ هذا العمل لايختصّ بهم وحدهم، بل يصحّ بالنسبة إلى جميع الأقوام التي فعلت وتفعل فعلهم.
* * *

بحوث
1 ـ وضعت الآية الداعين إلى العدالة والآمرين بالمعروف في مصافّ الأنبياء. وترى الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل هؤلاء، على مستوى واحد، وهذا منتهى اهتمام الإسلام بنشر العدالة في المجتمع.

ــ[438]ــ


ويتبيّن من الآية الثانية شدّة العقوبات التي ستنزل بالذين يقتلون أمثال هؤلاء الرجال الصالحين. وقد سبق أن قلنا إنّ «الحبط» لا يشمل جميع الذنوب، بل للذنوب الكبيرة التي تذهب بآثار الأعمال الصالحة(1) وأخيراً عدم قبول أيّة شفاعة بحقّهم، كدليل على عظم ذنوبهم.
2 ـ المقصود من (بغير حقّ) ليس إمكان جواز قتلهم بحق، بل المقصود هو القول بأنّ قتل الأنبياء كان دائماً ظلماً وبغير حقّ. فعبارة «بغير حقّ» قيد توضيحيّ للتوكيد.
3 ـ يستفاد من عبارة (فبشّرهم بعذاب أليم) أنّها تشمل الكفّار المعاصرين للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، مع أنّنا نعلم أنّ هؤلاء لم يقتلوا احداً من الأنبياء. وقد أشرنا من قبل إلى السبب وقلنا إذا رضي أحد بفعال قوم وسلوكهم وأفكارهم، فإنّه يكون شريكاً لهم في أعمالهم الخيّرة والسيّئة. ولمّا كانت هذه الجماعة المعاصرة للنبيّ من الكفّار ـ وخاصّة اليهود ـ تؤيّد أعمال أسلافهم وجرائمهم، فهم يشاركونهم فيما ينتظرهم من العقاب أيضاً.
4 ـ «البشارة» هي إخبار الرجل خبراً سارّاً يبسط أسارير وجهه. واستعمال هذه الكلمة في الإخبار بالعذاب في هذه الآية وفي غيرها إنّما هو نوع من التهديد والإستهزاء بأفكار المذنبين. وهذا أشبه بما هو متداول بيننا اليوم، إذ نقول ـ مستهزئين ـ لمن أساء الفعل: حسناً، سوف نكافؤك على ذلك.
5 ـ ورد في حديث عن أبي عبيدة الجراح أنّه قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن أيّ الناس أشدّ عذاباً في الآخرة؟
فقال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف أو نهى عن منكر ثمّ قرأ (ويقتلون

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر تفسير الآية 217 من سورة البقرة بخصوص «حبط».

ــ[439]ــ


النبيّين بغير حقّ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) ثمّ قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى: (فبشرهم بعذاب إليهم)(1).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 و ج 2 ص 423.

ــ[440]ــ







الآيات

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِـّنَ الْكِتَـابِ يَدْعُوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ__ƒ_ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَات وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ__ƒ_فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـاهُمْ لِيَوْم لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ__ƒ_

سبب النّزول

جاء في تفسير «مجمع البيان» عن ابن عبّاس أنّه حدث على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن إرتكب يهودي الزنا مع إمرأة محصنة، على الرغم من أنّ ما جاء في التوراة يقضي بالرجم على أمثال هؤلاء، فإنّهما لم ينالا عقاباً لأنّهما كانا من الأشراف، واتّفقا على الرجوع إلى رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون هو الحكم، آملين أن ينالا عقاباً أخف.
غير أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيّد العقاب المعيّن لهما، فاعترض بعض كبار اليهود

ــ[441]ــ


على حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنكروا أن يكون في اليهود مثل هذا العقاب.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «بيني وبينكم التوراة» فوافقوا، واستدعوا «ابن صوريا» أحد علمائهم، من فدك إلى المدينة، وعند وصوله عرفه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وسأله: أأنت ابن صوريا؟ قال: نعم. فقال: أأنت أعلم علماء اليهود؟ قال: هكذا يحسبونني، فأمر رسول الله أن يفتحوا أمامه التوراة حيث ذكر الرجم ليقرأه، ولكنّه لمّا كان مطّلعاً على تفاصيل الحادث قرأ جانباً من التوراة، وعندما وصل إلى عبارة الرجم وضع يده عليها وتخطّاها ولم يقرأها وقرأ ما بعدها. فأدرك «عبدالله بن سلام» ـ الذي كان من علماء اليهود ثمّ أسلم ـ مكر ابن صوريا وقام إليه ورفع يده عن الآية وقرأ ما كان قد أخفاه بيده، قائلاً: تقول التوراة: على اليهود، إذا ثبت زنا المحصن بالمحصنة رجماً. فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينفّذ العقاب بحقّهما بموجب شريعتهم. فغضب بعض اليهود، فنزلت هذه الآية بحقّهم(1).

التّفسير
هذه الآيات تصرّح ببعض تحريفات أهل الكتاب الذين كانوا يتوسّلون بالتبريرات والأسباب الواهية لتفادي إجراء حدود الله، مع أنّ كتابهم كان صريحاً في بيان حكم الله بغير إبهام، وقد دُعوا للخضوع للحكم الموجود في كتابهم (ألم تر إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يُدعَونَ إلى كتاب الله ليَحكُمَ بينهم).
ولكن عصيانهم كان ظاهراً ومصحوباً بالإعراض والطغيان واتّخاذ موقف المعارض لأحكام الله: (ثمّ يتولّى فريقٌ منهم وهم معرضون).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ في التوراة الموجودة حاليّاً، في سفر اللاويّين في الفصل العشرين، الجملة العاشرة نقرأ ما يلي: «إذا زنا أحد بامرأة غيره، أي بامرأة جاره (مثلاً) يجب قتل الزاني والزانية». على الرغم من أنّ الرجم نفسه لم يرد، فقد ورد العقاب بالموت، وربما يكون التصريح بالرجم قد ورد في النسخة التي كانت موجودة على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ــ[442]ــ


يمكن الإستنتاج من (أُوتوا نصيباً من الكتاب) أنّ ما كان بين أيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل لم يكن كاملاً، بل كان قسم منهما بين أيديهم، بينما كان القسم الأعظم من هذين الكتابين السماويّين قد ضاع أو حُرِّف.
هذه الآية تؤيّدها آيات أُخرى في القرآن، كما أنّ هناك شواهد ودلائل تاريخية تؤكّد ما ذهبنا إليه.
وفي الآية الثانية شرح سبب عصيانهم وتمردّهم، وهو أنّهم كانوا يحملون فكرة خاطئة عن كونهم من عنصر ممتاز، وهم اليوم أيضاً يحملون هذه الفكرة الباطلة الواضحة في كتاباتهم الدالّة على الاستعلاء العنصري.
كانوا يظنّون أنّ لهم علاقة خاصّة بالله سبحانه، حتّى أنّهم سمّوا أنفسهم «أبناء الله» كما ينقل القرآن ذلك على لسان اليهود والنصارى في الآية 18 من سورة المائدة قولهم: (نحن أبناء الله وأحبّاؤه). وبناءاً على ذلك كانوا يرون لأنفسهم حصانة تجاه العقوبات الربّانية، وكانوا ينسبون ذلك إلى الله نفسه. لذلك كانوا يعتقدون أنّهم لن يعاقَبوا على ذنوبهم يوم القيامة إلاَّ لأيّام معدودات: (قالوا لن تمسّنا النار إلاَّ أيّاماً معدودات).
ولعلّ القصد من «الأيام المعدودات» هي الأربعون يوماً التي عبدوا فيها العجل في غياب موسى (عليه السلام)، وكان هذا ذنباً لم يكونوا هم أنفسهم قادرين على إنكاره.
أو لعلّها أيّام قليلة من أعمارهم إرتكبوا فيها ذنوباً كبيرة غير قابلة للإنكار، ولم يستطيعوا حتّى على إخفائها.
هذه الإمتيازات الكاذبة المصطنعة، التي أسبغوها على أنفسهم ونسبوها إلى الله، صارت شيئاً فشيئاً جزءاً من معتقداتهم بحيث إنّهم اغترّوا بها وراحوا يخالفونأحكام الله ويخرقون قوانينه مجترئين عليها جرأةً لا مزيد عليها (وغرّهم

ــ[443]ــ


في دينهم ما كانوا يفترون).
وتدحض الآية الثالثة كلّ هذه الخيالات الباطلة وتقول: لاشكّ أنّ هؤلاء سوف يلاقون يوماً يجتمع فيه البشر أمام محكمة العدل الإلهي فيتسلّم كلّ فرد قائمة أعماله، ويحصدون ناتج ما زرعوه، ومهما يكن عقابهم فهم لا يُظلمون لأنّ ذلك هو حاصل أعمالهم (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفّيت كلّ نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون).
يتّضح من (ما كسبت) أنّ عقاب المرء وثوابه يوم القيامة وفوزه وخذلانه في العالم الآخر إنّما يرتبط بأعماله هو، ولا يؤثّر فيه شيء آخر. هذه حقيقة أُشير إليها في كثير من الآيات الكريمة.
* * *

سؤالان

1 ـ أيمكن للإنسان أن يختلق كذباً أو إفتراءاً وينسبه إلى الله، ثمّ يتأثّر به هو ويعتوره الغرور إلى تلك الدرجة التي أشار إليها القرآن في الآيات السابقة بالنسبة لليهود؟
ليس من العسير الردّ على هذا السؤال، وذلك لأنّ قضية خداع النفس من القضايا التي يعترف بها علم النفس المعاصر. إنّ العقل الإنساني يسعى أحياناً إلى استغفال الضمير بأن يغيّر وجه الحقيقة في عين ضميره. كثيراً ما نشاهد أُناساً ملوّثين بالذنوب الكبيرة، كالقتل والسرقة وأمثالها، على الرغم من إدراكهم تماماً قبح تلك الأعمال يسعون لإظهار ضحاياهم بأنّهم كانوا يستحقّون ما أصابهم لكي يسبغوا هدوءاً كاذباً على ضمائرهم، وكثيراً ما نرى المدمنين على المخدّرات يبرّرون فعالهم بأنّهم يستهدفون الفرار من مصائب الدنيا ومشاكلها.
ثمّ إنّ هذه الأكاذيب والإفتراءات عن تفوّقهم العنصري التي حاكتها الأجيال

ــ[444]ــ


السابقة من أهل الكتاب وصلت بالتدريج إلى الأجيال التالية التي لم تكن تعرف الكثير عن هذا الموضوع ـ ولم تعن بالبحث عن الحقيقة ـ بصورة عقائد مسلّم بها.
2 ـ يمكن أن يقال إنّ الاعتقاد «بالعذاب لأيام معدودات» منتشر بيننا نحن المسلمين أيضاً، لأنّنا نعتقد أنّ المسلمين لا يخلّدون في العذاب الإلهي، إذ أنّ إيمانهم سوف ينجيهم أخيراً من العذاب.
ولكن ينبغي التوكيد هنا أنّنا لا يمكن أن نعتقد بأنّ المسلم المذنب والملوّث بأنواع الآثام يعذّب بضعة أيّام فقط، بل أنّنا نعتقد أنّ عذاب هؤلاء يطول لسنوات وسنوات لا يعرف مداها إلاَّ الله، إلاَّ أنّ عذابهم لا يكون أبدياً خالداً. وإذا وجد حقّاً بين المسلمين من يحسبون أنّهم بالإحتماء بالإسلام والإيمان والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة الأطهار يجوز لهم أن يرتكبوا ما يشاؤون من الذنوب، ثمّ لا يصيبهم من العقاب سوى بضعة أيّام من العذاب، فإنّهم على خطأ كبير ويجهلون تعاليم الإسلام وروح تشريعاته.
ثمّ إنّنا لا نعترف بأيّ إمتياز خاصّ للمسلمين، بل نعتقد أنّ كلّ أُمّة اتّبعت نبيّها في زمانها ثمّ أذنبت مشمولة بهذا القانون أيضاً، بغضّ النظر عن عنصرها. أمّا اليهودفيخصّون أنفسهم بهذا الإمتياز دون غيرهم بزعم تفوّقهم العنصري. وقد ردّعليهم القرآن زعمهم الكاذب هذا في الآية 18 من سورة المائدة: (بل أنتم بشرممّن خلق).
* * *

ــ[445]ــ







الآيتان

قُلِ اللَّهُمَّ مَـالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلّ ِ شَىْء قَدِيرٌ__ƒ_تُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغْيْرِ حِسَاب __ƒ_

سبب النّزول

يذكر المفسّر المعروف «الطبرسي» في «مجمع البيان» سببين لنزول هاتين الآيتين يتناولان حقيقة واحدة.
1 ـ عندما فتحت مكّة، بشّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بأنّ دولة الفرس ودولة الروم سرعان ما ستنضويان تحت لواء الإسلام. غير أنّ المنافقين الذين لم تكن قلوبهم قد استنارت بنور الإيمان ولم يدركوا روح الإسلام، اعتبروا ذلك مبالغة، وقالوا بدهشة: لم يقنع محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة ومكّة، وهو يطمع الآن بفتح فارس والروم، فنزلت الآية المذكورة.