ــ[416]ــ
انتصر جيش صغير مفتقر إلى المعدّات الحربية على جيش يبلغ أضعافه عدداً وإمكانات. ومن الناحية المنطقية: فإنّ الله كان قد أخبر المسلمين صراحة بهذا النصر قبل بدء الحرب.
(إنّ في ذلك لعبرةً لأُولي الأبصار).
في ختام الآية يؤكّد سبحانه أنّ الذين وهبوا البصيرة بحيث يرون الحقائق كما هي، يعتبرون بهذا الانتصار الذي أحرزه أُناس مؤمنون، ويدركون أنّ أساس هذا الانتصار هو الإيمان... الإيمان وحده(1).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «عبرة» في الأصل من مادة «عبور» بمعنى الانتقال من مرحلة إلى اُخرى أو من مكان إلى آخر ويقال لدمع العين «عَبرة» على وزن «حسرة» لأنه يعبر من العين، ويقال للكلمات التي تمر من خلال اللسان والاُذن «عبارات» أيضاً وكذلك يقال للحوادث «عِبرة» لأجل أن الإنسان عندما يراها يعلم بمخلفاتها من الحقائق.
ــ[417]ــ
الآية
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَـاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالاَْنْعَـامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَـاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ__ƒ_
التّفسير
جاذبية المتاع الدنيوي:
تعقيباً على الآيات السابقة التي اعتبرت الإيمان رأس المال الحقيقي للإنسان ـ لا المال والبنين والأنصار ـ تشير هذه الآية إلى حقيقة أنّ الزوجة والأبناء والأموال إنَّما هي ثروات تنفع في الحياة المادّية هذه، ولكنّها لا يمكن أن تشكّل هدف الإنسان الأصيل. صحيح أنّه بغير هذه الوسائل لا يمكن السير في طريق السعادة والتكامل المعنوي، إلاَّ أنّ الإستفادة منها في هذا السبيل شيء وحبّها وعبادتها ـ بغير أن تكون مجرّد وسيلة يستفاد منها ـ شيء آخر.
في هذه الآية بضع نقاط ينبغي الإلتفات إليها:
ــ[418]ــ
1 ـ مَن الذي جعل المادّيات زينة؟
في تعبير (زُيِّنَ للناس حبُّ الشهوات...)(1) جاء الفعل مبنيّاً للمجهول، أي أنّ الفاعل المجهول قد زيَّن للناس حبّ الزوجة والأولاد والأموال. في هذه الحالة يخطر للمرء هذا السؤال: ترى من هو الذي زيَّن هذه الاُمور للناس؟
بعض المفسّرين يرون أنّ هذه المشتهيات من عمل الشيطان الذي يزيّنها في أعين الناس، ويستدلّون على ذلك بالآية 24 من سورة النمل: (وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم) وأمثالها. إلاَّ أنّ هذا الاستدلال لا يبدو صحيحاً، لأنّ الكلام في الآية التي نبحث فيها لا تتكلّم عن «الأعمال»، بل عن الأموال والنساء والأبناء.
إنّ التفسير الذي يبدو صحيحاً هو أنّ الله هو الذي زيَّن للناس ذلك عن طريق الخلق والفطرة والطبيعة الإنسانية.
إنّ الله هو الذي جعل حبّ الأبناء والثروة في جبلّة الإنسان لكي يختبره ويسير به في طريق التربية والتكامل، كما يقول القرآن (إنّا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أحسنُ عملاً)(2).
ممّا يثير الإلتفات في الآية أنّ الزوجة أو المرأة قد وردت أوَّلاً، وهذا هو ما يقول به علماء النفس اليوم، بأنّ الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز في الإنسان، كما أنّ التاريخ المعاصر والقديم يؤيّد أنّ كثيراً من الحوادث الإجتماعية ناشئة عن طغيان هذه الغريزة.
وينبغي القول أيضاً إنّ هذه الآية والآيات المشابهة لا تذمّ العلائق المعتدلة مع المرأة والأولاد والمال، لأنّ التقدّم نحو الأهداف المعنوية غير ممكن بدون الوسائل المادّية، وهي لا تتعارض مع نواميس الخلق الطبيعية. إنّما المذموم هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الشهوات: جمع شهوة، أي حبّ شيء من الأشياء حبّاً شديداً ، ولكنها في هذه الآية بمعنى المشتهيات.
2 ـ الكهف: 7.
ــ[419]ــ
الإفراط في هذه العلائق، وبعبارة أُخرى: المذموم هو عبادة هذه الأُمور.
2 ـ ما هي «القناطير المقنطرة» و «الخيل المسوّمة»؟
«قناطير» جمع قنطار، وهو الشيء المحكم، ثمّ أُطلق على المال الكثير. وإطلاق «القنطرة» على الجسر، و «القِنْطَر» على الشخص الذكي إنّما هو لإحكام البناء أو الفكر. و «المقنطرة» اسم مفعول يدلّ على الكثرة والمضاعفة، وذكرهما متتاليين يعني التوكيد، كقولنا «آلاف مؤلّفة» ونقصد به الكثرة الكاثرة.
هناك من حدّد وزن القنطار بأنّه يساوي سبعين ألف دينار ذهباً، وقال بعض إنّه مائة ألف دينار، وقال آخرون إنّه يساوي اثني عشر ألف درهم، ويقول بعض إنّ القنطار كيس مملوء ذهباً أو فضة.
وفي رواية عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) أنّ القنطار مقدار من الذهب الذي يملأ جلد بقرة. إلاَّ ا نّ كلّ هذه تشير إلى المال الوفير.
«الخيل» اسم جمع للفرس، وتطلق على الفرسان أيضاً. والمقصود في الآية هو المعنى الأول طبعاً.
و «المسوّمة» بمعنى المعلّمة أي ذات العلامة، فقد تُعلّم الخيل لإبراز جمال هيكلها ورشاقتها، أو لمعرفة أنّها مدرّبة ومعدّة للركوب في ميادين القتال.
وعليه، فإنّ الآية تعدّد ستة من ثروات الحياة وهي: المرأة، والولد، والمال، والخيول الأصيلة، والمواشي والإبل، والزراعة، وهي أركان الحياة المادّية.
3 ـ ما هو المراد بـ (متاع الحياة الدنيا)؟
«المتاع» هو الإنتفاع بالشيء بعض الوقت. والحياة الدنيا هي الحياة الواطئة الحقيرة. فيكون معنى الآية: إذا عشق أحد هذه الأشياء الستة وحدها باعتبارها الهدف النهائي للحياة، ولم يستفد منها كسلّم للصعود في مسيرة حياته، يكون قد اختار لنفسه حياة منحطّة.
ــ[420]ــ
وفي الحقيقة أنّ تعبير «الحياة الدنيا» إشارة إلى سير الحياة التكاملي، إذ أنّ هذه الحياة الدنيا تعتبر المرحلة الأُولى في ذلك السير. لذلك تشير الآية في النهاية إلى الحياة السامية التي تنتظر الإنسان فتقول (والله عنده حسن المآب).
4 ـ كما تقدّم في تفسير الآية، فقد اشارت الآية إلى النساء من بين النعم المادّية وقدّمتها على الجميع، لأنّها بالقياس الى النعم الاُخرى أقوى تأثيراً واشدّ جاذبية لأهل الدنيا وقد تدعوهم إلى ارتكاب أعظم الجنايات في هذا السبيل.
* * *
ــ[421]ــ
الآيات
& قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْر مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَـارُ خَـالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرضْوَانٌ مِنَ اللهِ واللهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ __ƒ_ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ __ƒ_ الصَّـابرِيِنَ وَالصَّـادِقِينَ وَالْقَـانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرينَ بِالاَْسْحَارِ__ƒ_
التّفسير
هذه الآية توضّح الخطّ البياني الصاعد لتكامل الحياة الإنسانية الذي اُشير إليه في الآية السابقة. تقول الآية: هل أُخبركم بحياة أرفع وأسمى من هذه الحياة المادّية المحدودة في الدينا، تلك الحياة فيها كلّ ما في هذه الحياة من النِعم لكنّها صورتها الكاملة الخالية من أيّ نقص وعيب خاصة بالمتقين.
بساتينها، لا كبساتين الدنيا، لا ينقطع الماء عن الجريان بجوار أشجارها: (تجري من تحتها الأنهار).
ــ[422]ــ
ونِعمها دائمة أبدية، لا كنِعم الدنيا السريعة الزوال: (خالدين فيها).
نساؤها خلافاً لكثير من غواني هذه الدنيا، ليس في أجسامهنّ ولا أرواحهنّ نقطة ظلام وخبث: (وأزواج مطهّرة).
كلّ هذا بانتظار المتّقين. وأسمى من ذلك كلّه، النِعم المعنوية التي تفوق كلّ تصورّ وهي (رضوان من الله).
نلاحظ أنّ الآية تبدأ بجملة: «أُونّبؤكم» الإستفهامية الموجّهة إلى الفطرة الإنسانية الواعية لكي تكون أنفذ في السامع وأعمق، ثمّ إنّ الإستفهام ينصّ على «الإنباء» التي تستعمل للإدلاء بخبر مهمّ جدير بالاستيعاب.
وتخبر الآية المؤمنين أنّهم إذا امتنعوا عن اللذائذ غير المشروعة والأهواء الطاغية الممزوجة بالمعصية، فإنّهم سيفوزون في الآخرة بلذائذ مشابهة ولكن بمستوى أرفع وخالية من كلّ نقص وعيب. إلاَّ أنّ هذا لا يعني حرمان النفس من لذائذ الحياة الدنيا التي لهم أن يتمتّعوا بها بصورة مشروعة.
هل في الجنّة لذائذ مادّية أيضاً؟
يظنّ بعضهم أنّ اللذائذ المادّية مقتصرة على الحياة الدنيا، وأنّ الحياة الأُخرى خالية منها، وأنّ جميع ما جاء في القرآن عن الجنّات والفواكه والمياه الجارية والأزواج الطاهرة إنّما هي كناية عن مقامات ونِعم معنوية من باب «كلّم الناس على قدر عقولهم».
ولكنّنا ينبغي أن نقول: إنّنا بعد أن قبلنا بالمعاد الجسماني إستناداً إلى الكثير من آيات القرآن الصريحة، فلابدّ من وجود نِعم تناسب الجسم والروح وبمستوى أرفع وأعلى. وفي هذه الآية إشارة إلى كليهما: ما يناسب المعاد الجسمانى، وما يناسب المعاد الروحي.
ــ[423]ــ
في الواقع، إنّ الذين يعتبرون نِعم الآخرة المادّية كناية عن نِعم معنوية، إنّما يؤوّلون ظاهر آيات القرآن دون سبب، كما أنّهم ينسون المعاد الجسماني وما يقتضيه.
ولعلّ جملة (والله بصير بالعباد) التي جاءت في آخر الآية إشارة إلى هذه الحقيقة، أي أنّه يعلم ما يحتاجه الجسم والروح في العالم الآخر، وما هي متطلّبات كلّ منهما وهو يضمن إشباع هذه الحاجات على أحسن وجه.
(الذين يقولون ربّنا إنّنا...).
في هذه الآية والآية التي بعدها نتعرّف على المتّقين الذين كانوا في الآية السابقة مشمولين بِنِعم الله العظيمة في العالم الآخر، فتعددان ستّ صفات من صفاتهم الممتازة.
1 ـ إنّهم يتوجّهون إلى الله بكلّ جوارحهم، والإيمان يضيء قلوبهم، ولذلك يحسّون بمسؤولية كبيرة في كلّ أعمالهم، ويخشون عقاب أعمالهم خشية شديدة، فيطلبون مغفرته والنجاة من النار: (فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).
2 ـ مثابرون صابرون ذوو همّة، ومقاومون عند مواجهتهم الحوادث في مسيرة إطاعتهم لله وتجنّبهم المعاصي، وعند ابتلائهم بالشدائد الفردية والإجتماعية (الصابرين).
3 ـ صادقون ومستقيمون، وما يعتقدون به في الباطن يعملون به في الظاهر، ويتجنّبون النفاق والكذب والخيانة والتلوّث (والصادقين).
4 ـ في طريق العبودية لله خاضعون ومتواضعون ومواظبون على ذلك (والقانتين)(1).
5 ـ لاينفقون من أموالهم فحسب، بل ينفقون من جميع ما لديهم من النِعم المادّية والمعنوية في سبيل الله، فيعالجون بذلك أدواء المجتمع (والمنفقين).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «قانتين» من مادة «قنوت» بمعنى الخضوع امام الله وأيضاً بمعنى المداومة على الطاعة والعبودية.
ــ[424]ــ
6 ـ في أواخر الليل وعند السحر، أي عندما يسود الهدوء والصفاء وحين يغطّ الغافلون في نوم عميق وتهدأ ضوضاء العالم المادّي، يقوم ذوو القلوب الحيّة اليقظة، ويذكرون الله ويطلبون المغفرة منه وهم ذائبون في نور الله وجلاله، وتلهج كلّ ذرّة من وجودهم بتوحيده سبحانه (والمستغفرين بالأسحار).
* * *
بحوث
1 ـ في تفسير هذه الآية، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من قال في آخر صلاة الوتر في السحر «استغفر الله وأتوب إليه» سبعين مرّة، وداوم على ذلك سنة كتبه الله من المستغفرين بالأسحار»(1).
2 ـ «السحر» في أصل اللغة هو «التغطية والإخفاء». ولمّا كانت ساعات الليل الأخيرة تغطّي كلّ شيء بستار خاصّ، فقد سمّيت بالسحر. و«السحر» ـ بكسر السين ـ من المادّة نفسها، لأنّ الساحر يقوم بأعمال تخفى أسرارها على الآخرين. وقد يطلق العرب اسم «السحر» ـ بوزن البشر ـ على الرئة لإختفاء ما فيها.
لماذا يشار إلى السحر من بين جميع ساعات الليل والنهار، مع أنّ الاستغفار وذكر الله مطلوبان في كلّ وقت؟ السبب هو ما تتميّز به ساعات السحر من هدوء وسكون وابتعاد عن الأعمال المادّية، وللنشاط الذي يشعر به المرء بعد استراحته ونومه، فيكون أكثر استعداداً للتوجّه إلى الله. وهذا ما يسهل دركه بالتجربة، حتّى أنّ بعض العلماء يستثمرون وقت السحر لحلّ المسائل العلمية، إذا أنّ سراج الفكر وروح الإنسان أكثر تلألؤاً وسطوعاً في ذلك الوقت من أيّ وقت آخر. ولمّا كانت روح العبادة والاستغفار هي التوجّه وحضور القلب، فإنّ العبادة والاستغفار في هذا الوقت أسمى من أيّ وقت آخر.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير البرهان: ج 1 ص 273.
ــ[425]ــ
الآية
شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئَكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ __ƒ_
التّفسير
الجميع يشهد بالوحدانية:
تعقيباً على البحث في الآيات السابقة حول المؤمنين الحقيقيين، تشير هذه الآية إلى بعض أدلّة التوحيد ومعرفة الله فتقول بأن الله تعالى يشهد بوحدانيته (من خلال إيجاد النظام الكوني العجيب)، كما تشهد الملائكة، ويشهد بعد ذلك العلماء والذين ينظرون إلى حقائق العالم بنور العلم والمعرفة (شهِد الله أنّه لا إله إلاَّ هُوَ والملائكةُ وأُولوا العلم).
* * *
بحوث
1 ـ كيف يشهد الله على وحدانيّته؟
المقصود من شهادة الله هنا هو الشهادة العملية والعقلية، لا الشهادة اللفظية.
ــ[426]ــ
أي أنّ الله بخلقه عالم المخلوقات الذي يسوده نظام موحّد، وتتشابه قوانينه في كلّ مكان، وتجري وفق برنامج واحد، لتكوّن «وحدة واحدة» و «نظاماً واحداً»، قد أظهر عملياً أنّ الخالق والمعبود في العالم ليس أكثر من واحد، وأنّ كلّ شيء ينطلق من ينبوع واحد. وعليه فإنّ خلق هذا النظام الواحد شهادة ودليل على وحدانيّته.
أمّا شهادة الملائكة والعلماء، فهي شهادة لفظية، فهم بالتعبير اللفظي الذي يناسبهم يعترفون بهذه الحقيقة. أنّ هذا اللون من التفكيك في الآيات القرآنية كثير في الآية (إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ)(1)، لا شكّ أنّ صلاة الله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير صلاة الملائكة عليه، فصلاة الله هي إرسال الرحمة، وصلاة الملائكة هي طلب الرحمة.
بديهيّ أنّ لشهادة الملائكة والعلماء جانبها العملي أيضاً، ذلك لأنّهم لا يعبدون سواه، ولا يخضعون لمعبود غيره.
2 ـ ما القيام بالقسط؟
إنّ عبارة (قائماً بالقسط) حال من فاعل «شهد» وهو «الله». أي أنّ الله يشهد بوحدانيّته في حالة كونه قائماً بالعدالة في عالم الوجود. وهذا في الحقيقة دليل على شهادته، لأنّ العدالة هي إختيار الطريق الوسط والمستقيم، بمعزل عن كلّ إفراط وتفريط وانحراف. ونعلم أنّ الطريق الوسط المستقيم لابدّ أن يكون طريقاً واحداً، كما نقرأ في الآية 153 من سورة الأنعام (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السُبُل فَتَفَرَّقَ بِكم عن سبيلهِ).
تقول هذه الآية إنّ طريق الله واحد، بينما طرق المنحرفين والبعيدين عن الله
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الأحزاب: 56.
ــ[427]ــ
متعدّدة ومتناثرة، وذلك لورود الصراط المستقيم بصيغة المفرد، وسُبل المنحرفين بصيغة الجمع.
النتيجة هي أن «العدالة» تصاحب «النظام الواحد»، والنظام الواحد دليل على «المبدأ الواحد». وبناءً على ذلك فإنّ العدالة بمعناها الحقيقي في عالم الخلق دليل على وحدانية الخالق، فتأمّل.
3 ـ أهمية العلماء
العلماء في هذه الآية وضِعوا إلى جانب الملائكة، وهذا بذاته تمييز للعلماء على غيرهم. كما يستفاد من الآية أنّ العلماء إنّما امتازوا على غيرهم لأنّهم بعلمهم توصّلوا إلى معرفة الحقائق، وعلى رأسها معرفة وحدانية الله.
من الواضح أنّ الآية تشمل جميع العلماء، أمّا قول بعض المفسّرين بأنّ (أُولوا العلم) هم الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) فلأن الأئمّة من أظهر مصاديق ذلك.
ينقل المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان» ضمن تفسير هذه الآية، عن جابر بن عبدالله الأنصاري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ساعة من عالم يتّكىء على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاماً».
* * *
يتكرّر تعبير (لا إله إلاَّ هو) في نهاية الآية، ولعلّ التكرار إشارة إلى أنّه ما جاءت في البداية شهادة الله والملائكة والعلماء، كذلك على من يسمع هذه الشهادات أن يردّدها هو أيضاً معهم، ويشهد على وحدانية المعبود.
ولمّا كان قوله (لا إله إلاَّ هو) تعظيماً وإظهاراً لوحدانيّته، فقد اختتم بالصفتين «العزيز» و «الحكيم» لأنّ القيام بالقسط يتطلّب القدرة والحكمة، وأن الله القادر
ــ[428]ــ
على كلّ شيء، والعليم بكلّ شيء هو وحده القادر على إجراء العدالة في عالم الوجود.
هذه الآية من الآيات التي كانت موضع اهتمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دائماً وكان يردّدها في مواضع مختلفة.
وروي عن الزبير بن العوام قال: قلت لأدنونّ هذه العشية من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي عشية عرفة، حتّى أسمع ما يقول...، فسمعته يقول: (شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو) الآية، فما زال يرددها حتّى رفع(1).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 2 ص 421.
ــ[429]ــ
الآية
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِْسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ__ƒ_
التّفسير
روح الدين التسليم للحقّ:
«الدِين» في الأصل بمعنى الجزاء والثواب، ويطلق على «الطاعة» والإنقياد للأوامر، و «الدين» في الإصطلاح: مجموعة العقائد والقواعد والآداب التي يستطيع الإنسان بها بلوغ السعادة في الدنيا، وأن يخطو في المسير الصحيح من حيث التربية والأخلاق الفردية والجماعية.
«الإسلام» يعني التسليم، وهو هنا التسليم لله. وعلى ذلك، فإنّ معنى (إنّ الدِين عند الله الإسلام): إنّ الدين الحقيقي عند الله هو التسليم لأوامره وللحقيقة. في الواقع لم تكن روح الدين في كلّ الأزمنة سوى الخضوع والتسليم للحقيقة.
وإنّما أطلق اسم «الإسلام» على الدِين الذي جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّهأرفع الأديان.
ــ[430]ــ
وقد أوضح الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى في بيان عميق فقال: «لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل»(1).
فالإمام في كلمته هذه يضع للاسم ستّ مراحل، أولاها التسليم أمام الحقيقة، ثمّ يقول إنّ التسليم بغير يقين غير ممكن (إذ أنّ التسليم بغير يقين يعني الإستسلام الأعمى، لا التسليم الواعي). ثمّ يقول إنّ اليقين هو التصديق (أي أنّ العلم وحده لايكفي، بل لابدّ من الاعتقاد والتصديق القلبيّين) والتصديق هو الإقرار (أي لا يكفي أن يكون الإيمان قلبيّاً فحسب، بل يجب إظهاره بشجاعة وقوّة)، ثمّ يقول إنّ الإقرار هو الأداء (أي أنّ الإقرار لا يكون بمجرّد القول باللسان، بل هو إلتزام بالمسؤولية). وأخيراً يقول إنّ الأداء هو العمل (أي إطاعة أوامر الله وتنفيذ البرامج الإلهية) لأنّ الإلتزام وتحمّل المسؤولية لا يعنيان سوى العمل. أمّا الذين يسخّرون كلّ قواهم وطاقاتهم في عقد الجلسات تلو الجلسات وتقديم الإقتراحات وما إلى ذلك من الأُمور التي لا تتطلّب سوى الكلام فلا هم تحمّلوا إلتزاماً ولا مسؤولية، ولا هم وعوا روح الإسلام حقّاً.
هذا أجلى تفسير للإسلام من جميع جوانبه، ثمّ إنّ الآية تذكر علّة الاختلاف الديني على الرغم من الوحدة الحقيقية للدين الإلهي وتقول:
(وما اختلف الذين أُوتوا الكتاب إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم).
فعلى هذا إن الاختلاف ظهر أوّلاً بعد العلم والإطلاع على الحقائق. وثانياً كانت الدوافع لذلك هي الظلم والطغيان والحسد. فاليهود اختلفوا في خليفة موسى ابن عمران (عليه السلام) واقتتلوا بينهم، والمسيحيون اختلفوا في أمر التوحيد حيث خلطوه
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ نهج البلاغة: قصار الكلمات، 120، اُصول الكافي: ج 2 ص 45 مع تفاوت يسير.