ــ[361]ــ
الآية
للهِ مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكمُ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللهُ عَلَى كُلّ ِ شَىْء قَدِيرٌ ƒ
التّفسير
مالك كلّ شيء:
هذه في الحقيقة تكملة للجملة الأخيرة في الآية السابقة وتقول: (لله ما في السموات وما في الأرض) ولهذا السبب فهو يعلم جميع أفعال الإنسان الظاهريّة منها والباطنيّة (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).
يعني لاينبغي لكم أن تتصوروا أعمالكم الباطنيّة مثل كتمان الشهادة والذنوبالقلبيّة الاُخرى سوف تخفى على الله تعالى الحاكم على الكون بأجمعهوالمالك للسموات والأرض، فإنّه لا يخفى عليه شيء، فلا عجب إذا قيل أنّ الله تعالى يحاسبكم على ذنوبكم القلبيّة ويجازيكم عليها (فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء).
ويحتمل أيضاً أنّ الآية أعلاه تشير إلى جميع الأحكام المذكورة في الآيات
ــ[362]ــ
السابقة من قبيل الإنفاق الخالص والإنفاق المشوب بالرياء أو المنّة والأذى وكذلك الصلاه والصوم وسائر الأحكام الشرعيّة والعقائد القلبيّة.
في ختام الآية تقول.: (والله على كلّ شيء قدر) فهو عالمٌ بكل شيء يجري في هذا العالم، وقادرٌ أيضاً على تشخيص اللّياقات والملكات، وقادرٌ أيضاً على مجازات المتخلّفين.
* * *
ملاحظتان
1 ـ قد يتصوّر أنّ هذه الآية مخالفة للأحاديث الكثيرة التي تؤكّد على النيّة المجرّدة، ولكنّ الجواب واضح، حيث إنّ تلك الأحاديث تتعلق بالذنوب التي لها تطبيقات خارجيّة وعمليّة بحيث تكون النيّة مقدّمة لها من قبيل الظلم والكذب وغصب حقوق الآخرين وأمثال ذلك، لا من قبيل الذنوب التي لها جنبة نفسيّة ذاتاً وتعتبر من الأعمال القلبيّة مثل (الشرك والرياء وكتمان الشهادة).
وهناك تفسير آخر لهذه الآية، وهو أنّه يمكن أن يكون لعمل واحد صور مختلفة، مثلاً الإنفاق تارةً يكون في سبيل الله، واُخرى يكون للرياء وطلب الشهرة، فالآية تقول: أنّكم إذا أعلنتم نيّتكم أو أخفيتموها فإنّ الله تعالى أعلم بها وسيجازيكم عليها، فهي في الحقيقة إشارة إلى مضمون الحديث الشريف «لا عمل إلاّ بنيّة»(1).
2 ـ من الواضح أنّ قوله تعالى (فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء) أنّ إرادته لا تكون بدون دليل، بل أنّ عفوه أيضاً يرتكز على دليل ومبرّر، وهو لياقة الشخص للعفو الإلهي، وهكذا في عقابه وعدم عفوه.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ وسائل الشيعة: ج 1 ص 33.
ــ[363]ــ
الآية
ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللهِ وَمَلائَكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعَنا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ƒ
التّفسير
علائم الإيمان وطريقه:
لقد شرعت سورة البقرة ببيان بعض المعارف الإسلامية والاعتقادات الحقّة واختتمت بهذه المواضيع أيضاً كما في الآية أعلاه والآية التي بعدها، وبهذا تكون بدايتها ونهايتها متوافقة ومنسجمة.
وقد ذكر بعض المفسّرين في سبب نزول هذه الآية أنّه حين نزلت الآية السابقة وأنّ الله تعالى يعلم ما في أنفسكم ويحاسبكم بما أظهرتم وأخفيتم في قلوبكم، خاف بعض الصحابة وقالوا: ليس أحدٌ منّا إلاّ وفي قلبه خطرات ووساوس شيطانيّة، فعرضوا الأمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية أعلاه، وبيّنت طريق الحقّ والإيمان، ومنهج التضرّع والمناجاة والتسليم لأوامر الله تعالى(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ اقتباس من (البحر المحيط): ج 2 ص 363.
ــ[364]ــ
في البداية تقول (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه) فهذا المعنى وهذه الخصيصة تعتبر من إمتيازات الأنبياء الإلهيين جميعاً بأنّهم مؤمنون بما جاءوا به إيماناً قاطعاً، فلا شكّ ولا شبهة في قلوبهم عن معتقداتهم، فقد آمنوا بها قبل الآخرين واستقاموا وصبروا عليها قبل الآخرين.
ونقرأ في الآية 158 من سورة الأعراف أنّ هذه الخصيصة تعتبر من صفات الرسول الأكرم ومن إمتيازاته حيث تقول: (فآمنوا بالله ورسوله النبيّ الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته).
ثمّ تضيف الآية الكريمة: (والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله)(1) وهذه الجملة الأخيرة من كلام المؤمنين أنفسهم، حيث يؤمنون بجميع الأنبياء والمرسلين وشرائعهم بخلاف البعض من الناس الذين تقول عنهم الآية 150 من سورة النساء (ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض)(2).
المؤمنون لا يرون تفاوتاً بين رسل الله من جهة أنّهم مرسلون من قبل الله تعالى، ويحترمونهم ويقدّسونهم جميعاً. ومعلوم أنّ هذا الموضوع لاينافي مقولة نسخ الشرائع السابقة بواسطة الشريعة البعديّة، لأنّه كما سبقت الإشارة إليه أنّ تعليمات الأنبياء وشرائعهم من قبيل المراحل الدراسيّة المختلفة من الإبتدائية والمتوسطة والاعدادية والجامعة، فبالرغم من أنّها تشترك جميعاً في الاُصول والمباديء الأساسيّة، إلاَّ أنّها تختلف في السطوح والتطبيقات المختلفة، فعندما يرتقي الإنسان إلى مرحلة أسمى فإنّه يترك البرامج المعدّة للمرحلة السابقة ويأخذ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ جملة «والمؤمنون» يمكن أن تكون جملة مستأنفة كما ذكر في التفسير أعلاه ويمكن أن تكون معطوفة على (الرسول) ولا يختلف المعنى كثيراً وإن كان المعنى الأول أنسب.
2 ـ النساء: 150.
ــ[365]ــ
بالبرامج المعدّة لهذه المرحلة، ومع ذلك يبقى إحترامه وتقديسه للمرحلة السابقة في محلّه.
ثمّ تضيف الآية أنّ المؤمنين مضافاً إلى إيمانهم الراسخ والجامع فإنّهم في مقام العمل أيضاً كذلك (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير).
(سمعنا) وردت في بعض الموارد بمعنى فهمنا وصدّقنا من قبيل هذه الآية، أي أنّنا قبلنا دعوة أنبيائك بجميع وجودنا وعلى إستعداد تام للإطاعة والإتّباع.
ولكن يا إلهنا وربّنا نحن بشر وقد تتسلط علينا الغرائز والأهواء وتجرّنا إلى المعصية أحياناً، ولهذا ننتظر عفوك ونتوقع منك المغفرة لأنّ مصيرنا إليك(1).
وبهذا يتناغم الإيمان بالمبدأ والمعاد مع الإلتزام العملي بجميع الأحكام الشرعيّة والدساتير الإلهيّة.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ذهب كثير من المفسّرين إلى أن في الجملة الأخيرة فعل محذوف وتقديره (نسألك) أو (نريد غفرانك).
ــ[366]ــ
الآية
لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَااكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِدْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَـافِرِينَ ƒ
التّفسير
عدّة حاجات مهمّة:
كما تقدّم في تفسير الآية السابقة أنّ هاتين الآيتين تتعلّقان بالأشخاص الّذين إستوحشوا من تعبير الآية السابقة في أنّ الله تعالى مطّلع على نيّاتهم وسيحاسبهم ويجازيهم عليها فقالوا: لا أحد منّا يصفو قلبه عن الوسوسة والخاطرات القلبيّة.
فالآية الحاضرة تقول: (لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها).
(الوسع) لغة تعني القدرة والإستيعاب، وعليه فإنّ الآية تؤيّد الحقيقة المنطقيّة القائلة أنّ التكاليف والفرائض الإلهيّة لا تتجاوز طاقة الأفراد وميزان تحملّهم
ــ[367]ــ
إطلاقاً، لذلك يمكن القول بأنّ كلّ الأحكام يمكن تقييدها وتفسيرها بهذه الآية حيث تتحدّد في إطار قدرة الإنسان، ومن البديهي أنّ المشرّع الحكيم والعادل لا يمكن أن يضع قانوناً على نحو آخر.
كما أنّ الآية تؤكّد أنّ الأحكام الشرعيّة لا تنفصل أبداً عن أحكام العقل والحكمة، بل هي متواكبة معها في كلّ المراحل.
ثمّ تضيف الآية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
أجل فإنّ كلّ شخص يحصد ما جنته يداه حسناً كان أم سيئاً، وسيواجه في هذا العالم أو في العالم الآخر نتائج وعواقب هذه الأعمال، فالآية تنبّه الناس إلى مسؤولياتهم وعواقب أعمالهم، وتفنّد الأساطير التي تبريء بعض الناس من عواقب أعمالهم، أو تجعلهم مسؤولين عن أعمال الآخرين دون دليل.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الآية تطلق على الأعمال الصالحة اسم «الكسب» وعلى الأعمال السيّئة اسم «الإكتساب». ولعلّ السبب هو أنّ «الكسب» يستعمل بالنسبة إلى الأُمور التي يحقّقها المرء برغبة داخلية وبلا تكليف وهي تناسب فطرته، بينما «الإكتساب» هو النقطة المقابلة للكسب، أي الأعمال التي تنافي الفطرة وطبيعة الإنسان. يُفهم من هذا أنّ الأعمال الصالحة مطابقة لمسيرة الفطرة وطبيعة الإنسان، بينما أعمال الشرّ تخالف الفطرة والطبيعة.
أمّا الراغب الإصفهاني في «مفرداته» فيرى رأياً غير هذا وجدير بالملاحظة يقول: الكسب ما يتحرّاه الإنسان ممّا فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظّ ككسب المال، ويقال فيما أخذه لنفسه ولغيره (كأعمال الخير التي لاتقتصر فائدتها على الفاعل وحده، بل قد تعمَّ الأقارب وغيرهم) في حين أنّ الإكتساب لا يقال إلاَّ فيما تعود نتائجه على الفاعل نفسه، وهو الذنب. هذه الإختلافات في المعنى تصلح طبعاً عندما تستعمل الواحدة في قبال الاُخرى.
ــ[368]ــ
(ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
لمّا كان المؤمنون يعرفون أنّ مصيرهم يتحدّد بما كسبت أيديهم من أعمال صالحة أو سيئة بموجب قانون «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» لذلك يتضرّعون ويخاطبون الله بلفظ «الرب» الذي يوحي بمعاني اللطف في النشأة والتربية قائلين: إذا كنّا قد أذنبنا بسبب النسيان أو الخطأ، فاغفر لنا ذنوبنا برحمتك الواسعة وجنّبنا العقاب.
العقاب على النسيان والخطأ:
لماذا الدعاء لأن يغفر الله الذنوب المرتكبة نسياناً أو خطأً؟
فهل الله يعاقب على مثل هذه الذنوب؟
في الجواب لابدّ من القول بأنّ النسيان يكون أحياناً من باب التماهل والتساهل من جانب الإنسان نفسه. بديهيّ أنّ هذا النوع من النسيان لا يضع المسؤولية عن الإنسان، كما جاء في القرآن.
(فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا)(1) وعليه فإنّ النسيان الناشيء عن التساهل يوجب العقاب.
ثمّ لابدّ من ملاحظة أنّ هناك فرقاً بين النسيان والخطأ. فالخطأ يقال عادة في الاُمور التي تقع لغفلة من الإنسان وعدم انتباه منه، كأن يطلق رصاصة ليصيد صيداً فتصيب رصاصته إنساناً فتجرحه. أمّا النسيان فهو أن يتّجه الإنسان للقيام بعمل ما ولكنّه ينسى كيف يقوم بذلك، كأن يعاقب المرء إنساناً بريئاً ظنّاً منه أنّه المذنب، لنسيانه مميّزات المذنب الحقيقي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ السجدة: 14.
ــ[369]ــ
(ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا).
«الإصر» عقد الشيء وحبسه. وتطلق على الحمل الثقيل الذي يمنع المرء من الحركة. وكذلك العهد المؤكّد الذي يقيّد الإنسان. ولهذا تطلق هذه الكلمة على العقاب أيضاً.
وفي هذا المقطع من الآية يطلب المؤمنون من الله تعالى طلبين: الأوّل أن يرفع عنهم الفروض الثقيلة التي قد تمنع الإنسان من إطاعة الله، وهذا هو ما ورد على لسان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بشأن التعاليم الإسلامية، إذ قال «بعثت بالشريعة السهلة السمحة»(1).
هنا قد يسأل سائل: إذا كانت السهولة والسماحة في الدين جيّدة، فلماذا لم يكن للأقوام السابقة مثلها؟
في الجواب نقول: تفيد آيات في القرآن أنّ التكاليف الشاقّة لم تكن موجودة في أصل شرائع الأديان السابقة، بل فرضت كعقوبات على أثر عصيان تلك الأقوام وعدم إطاعتها، كحرمان بني إسرائيل من أكل بعض اللحوم المحلّلة بسبب عصيانهم المتكرّر(2).
وفي الطلب الثاني يريدون منه أن يعفيهم من الإمتحانات الصعبة والعقوبات التي لا تطاق (ولاتحملّنا ما لا طاقة لنا به). ونرى في الفقرة السابقة صيغة (لاتحمل)، وهنا نرى عبارة (لا تحمّل)، فالأُولى تستعمل عادة في الاُمور الصعبة، والثانية فيما لا يطاق.
(فاعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا).
«عفا» بمعنى أزال آثار الشيء، وأكثر استعمالها مع الذنب بمعنى محو آثار
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ بحار الأنوار: ج 65 ص 319 ط بيروت، وورد مثله في فروع الكافي: ج 5 ص 494 باب كراهة الرهبانية.
2 ـ الأنعام: 146، النساء: 160.
ــ[370]ــ
الإثم، وتشمل الآثار الطبيعية والآثار الجزائية والعقوبات.
أمَّا «الغفران» فتعني أن يصون الله العبد من أن يمسّه العذاب عقوبة على ذنبه.
وعليه، فإنّ استعمال الكلمتين يفيد أنّ المؤمنين طلبوا من الله أن يزيل الآثار التكوينية والطبيعية لزللهم عن أرواحهم ونفوسهم، لكي لا تصيبهم عواقبها السيّئة. كما أنّهم طلبوا منه أن لا يقعوا تحت طائلة عقابها. وفي المرحلة الثالثة يطلبون «رحمته الواسعة» التي تشمل كلّ شيء.
(أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
وفي آخر دعواهم يخاطبون الله على أنّه مولاهم الذي يتعهّدهم بالرعاية والتربية ويطلبون منه أنّ يمنحهم الفوز والإنتصار على الأعداء.
في هاتين الآيتين خلاصة لسورة البقرة كلّها، وهما تهدياننا إلى روح التسليم أمام ربّ العالمين، وتشيران إلى أن المؤمنين إذا أرادوا من الله أن يغفر لهم زلاَّتهم وأن ينصرهم على الأعداء كافّة، فلابدّ لهم أن ينفذوا برنامج «سمعنا وأطعنا» أن يقولوا: إنَّنا سمعنا دعوات الداعين وقبلناها بكلّ جوارحنا وإنّنا متّبعوها، ولن ندخّر وسعاً في حثّ السير على هذا السبيل. وعندئذ لهم أن يطلبوا الإنتصار على الموانع والأعداء.
إنّ تكرار كلمة «ربّ» أي الذي يلطف بعباده ويربّيهم يكمل هذه الحقيقة. ولهذا حثَّنا أئمة الدين في أحاديثهم على قراءة هاتين الآيتين، وبيّنوا ما فيهما من أبواب الثواب. فإذا تناغم اللسان والقلب في تلاوتهما ولم تكن التلاوة مجرّد ألفاظ تجري على اللسان، تغدو حينئذ برنامجاً حياتياً، فإنّ تلاوتهما تربط بين القلب وخالق الكون، وتضفي الصفاء على الروح وتكون عاملاً على التحرّك والنشاط.
يستفاد جيّداً من هذه الآية أنّ (التكليف بما لايطاق) لا يوجد في الشريعة المقدّسة، لا في الإسلام ولا في الأديان الاُخرى، والأصل هو حريّة الإنسان
ــ[371]ــ
وإرادته لأنّ الآية تقول: أنّ كلّ إنسان يلاقي جزاء أعماله الحسنة والسيئة، فما عمله من حسنات فسيعود إليه، وما ارتكبه من سيئات فعليه، ومن هذا المنطلق يكون طلب العفو والمغفرة والصفح.
وهذا المعنى يتطابق تماماً مع منطق العقل ومسألة الحسن والقبح، لأنّ الله تعالى حكيم ولا يمكن أن يكلّف العباد بما لا طاقة لهم به، وهذا بنفسه دليل على نفي مسألة الجبر، فكيف يحتمل أنّ الله تعالى يجبر العباد على إرتكاب الذنب والإثم وفي نفس الوقت ينهاهم عنه؟!
ولكنّ التكاليف الشاقّة والصعبة ليست بالأمر المحال كما قرأنا عن تكاليف بني إسرائيل الشاقّة، وهذه التكاليف أيضاً ناشئة من أعمالهم وعبارة عن عقوبة لما ارتكبوه من آثام.
* * *
ــ[373]ــ
سُورةُ
آل عُمرانَ
مدنية
وعدد آياتِها مئتين آية
ــ[375]ــ
آل عمران
فضيلة تلاوة هذه السورة:
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «من قرأ سورة آل عمران أعطي بكلّ آية منها أماناً على جسر جهنم»(1).
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «من قرأ البقرة وآل عمران جاء يوم القيامة يظلاّنه على رأسه مثل الغمامتين»(2).
محتوى السورة:
ذهب بعض المفسّرين المعروفين أنّ هذه السورة نزلت بين السنة الثانية والثالثة للهجرة أي بين غزوة بدر واُحد فهي تعكس في طيّاتها فترة من أشد الفترات حساسيّة في صدر الإسلام(3).
وعلى كلّ حال، فإنّ المحاور الأصلية في أبحاث هذه السورة عبارة عن:
1 ـ إنّ قسماً مهمّاً من هذه السورة يرتبط بمسألة التوحيد وصفات الله والمعاد والمعارف الإسلامية الاُخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 405.
2 ـ نور الثقلين: ج 1 ص 309.
3 ـ تشير الآية (13) إلى «غزوة بدر» ومن آية (121) إلى (128) تشير إلى غزوة بدر واُحد، ثمّ تعقب في الآيات (139) إلى (144) إلى نفس المسألة وكذلك الآيات الاُخرى.