ــ[285]ــ
إبراهيم(عليه السلام)من عودة كلّ جزء إلى أصله لايتحقق. وفي بعض الروايات أنّ هذه الطيور كانت طاووساً وديكاً وحمامةً وغراباً، فكان الإختلاف بينها كبيراً، ويرى بعض أنّها مظهر للصفات والخصال المختلفة في البشر. فالطاووس يمثّل العجب والخيلاء والتكبّر، والديك يمثّل الرغبات الجنسية الشديدة، والحمامة تمثّل اللهو واللعب، والغراب يمثّل الآمال والمطامح البعيدة.
3 ـ عدد الجبال
لم يرد في القرآن ذكر عدد الجبال التي وضع عليها إبراهيم أجزاء الطيور، ولكن الأحاديث التي وصلتنا عن أهل البيت (عليهم السلام) تقول أنّها عشرة. ولهذا ورد في الروايات: إنّ من يوصي بإنفاق جزء من أمواله في أمر من الأُمور دون تعيين النسبة فإن صرف عشرة بالمائة يكفي(1)..
4 ـ متى وقعت هذه الحادثة؟
هل وقعت عندما كان إبراهيم في بابل، أم بعد نزوله بالشام؟ يظهر أنّ ذلك قد حدث في الشام، لأنّ منطقة بابل خالية من الجبال.
5 ـ المعاد الجسماني
معظم الآيات الواردة في القرآن المجيد بشأن البعث تشرح وتوضح المعاد الجسماني. إنّ العليم بالمفاهيم القرآنية الخاصّة بالمعاد يعلم أنّ ما يذكره القرآن هو المعاد الجسماني فقط، أي عندما يبعث الناس يكون البعث للجسم والروح معاً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 278.
ــ[286]ــ
لذلك فالقرآن يعبّر عن ذلك بأنّه إحياء الموتى، ولو كان البعث يقتصر على الروح لما كان للإحياء أي مفهوم.
وهذه الآية تشرح بكلّ وضوح كيفيّة تجمّع أجزاء الجسد المتناثرة، وهو ما رآه إبراهيم (عليه السلام) بعينيه.
6 ـ شبهة الأكل والمأكول
ما ذكرناه من الدافع الذي دفع بإبراهيم (عليه السلام) إلى طلب مشاهدة إحياء الموتى وحكاية الجيفة التي كان يأكل منها حيوانات البرّ والبحر، نفهم أنّ إهتمام إبراهيم(عليه السلام) كان منصبّاً على أن يعرف كيف يمكن إرجاع جسد ميّت إلى حالته الأُولى بعد أن أكلته الحيوانات وأصبح جزءاً من أجساد تلك الحيوانات؟ وهذا ما يطلق عليه في علم العقائد اسم «شبهة الآكل والمأكول».
لتوضيح ذلك نقول: إنّ الله سبحانه يعيد الإنسان في يوم القيامة بهذا الجسد المادّي. وبعبارة أُخرى يعود جسم الإنسان وتعود روحه أيضاً.
في هذه الحالة يبرز تساؤل يقول: إذا استحال جسد الإنسان إلى تراب، وامتصّته جذور الأشجار والنباتات وأصبح ثمراً أكله إنسان آخر وغدا جزءاً من جسده. أو إذا افترضنا مثلاً سنوات قحط شديدة أكل فيها إنسان لحم إنسان، فإلى أيّ جسد ستعود هذه الأجزاء المأكولة؟ فإذا غدت جزء من الجسد الأوّل أصبح الجسد الثاني ناقصاً، وإن بقيت جزء من الجسد الثاني نقص الأول أو انعدم.
الجواب:
هذا الإعتراض القديم أجاب عليه الفلاسفة وعلماء العقائد إجابات مختلفة لا نرى ضرورة لدرجها جميعاً هنا. وهناك آخرون لم يستطيعوا أن يعثروا على جواب مقنع، فراحوا يؤوّلون الآيات المرتبطة بالمعاد الجسماني وعمدوا إلى
ــ[287]ــ
اعتبار شخصية الإنسان منحصرة بالروح والخصائص الروحية، مع أنّ شخصية الإنسان لا تنحصر بالروح فقط، ولا الآيات الخاصّة بالمعاد الجسماني غامضة بحيث يمكن تأويلها، بل هي صريحة صراحة قاطعة كما قلنا.
وهناك غيرهم قالوا بنوع من المعاد الجسماني الذي لا يختلف كثيراً عن المعاد الروحاني، إلاَّ أننا نجد أمامنا طريقاً أكثر وضوحاً بالإعتماد على النصوص القرآنية ويتّفق مع ما توصّل إليه العلم الحديث، ويحتاج توضيحه إلى عدّة مقدّمات.
1 ـ إننا نعلم أنّ أجزاء جسد الإنسان تتبدّل مرّات عديدة من الطفولة إلى الموت، حتّى خلايا الدماغ التي لا تتغيّر من حيث العدد، تتغيّر من حيث الأجزاء، فهي من جهة تتغذّى ومن جهة اُخرى تتجزّأ، وهذا نفسه يؤدّي إلى تبديلها الكامل على مدى الزمن، بحيث إنّه بعد مرور عشر سنوات لا تبقى أيّة ذرّة من ذرّات الجسم القديمة.
ولكن الذرّات السابقة عندما تكون على أعتاب الهلاك تنقل جميع خواصّها وآثارها إلى الخلايا الجديدة، لذلك فإنّ مميّزات الإنسان الجسمية كالطول والشكل والهيئة وغيرها من الكيفيات الجسمانية تبقى ثابتة على مرور الزمان، وهذا لايكون إلاَّ بانتقال هذه الصفات إلى الخلايا الجديدة، (لاحظ هذا بدقّة).
وعليه فإنّ الأجزاء الأخيرة من كلّ إنسان، عندما تتبدّل بعد الموت إلى تراب، تكون حاوية على مجموعة من الصفات التي اكتسبتها على امتداد العمر، فهي تاريخ ينطق بمسيرة جسم الإنسان على امتداد العمر كلّه.
2 ـ صحيح أنّ الروح هي الأساس الذي تبنى عليه شخصية الإنسان، ولكن ينبغي أن نعرف أنّ الروح تتكامل وتتربّى بالجسم، وهما يتبادلان التأثير. لذلك فكما أنّ جسدين لايتشابهان من جميع الجهات، كذلك لا تتشابه روحان من
ــ[288]ــ
جميع الجهات أيضاً.
ولهذا السبب فإنّ الروح لا تستطيع أن تتفاعل تفاعلاً كاملاً إلاَّ مع الجسد الذي تربّت وتكاملت معه. لذلك ففي البعث لابدّ من حضور الجسد السابق نفسه لكي تستطيع الروح الإندماج به وتستأنف نشاطها في عالم أسمى، ولتجني ثمار أعمالها.
3 ـ تتمثّل في كلّ ذرّة من ذرّات الجسم جميع صفاته، أي أنّنا لو أمكننا أن نربّي كلّ خليّة من خلايا جسم الإنسان لتصبح إنساناً كاملاً، فإنّ ذلك الإنسان سوف يحمل جميع صفات الإنسان الذي اُخذ منه هذا الجزء، (لاحظ بدقّة).
هل أن الإنسان كان في اليوم الأوّل أكثر من خلية واحدة؟ خلية النطفة التي كانت تحمل جميع الصفات، ثمّ راحت كلّ خلية تنشطر إلى خليتين على التوالي حتى اكتملت جميع خلايا الجسم، وعليه فإنّ كلّ خلية في جسم الإنسان هي جزء من الخلية الأُولى بحيث لو أنّها تربّت لأستحالت إلى إنسان شبيه بالأوّل يحمل صفاته من جميع الجهات.
والآن مع أخذ هذه المقدّمات الثلاث بنظر الإعتبار نباشر بالإجابة على الإعتراض المذكور.
في القرآن آيات تقول بوضوح: إنّ الذرّات الموجودة في جسم الإنسان عند الموت هي التي تعود إلى ذلك الجسد يوم القيامة(1). فإذا كان شخص آخر قد طعم من لحمه فإنّ الأجزاء التي طعمها تنفصل عنه وتعود إلى الجسم الأصلي، كلّ ما في الأمر أنّ جسم الشخص الآخر يصبح ناقصاً، ولكن ينبغي أن نقول إنّه لا ينقص، بل يصغر، لأنّ أجزاء الجسم المأكول تكون قد انتشرت في كلّ أجزاء جسم الآكل،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر الآيات التي تشير إلى أنّ الله يبعث من في القبور.
ــ[289]ــ
ولذلك فإنّ جسم الآكل حين تُسترجع منه الأجزاء ينحف ويصغر بنسبة ما يؤخذ منه. فالذي يزن ستين كيلوغراماً، مثلاً، حين يؤخذ منه أربعون كيلوغراماً لتعطى للشخص الأوّل يصغر بحيث لا يزيد على وزن طفل.
وهل يسبّب هذا مشكلة؟ كلاّ طبعاً، لأنّ هذا الجسد الصغير يكون حاوياً على جميع صفات الشخص دون زيادة ولا نقصان، وعند البعث يكون كالطفل الذي يولد صغيراً ثمّ ينمو ويكبر ويحشر بهيئة إنسان كامل. وليس في هذا النوع من النموّ عند البعث أيّ إشكال عقلي أو نقلي.
هل هذا النموّ عند البعث فوريّ أم تدريجي؟ هذا ما لانعلمه، ولكن الذي نعلمه هو أنّه سواء أكان هذا أم ذاك، فلا يثير أيّة مشكلة، والمسألة محلولة في كلتا الحالتين.
ويبقى سؤال واحد، وهو: إذا كان كلّ جسد الشخص الآكل مكوّناً من أجزاء جسد الشخص المأكول، فما العمل؟
الجواب بسيط، لأنّ حالة كهذه مستحيلة الوجود، فقضية الآكل والمأكول تقتضي أن يكون هناك أوّلاً جسد معيّن، ثمّ يتغذّى على جسد آخر وينمو، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون جميع أجزاء جسم الآكل متكونة من أجزاء جسم المأكول، إذ ينبغي أن نفترض أوّلاً وجود جسم سابق حتى يمكن أن يتغذَّى على جسم آخر، وعليه فإنّ جسم الثاني سوف يكون جزء من جسم الأوّل لا كلّه، فتأمّل.
يتّضح من هذا الشرح أنّ مسألة المعاد الجسماني لجسم الإنسان نفسه ليس فيه أيّ إشكال، ولا حاجة إلى تأويل الآيات الصريحة في إثبات هذا الموضوع.
* * *
ــ[290]ــ
الآية
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّة اَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ ِ سُنبُلَة مِّاْئَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَـاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ ƒ
التّفسير
الإنفاق وترشيد الشخصيّة:
تعتبر مسألة الإنفاق إحدى أهمّ المسائل التي أكدّ عليها الإسلام والقرآن الكريم، والآية أعلاه هي أوّل آية في مجموعة الآيات الكريمة من سورة البقرة التي تتحدّث عن الإنفاق، ولعلّ ذكرها بعد الآيات المتعلّقة بالمعاد من جهة أنّ أحد الأسباب المهمّة للنجاة في الآخرة هو الإنفاق في سبيل الله. وذهب البعض إلى أنّ الآيات لها إرتباط بآيات الجهاد المذكورة قبل آيات المعاد والتوحيد في هذه السورة.
تقول الآية الشريفة: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة) فيكون المجموع المتحصّل من حبّة واحدة
ــ[291]ــ
سبعمائة حبّة، وتضيف الآية بأنّ ثواب هؤلاء لاينحصر بذلك (والله يضاعف لمنيشاء).
وذلك بإختلاف النيّات ومقدار الأخلاص في العمل وفي كفيّته وكميّته. ولا عجب في هذا الثواب الجزيل لأنّ رحمة الله تعالى واسعة وقدرته شاملة وهو مطّلع على كلّ شيء (والله واسع عليم).
ويرى بعض المفسّرين أنّ المراد من الإنفاق في الآية أعلاه هو الإنفاق للجهاد في سبيل الله فقط لأنّ هذ الآية في الواقع تأكيدٌ لما مرّ في الآيات التي تحدّثت عن قصة عزير وإبراهيم وطالوت، ولكنّ الإنصاف أنّ مفهوم الآية أوسع من ذلك ومجرّد إرتباطها بالآيات السابقة لا يمكن أن يكون دليلاً على تخصيص هذه الآية والآيات التالية لأنّ عبارة (في سبيل الله)لها مدلول واسع يشمل كلّ مصارف الخير، مضافاً إلى أنّ الآيات التالية أيضاً ورد فيها بحث الإنفاق بسورةمستقلّة، وقد إشير كذلك في يالروايات الإسلامية إلى عموم معنى الإنفاق في هذه الآية(1).
والجدير بالذكر أنّ هذه الآية تشبّه الأشخاص الذين ينفقون في سبيل الله بالبذرة المباركة التي تزرع في أرض خصبة في حين أنّ التشبيه عادةً يجب أن يكون بين الإنفاق نفسه والبذرة أي أعمالهم لا أنفسهم، ولذلك ذهب الكثير من المفسّرين أنّ في الآية حذفٌ مثل كلمة (صدقات) قبل كلمة (الذين ينفقون) أو كلمة (زارع) قبل كلمة الحبّة وأمثال ذلك.
ولكن ليس هناك أي دليل على وجود الحذف والتقدير في هذه الآية، بل إنّ تشبيه المنفقين بحبّات كثيرة البركة تشبيه رائع وعميق وكأنّ القرآن يريد أن يقول:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «الطبرسي» في مجمع البيان بعد أن يذكر المفهوم الآية معناً واسعاً يقول: وهو المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)
ــ[292]ــ
إنّ عمل كلّ إنسان إنعكاس لوجوده، وكلّما إتّسع العمل إتّسع في الواقع وجود ذلكالإنسان.
وبعبارة اُخرى: أنّ القرآن لا يفصل عمل الإنسان عن وجوده، بل يرى أنّهما مظهران مختلفان لحقيقة واحدة، ووجهان لعملة واحدة، لذلك فإنّ آية قابلة للتفسير من دون أن نفترض فيها حذفاً وتقديراً، فالآية إشارة إلى حقيقة أنّ شخصية الإنسان الصالح تنمو وتكبر معنويّاً بأعماله الصالحة، فمثل هؤلاء المنفقين كمثل البذور الكثيرة الثمر التي تمدّ جذورها واغصانها إلى جميع الجهات وتفيض ببركتها على كلّ الأرجاء.
والخلاصة أنّه في كلّ مورد للتشبيه مضافاً إلى وجود أداة التشبيه لابدّ من وجود ثلاثة اُمور اُخرى:
المشبّه، والمشبّه به، ووجه التشبيه، ففي هذا المورد المشبّه هو الإنسان المنفق، والمشبّه به هو البذور الكثيرة البركة، ووجه التشبيه هو النموّ والرشد، ونحن نعتقد أنّ الإنسان المنفق ينمو ويرشد معنويّاً وإجتماعيّاً من خلال عمله ذاك ولايحتاج إلى أيّ تقدير حينئذ.
وشبيه هذا المعنى ورد كذلك في الآية 265 من هذه السورة، وهناك بحث بين المفسّرين في التعبير بقوله (أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مئة حبّة) حيث أشارت الآية إلى أنّ حبّة واحدة تصير سبعمائة حبّة أو أكثر، وأنّ هذا التشبيه لا وجود خارجي له فهو تشبيه فرضي (لأنّ حبّة الحنطة لا تبلغ في موسم الحصاد سبعمائة حبّة أبداً) وأو أنّ المقصود هو نوعٌ خاصّ من الحبوب (كالدخن) التي تعطي هذا القدر من الناتج، ويلفت النظر أنّ الصحف كتبت أخيراً أنّ بعض مزارع القمح أنتجت في السنوات الممطرة سنابل طويلة يحمل بعضها نحواً من اربعمائة آلاف
ــ[293]ــ
حبّة، وهذا يدلّ على أنّ تشبيه القرآن واقعي وحقيقي.
جملة (يضاعف) من مادّة (ضعف) ويعني مقدار المرتين أو المرّات وبالنظر إلى ما ذكرنا آنفاً من وجود حبوب تعطي عدّة آلاف من المحصول نعرف بأنّ هذا التشبيه هو تشبيه واقعيّ أيضاً.
* * *
بحث
الإنفاق ومشكلة الفوارق الطبقيّة:
من المشكلات الإجتماعية الكبرى التي يعاني منها الإنسان دوماً ولازال يعاني رغم كلّ ما حقّقه البشر من تقدّم صناعي ومادّي هي مشكلة التباين الطبقي المتمثّلة بالفقر المدقع في جانب، وتراكم الثروة في جانب آخر.
إنّك لترى بعضهم يكتنز من الثروة بحيث إنّه لا يستطيع أن يحصيها، وترى بعضهم من الفقر في عذاب ممض بحيث لا يستطيع أن يجد حتّى الضروريّ اللازم لحياته كالحدّ الأدنى من الغذاء والملبس والمأوى.
لاشكّ أنّ المجتمع الذي يقوم قسم من بنيانه على الغنى الفاحش، والقسم الأعظم على الفقر المدقع والجوع القاتل، لا دوام له، ولن يصل إلى السعادة الحقيقة أبداً، إنّ مجتمعاً كهذا يسوده حتماً الهلع والإضطراب والقلق والخوف وسوء الظن، ومن ثمّ العداء والصراع.
هذا التباين الطبقي الذي كان موجوداً في القديم قد تفشّى فينا اليوم ـ مع الأسف ـ بأكثر وأخطر ممّا سبق، ذلك لأنك تجد أبواب التعاون الإنساني الحقيقي قد أُغلقت بوجوه الناس، وفُتحت بمكانها أبواب الربا الفاحش الذي هو من أهمّ أسباب اتساع الهوة الطبقية بين الناس، ولا أدلّ على ذلك من ظهور الشيوعية
ــ[294]ــ
وأمثالها، وإراقة الدماء في أنواع الحروب المروعة التي اندلعت في قرننا الأخير وما زالت مندلعة هنا وهناك في أنحاء مختلفة من العالم، ومعظمها ذات منشأ اقتصادي وردّ فعل لحرمان أكثرية شعوب العالم.
وقد سعى العلماء والمذاهب الإقتصادية في العالم للبحث عن علاج، واختار كلّ طريقاً، فالشيوعية اختارت إلغاء الملكية الفردية، والرأسمالية اختارت طريق استيفاء الضرائب الثقيلة وإنشاء المؤسّسات الخيرية العامّة (وهي شكلية أكثر من كونها حلاًّ لمشكلة الطبقية)،ظانّين أنّهم بذلك يكافحون هذه المشكلة، لكن أيّاً من هؤلاء لم يستطع في الحقيقة أن يخطو خطوة فعّالة في هذا السبيل، وذلك لأنّ حلّ هذه المشكلة غير ممكن ضمن الروح المادّية التي تسيطر على العالم.
بالتدقيق في آيات القرآن الكريم يتّضح أنّ واحداً من الأهداف التي يسعى لها الإسلام هو إزالة هذه الفوارق غير العادلة الناشئة من الظلم الإجتماعي بين الطبقتين الغنية والفقيرة، ورفع مستوى معيشة الذين لا يستطيعون رفع حاجاتهم الحياتية ولا توفير حدّ أدنى من متطلّباتهم اليومية دون مساعدة الآخرين. وللوصول إلى هذا الهدف وضع الإسلام برنامجاً واسعاً يتمثّل بتحريم الربا مطلقاً، وبوجوب دفع الضرائب الإسلامية كالزكاة والخُمس، والحثّ على الإنفاق، وقرض الحسنة، والمساعدات المالية المختلفة، وأهمّ من هذا كلّه هو إحياء روح الأخوّة الإنسانية في الناس.
* * *
ــ[295]ــ
الآية
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّاً وَلاَ
أَذَىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَƒ
التّفسير
الإنفاق المقبول:
الآية السابقة بيّنت أهميّة الإنفاق في سبيل الله بشكل عام، ولكن في هذه الآية بيّنت بعض شرائط هذا الإنفاق (ويستفاد ضمناً من عبارات هذه الآية أنّ الإنفاق هنا لايختصّ بالإنفاق في الجهاد).
تقول الآية (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثمّ لا يتبعون ما أنفقوا ... ولا هم يحزنون)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «مَنَّ» بمعنى حجر الميزان المعروف ثمّ اُطلقت على النعم المهمّة التي يلاحظ فيها الجانب العملي «ومنن الله تعالى من هذا القبيل» وإن كان الملحوظ فيها الجانب اللفظي كانت قبيحة جدّاً وفي الآية أعلاه وردت بهذا المعنى الثاني.
ــ[296]ــ
يستفاد بوضوح من هذه الآية أنّ الإنفاق في سبيل الله لا يكون مقبولاً عند الله تعالى إذا تبعته المنّة وما يوجب الأذى والألم للمعوزين والمحتاجين، وعليه فإنّ من ينفق ماله في سبيل الله ولكنّه يمنّ به على من ينفق عليه، أو ينفقه بشكل يوجب الأذى للآخرين فإنّه في الحقيقة يحبط ثوابه وأجره بعمله هذا.
إنّ ما يثير الإهتمام أكثر في هذه الآية هو أنّ القرآن لايعتبر رأسمال الإنسان في الحياة مقتصراً على رأس المال المادّي، بل يحسب حساب رؤوس الأموال المعنوية والإجتماعية أيضاً.
إنّ من يعطي شيئاً لأحد ويمنّ عليه بهِ أو يقوم بما يثير الألم في نفس المعطي له ويجرح عواطفه فإنّه لا يكون قد أعطاه شيئاً في الواقع، لأنّه إذا كان قد أعطاه رأسمال، فإنّه قد أخذ منه رأسمال أيضاً، بل لعلّ المنّة التي يمنّ بها عليه ونظرة التحقير التي ينظر بها إليه ذات أضرار باهضة يفوق ثمنها ما أنفقه من مال.
إذا لم ينل أمثال هؤلاء الأشخاص أيّ ثواب على إنفاقهم هذا فهو أمر طبيعي وعادل. وقديصحّ القول إنّ هؤلاء في كثير من الأحوال هم المدينون لا الدائنون لأنّ كرامة الإنسان أغلى بكثير من أيّ مال وثروة.
ولاحظ في الآية إنّ كلمتي المنّ والأذى مسبوقتان بـ (ثمّ) التي تفيد التراخي، أي وجود فتره زمنية بين فعلين. فيكون معنى الآية: إنّ الذين ينفقون، وبعد ذلك لا يمنّون على أحد ولا يؤذون أحداً يكون ثوابهم محفوظاً عند الله. ويعني هذا ضروره الإبتعاد عن المنّ والأذى لا في حالة الإنفاق فحسب، بل عليه أن لا يمنّ عليه فيأوقات تالية عن طريق تذكير المنفق عليه بالإنفاق، وهذا دليل على الدقّة المتناهية التي يبتغيها الإسلام من الخدمات الإسلامية الخالصة.
لابدّ من القول إنّ المنّ والأذى اللذين يحبطان قبول الإنفاق لايختصّان بالإنفاق على الفقراء فقط، بل تجنّبهما لازم في جميع الأعمال العامّة والإجتماعية
ــ[297]ــ
كالجهاد في سبيل الله والأعمال ذات المنفعة العامّة التي تتطلّب بذل المال.
(لهم أجرهم عند ربّهم).
تطمئن هذه الآية المنفقين أنّ أجرهم محفوظ عندالله لكي يواصلوا هذا الطريق بثقة ويقين. فما كان عند الله باق ولا ينقص منه شيء، بل أنّ عبارة (ربّهم) قد تشير إلى أن الله تعالى سيزيد في أجرهم وثوابهم.
(ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
سبق أن قلنا إنّ الخوف يكون من المستقبل، والحزن على ما مضى. وعليه فإنّ المنفقين بعلمهم أنّ جزاءهم محفوظ عند الله لن ينتابهم الخوف من يوم البعث الآتي، ولا هم يحسّون بالحزن على ما أنفقوه في سبيل الله.
وذهب البعض إلى أنّه لا خوف من الفقر والحقد والبخل والغبن وأمثال ذلك ولا حزن على ماأنفقوا في سبيل الله.
وفي الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من أسدى إلى مؤمن معروفاً ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه فقد أبطل صدقته»(1) فالشخص الذي ينفق في سبيل الله ولم يرتكب مثل هذه الأعمال بعد ذلك لايخشى بطلان إنفاقه، والمفاهيم الإسلامية تؤكّد دقّة الشريعة المقدّسة في هذا المجال بحيث أنّ بعض العلماء الأقدمون قالوا: (أنّك إذا تصدّقت على شخص وتعلم أنّك إذا سلّمت عليه سيصعب عليه ذلك فيتذكر صدقتك عليه فلا تسلّم عليه)(2).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير البرهان: ج 1 ص 253 ح 1.
2 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي: ج 2 ص 364.
ــ[298]ــ
الآية
‡ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَة يَتْبَعُهَآ أَذَى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌƒ
التّفسير
الكلمة الطيبة أفضل من الصدقة مع المنّة:
هذه الآية تكمّل ما بحثته الآية السابقة في مجال ترك المنّة والأذى عند الإنفاق والتصدّق فتقول: إنّ الكلمة الطيّبة للسائلين والمحتاجين والصفح عن أذاهم أفضل من الصدقة التي يتبعها الأذى (قولٌ معروفٌ ومغفرة خيرٌ من صدقة يتبعها أذىً).
ويجب أن يكون معلوماً أنّ ما تنفقوه في سبيل الله فهو في الواقع ذخيرةٌ لكم لإنقاذكم ونجاتكم لأنّ الله تعالى غير محتاج إليكم وإلى أموالكم وحليم في مقابل جهالاتكم (والله غنيّ حليم).
* * *
بحوث
1 ـ تبيّن هذه الآية منطق الإسلام في قيمة الأشخاص الإجتماعيّة وكرامتهم،
ــ[299]ــ
وترى أن أعمال الذين يسعون في حفظ رؤوس الأموال الإنسانية، ويعاملون المحتاجين باللطف ويقدّمون لهم التوجيه اللازم، ولا يفشون أسرارهم، أفضل وأرفع من إنفاق أُولئك الأنانيّين ذوي النظرة الضيّقة الذين إذا قدّموا عوناً صغيراً يتبعونه تجريح الناس المحترمين وتحطيم شخصيّاتهم. في الحقيقة إنّ أمثال هؤلاء الأشخاص ضررهم أكثر من نفعهم، فهم إذا أعطوا ثروة عرضوا ثروات للإبادة والضياع.
يتّضح ممّا قلناه إنّ لتعبير (قول معروف) مفهوماً واسعاً يشمل كلّ أنواع القول الطيّب والتسلية والتعزية والإرشاد.
وذهب بعضهم إلى أن المراد هو الأمر بالمعروف(1) ولكن هذا المعنى لايتناسب مع الآية ظاهراً.
«المغفرة» بمعنى العفو بإزاء خشونة المحتاجين، أُولئك الذين طفح كيل صبرهم بسبب تراكم الإبتلاءات عليهم، فتزلّ ألسنتهم أحياناً بالخشن من القول ممّا لا يودُونه قلبياً. هؤلاء بعنفهم هذا إنّما يريدون أن ينتقموا من المجتمع الذي ظلمهم وغمط حقوقهم، فأقلّ ما يمكن للاشخاص الأثرياء في مقابل حرمان هؤلاء المحرومين هو أن يتحمّلوا منهم اندفاعاتهم اللفظية التي هي شرر النار التي تستعر في قلوبهم فتنطلق على ألسنتهم.
لاشكّ أنّ تحمّل عنفهم وخشونتهم والعفو عنها يخفّف عنهم ضغط عُقدِهم النفسية، وبهذا تتّضح أكثر أهميّة هذه الأوامر الإلهيّة.
يرى بعض أنّ «المغفرة» يقصد بها هنا المعنى الأصلي، وهو الستر والإخفاء. أي ستر أسرار المحتاجين الذين لهم كرامتهم مثل غيرهم. غير أنّ هذا التفسير لا يتعارض مع ما قلناه، لأنّنا إذا فسّرنا المغفرة بمعناها الأوسع فهي تشمل العفو كما تشمل الستر والإخفاء أيضاً.
جاء في تفسير «مجمع البيان» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إذا سأل السائل
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ذكره في تفسير «البحر المحيط»: ج 2 ص 307 بعنوان: قيل.
ــ[300]ــ
فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها، ثمّ ردّوا عليه بوقار ولين إمّا ببذل يسير أو ردّ جميل، فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرونكم كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله تعالى»(1).
في هذا الحديث يبيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جانباً من آداب الإنفاق.
2 ـ إن العبارات القصيرة التي تأتي في ختام الآيات عادةً وتورد بعض صفات الله تعالى ترتبط حتماً بمضمون الآية نفسها. وعلى هذا فمن الممكن أن يكون المقصود من (والله غنيّ حليم) هو: أنّ الإنسان ظالم بالطبع، ولذلك فإنّه إذا نال منصباً وحصل ثروةً حسِب نفسه غنياً ولم يعد بحاجة إلى الآخرين، وقد تحدو به هذه الحالة إلى استعمال الخشونة والتهجّم ضدّ المحرومين والمحتاجين. لذلك يقول القرآن إنّ الغنيّ بذاته هو الله، فالله هو وحده الغنيّ الذي لايحتاج شيئاً، أمّا إحساس البشر بإنّه غنيّ فسراب خادع لا ينبغي أن يؤدي إلى الطغيان والتعالي على الفقراء. ثمّ إنّ الله حليم بالنسبة للذين لا يشكرون، فعلى المؤمنين أن يكونوا كذلك أيضاً.
وقد تكون الآية إشارة إلى أنّ الله غنيّ عن إنفاقكم. وأنّ ما تنفقونه إنّما هو لخيركم أنفسكم، فلا تمنّوا على أحد. ثمّ إنّ الله حليم باتجاه خشونتكم ولا يتعجّل معاقبتكم لعلّكم تستيقظون وتصلحون أنفسكم.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 375، نورالثقلين: ج 1 ص 283.