ــ[256]ــ


فلابدّ من قراءة الثلاث آيات هذه.
هناك قرائن تشير إلى أنّ آية الكرسيّ هي الآية المذكورة آنفاً:
1 ـ إنّ جميع الروايات التي اوردت فضيلة هذه الآية وعبّرت عنها بآية الكرسي تدلّ على أنّها ا ية واحدة لا أكثر.
2 ـ أنّ كلمة (الكرسيّ) وردت في الآية الاُولى فقط، فلذلك فأنّ تسميتها بآية الكرسيّ متعلّقٌ بهذه الآية.
3 ـ ورد في بعض الأحاديث تصريح بهذا المعنى، فالحديث الذي ذكره الشيخ ـ في أماليه ـ عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) حيث قال (عليه السلام) ضمن بيان فضيلة آية الكرسيّ أنّه بدأها من (الله لا إله إلاَّ هو) إلى قوله (وهو العليّ العظيم).
4 ـ ذكر صاحب مجمع البيان نقلاً عن مستدرك سفينة البحار أنّ (وآية الكرسيّ معروفة وهي إلى قوله وهو العليّ العظيم)(1).
5 ـ ونقرأ في حديث عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها، وثلاث آيات من آخرها لم يرَ في نفسه وماله شيئاً يكرهه ولا يقربه شيطان، ولا ينسى القرآن»(2).
ومن هذا التعبير يستفاد أيضاً أنّ آية الكرسيّ آية واحدة.
6 ـ ورد في بعض الروايات أنّ آية الكرسيّ خمسون كلمة، وفي كلّ كلمة خمسون بركة(3)، وعندما يعدّ كلمات هذه الآية إلى قوله (وهو العلي العظيم)تكون خمسين كلمة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مستدرك سفينة البحار: ج 9 ص 97.
2 ـ بحار الأنوار: ج 89 ص 265.
3 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 361.

ــ[257]ــ


أجل يستفاد من بعض الروايات الأمر بقراءة هذه الثلاث آيات إلى قوله: (هم فيها خالدون) دون أن تكون معنونة بعنوان آية الكرسيّ.
وعلى كلّ حال أنّ المستفاد من القرائن أعلاه هو أنّ آية الكرسيّ آية واحدة لاأكثر.

الثّالث: الدليل على أهميّة آية الكرسيّ.
إنّ اهميّة آية الكرسيّ الكبيرة تكمن في تضمّنها لمجموعة من المعارف الإسلامية والصفات الإلهيّة أعم من صفات الذات والفعل خاصّة مسألة التوحيد في أبعادها المختلفة، وهذه الصفات البالغة إثنا عشر صفة وكلّ واحدة منها يمكن أن تكون ناظرة إلى أحد المسائل التربويّة للإنسان تستحق التأمّل والتدبّر، وكما يقول أبو الفتوح الرازي أنّ كلّ واحدة من هذه الصفات تنفي أحد المذاهب الباطلة (وعلى هذا يمكن إصلاح وتقويم اثنا عشر فكرة باطلة وخاطئة بواسطة هذه الآية)(1).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي: ج 2 ص 327.

ــ[258]ــ







الآية

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّـاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌƒ

سبب النّزول

يقول الطبرسي في مجمع البيان في سبب نزول هذه الآية: كان لرجل من المدينة اسمه «ابو الحصين» ولدان دعاهما إلى اعتناق المسيحية بعض التجّار الذين كانوا يفدون على المدينة، فتأثّر هذان بما سمعا واعتنقا المسيحية، ورحلا مع أُولئك التجّار إلى الشام عند عودتهم. فأزعج ذلك أبو الحصين، وأقبل يخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما حدث، وطلب منه أن يعمل على الاعادة ولديه إلى الإسلام، وسأله إن كان يجوز إجبارهما على الرجوع إلى الإسلام، فنزلت الآية المذكورة وبيّنت أن (لا إكراه في الدين).
وجاء في تفسير المنار أنّ أبو الحصين كان يريد إكراه ولديه على الرجوع إلى أحضان الإسلام، فجاءا مع أبيهما لعرض الأمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال

ــ[259]ــ


أبوالحصين: كيف أجيز لنفسي أن أنظر إلى ولديَّ يدخلان النار دون أن أفعل شيئاً؟ فنزلت الآية.

التّفسير

الدين ليس إجباريّاً:

إنّ آية الكرسيّ في الواقع هي مجموعة من توحيد الله تعالى وصفاته الجمالية والجلالية التي تشكّل أساس الدين، وبما أنّها قابلة للأستدلال العقلي في جميع المراحل وليست هناك حاجة للإجبار والإكراه تقول هذه الآية: (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي).
(الرشد) لغوياً تعني الهداية للوصول إلى الحقيقة، بعكس (الغيّ) التي تعني الانحراف عن الحقيقة والإبتعاد عن الواقع.
ولمّا كان الدين يهتّم بروح الإنسان وفكره ومبنيّ على أساس من الإيمان واليقين، فليس له إلاّ طريق المنطق والاستدلال وجملة: (لا إكراه في الدين) في الواقع إشارة إلى هذا المعنى، مضافاً إلى أنّ المستفاد من شأن نزول هذه الآية وأنّ بعض الجهلاء طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بتغيير عقائد الناس بالإكراه والجبر فجاءت الآية جواباً لهؤلاء وأنّ الدين ليس من الاُمور التي تفرض بالإكراه والإجبار وخاصّة مع كلّ تلك الدلائل الواضحة والمعجزات البيّنة التيأوضحت طريق الحقّ من طريق الباطل، فلا حاجة لأمثال هذه الاُمور.
وهذه الآية ردٌّ حاسم على الذين يتهمّون الإسلام بأنّه توسّل أحياناً بالقوّة وبحدّ السيف والقدرة العسكرية في تقدّمه وإنتشاره، وعندما نرى أنّ الإسلام لم يسوّغ التوسل بالقوّة والإكراه في حمل الوالد لولده على تغيير عقيدته الدينيّة فإنّ واجب الآخرين بهذا الشأن يكون واضحاً، إذ لو كان حمل الناس على تغيير

ــ[260]ــ


أديانهم بالقوّة والإكراه جائزاً في الإسلام، لكان الأولى أن يجيز للأب ذلك لحمل إبنه على تغيير دينه، في حين أنّه لم يعطه مثل هذا الحقّ.
ومن هنا يتّضح أنّ هذه الآية لاتنحصر بأهل الكتاب فقط كما ظنّ ذلك بعض المفسّرين، وكذلك لم يمسخ حكم هذه الآية كما ذهب إلى ذلك آخرون، بل أنّه حكم سار وعام ومطابق للمنطق والعقل.
ثمّ أنّ الآية الشريفة تقول كنتيجة لما تقدّم (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها).
(الطاغوت) صيغة مبالغة من طغيان، بمعنى الإعتداء وتجاوز الحدود، ويطلق على كلّ ما يتجاوز الحدّ. لذلك فالطاغوت هو الشيطان والصنم والمعتدي والحاكم الجبّار والمتكبّر، وكلّ معبود غير الله، وكلّ طريق لا ينتهي إلى الله. وهذه الكلمة تعنيالمفرد وتعني الجمع.
أمّا المقصود بالطاغوت، فالكلام كثير بين المفسّرين. قال بعض إنّه الصنم، وقال بعض إنّه الشيطان، أو الكهنة، أو السحرة، ولكن الظاهر أنّ المقصود هو كلّ أُولئك، بل قد تكون أشمل من كلّ ذلك، وتعني كلّ متعدّ للحدود، وكلّ مذهب منحرف ضال.
إنّ الآية في الحقيقة تأييد للآيات السابقة التي قالت أن (لا إكراه في الدين)، وذلك لأنّ الدين يدعو إلى الله منبع الخير والبركة وكلّ سعادة، بينما يدعو الآخرون إلى الخراب والإنحراف والفساد. على كلّ حال، إنّ التمسّك بالإيمان بالله هو التمسّك بعروة النجاة الوثقى التي لا تنفصم.
(والله سميعٌ عليم).
الإشارة فينهاية الآية إلى الحقيقة القائلة إنّ الكفر والإيمان ليسا من الأُمور الظاهرية، لأنّ الله عالم بما يقوله الناس علانية ـ وفي الخفاء ـ وكذلك هو عالم بما

ــ[261]ــ


يكنّه الناس في ضمائرهم وقلوبهم.
وفي هذه الجملة ترغيب للمؤمنين الصادقين، وترهيب للمنافقين.
* * *

بحث

الدين لا يُفرض:

لايمكن للإسلام ولا للأديان الحقّة الاُخرى أن تُفرض فرضاً على الناس لسببين:
1 ـ بَعدَ كلّ تلك الأدلّة والبراهين الواضحة والإستدلالات المنطقية والمعجزات الجلية لم تكن ثمة حاجة لذلك. إنّما يستخدم القوّة من أعوزه المنطق والحجّة. والدين الإلهي ذو منطق متين وحجّة قويّة.
2 ـ أنّ الدين القائم على أساس مجموعة من العقائد القلبية لا يمكن أن يُفرض بالإكراه. إن عوامل القوّة والسيف والقدرة العسكرية يمكنها أن تؤثّر في الأجسام، لا في الأفكار والمعتقدات.
يتّضح ممّا تقدّم الردّ على الإعلام الصليبي ـ المسموم ضدّ الإسلام ـ القائل «إنّ الإسلام انتشر بالسيف»، إذ لا قول أبلغ ولا أفصح من (لا إكراه في الدين)الذي أعلنه القرآن.
هؤلاء الحاقدون يتناسون هذا الإعلان القرآني الصريح، ويحاولون من خلال تحريف مفهوم الجهادوأحداث الحروب الإسلامية أن يثبتوا مقولتهم، بينما يتّضح بجلاء لكلّ منصف أنّ الحروب التي خاضها الإسلام كانت إمّا دفاعية، وإمّا تحريرية، ولم يكن هدف هذه الحروب السيطرة والتوسّع، بل الدفاع عن النفس، أو إنقاذ الفئة المستضعفة الرازحة تحت سيطره طواغيت الأرض وتحريرها من

ــ[262]ــ


ربقة العبودية لتستنشق عبير الحرية وتختار بنفسها الطريق الذي ترتئيه.
والشاهد الحيّ على هذا هو ما تكرّر حدوثه في التاريخ الإسلامي، فقد كان المسلمون إذا افتتحوا بلداً تركوا أتباع الأديان الأُخرى أحراراً كالمسلمين.
أمّا الضريبة الصغيرة التي كانوا يتقاضونها منهم باسم الجزية، فقد كانت ثمناً للحفاظ على أمنهم، ولتغطية ما تتطلّبه هذه المحافظة من نفقات، وبذلك كانت أرواحهم وأموالهم وأعراضهم مصونة في حمى الإسلام. كما أنّه كانوا أحراراً في أداء طقوسهم الدينية الخاصّة بهم.
جميع الذين يطالعون التاريخ الإسلامي يعرفون هذه الحقيقة، بل إن المسيحيين الذين كتبوا في الإسلام يعترفون بهذا أيضاً. يقول مؤلّف «حضارة الإسلام او العرب»: «كان تعامل المسلمين مع الجماعات الأُخرى من التساهل بحيث إنّ رؤساء تلك الجماعات كان مسموحاً لهم بإنشاء مجالسهم الدينية الخاصّة».
وقد جاء في بعض كتب التاريخ أنّ جمعاً من المسيحيين الذين كانوا قد زاروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للتحقيق والإستفسار أقاموا قدّاساً في مسجد النبي في المدينة بكلّ حرّية.
إنّ الإسلام ـ من حيث المبدأ ـ توسّل بالقوّة العسكرية لثلاثة اُمور:
1 ـ لمحو آثار الشرك وعبادة الأصنام، لأنّ الإسلام لا يعتبر عبادة الأصنام ديناً من الأديان، بل يراها انحرافاً ومرضاً وخرافة، ويعتقد أنّه لا يجوز مطلقاً أن يسمح لجمع من الناس أن يسيروا في طريق الضلال والخرافة، بل يجب إيقافهم عند حدّهم. لذلك دعا الإسلام عبدة الأصنام إلى التوحيد، وإذا قاوموه توسّل بالقوِّة وحطّم الأصنام وهدّم معابدها، وحال دون بروز أي مظهر من مظاهر عبادة الأصنام، لكي يقضي تماماً على منشأ هذا المرض الروحي والفكري.

ــ[263]ــ


وهذا يتبيّن من آيات القتال مع المشركين، مثل الآية 193 من سورة البقرة: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة). وليس هناك أيّ تعارض بين الآية التي نحن بصددها وهذه الآية، ولا نسخ في هذا المجال.
2 ـ لمقابلة المتآمرين للقضاء على الإسلام، عندئذ كانت الأوامر تصدر بالجهاد الدفاعي وبالتوسّل بالقوّة العسكرية. ولعلّ معظم الحروب الإسلامية على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من هذا القبيل، مثل حرب أُحد والأحزاب وحنين ومؤته وتبوك.
3 ـ للحصول على حريّة الدعوة والتبليغ. حيث إنّ لكل دين الحقّ في أن يكون حرّاً في الإعلان عن نفسه بصورة منطقية، فإذا منعه أحد من ذلك فله أن ينتزع حقّه هذا بقوّة السلاح.
* * *

ــ[264]ــ







الآية

اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّـاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَـاتِ أُوْلَئَكَ أَصْحَـابُ النَّارِ هُمْ فِيَها خَـالِدُونَ ƒ

التّفسير

نور الإيمان وظلمات الكفر:

بعدأن أشير في الآيات السابقة إلى مسألة الإيمان والكفر وإتضاح الحقّ من الباطل والطريق المستقيم عن الطريق المنحرف توضّح هذه الآية الكريمة إستكمالاً للموضوع أنّ لكل من المؤمن والكافر قائداً وهادياً فتقول: (الله وليّ الذين آمنوا) فهم يسيرون في ظلّ هذه الولاية من الظلمات إلى النور (يخرجهم من الظلمات إلى النور).
كلمة (وليّ) في الأصل بمعنى القرب وعدم الإنفصال ولهذا يقال للقائد والمربّي (ولي) ـ وسيأتي شرحها في تفسير آية (إنّما وليّكم الله ورسوله...)(1) ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ المائدة: 55.

ــ[265]ــ


تطلق أيضاً على الصديق والرفيق الحميم، إلاّ أنّه من الواضح أنّ الآية مورد البحث تعني في هذه الكلمة المعنى الأوّل، ولذلك تقول (الله وليّ الذين آمنوا...).
ويمكن أن يقال أنّ هداية المؤمنين من الظلمات إلى النور هو تحصيل للحاصل، ولكن مع الإلتفات إلى مراتب الهداية والإيمان يتّضح أنّ المؤمنين في مسيرهم نحو الكمال المطلق بحاجة شديدة إلى الهداية الإلهيّة في كلّ مرحلة وفي كلّ قدم وكلّ عمل، وذلك مثل قولنا في الصلاة كلّ يوم: (إهدنا الصراط المستقيم).
ثمّ تضيف الآية إنّ أولياء الكفّار هم الطاغوت (الأوثان والشيطان والحاكم الجائر وأمثال ذلك) فهؤلاء يسوقونهم من النور إلى الظلمات (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ولهذا السبب (اُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
* * *

ملاحظات

1 ـ إنّ تشبيه الإيمان والكفر بالنور والظلمة تشبيه بليغٌ رائع، فالنور هو منبع الحياة ومصدر البركات والرشد والنمّو التكامل والتحرّك ومنطلق الاطمئنان والعرفة والهداية، بينما الظلام رمز السكون والموت والنوم والجهل والضلال والخوف، وهكذا الإيمان والكفر.
2 ـ النقطة الثانية هي أنّ «الظلام» في هذه الآية وفي آيات اُخرى جاء بصيغة الجمع (ظلمات)، والنور جاء بصيغة المفرد، وهذا يشير إلى أنّ مسيرة الحقّ ليس فيها تفرّق وتشتّت، بل هي مسيرةٌ واحدة فهي كالخط المستقيم بين نقطتين حيث إنّه واحدٌ دائماً غير متعدّد، أمّا الباطل والكفر فهما مصدر جميع أنواع الاختلاف والتشتّت، حتّى أنّ أهل الباطل غير منسجمين في باطلهم، وليس لهم هدف واحد

ــ[266]ــ


كما هو الحال في الخطوط المائله والمنحرفة بين نقطتين حيث يكون عددها على طرفي الخط المستقيم غير محدود ولا معدود.
وأحتمل البعض أنّ المراد من ذلك أن صفوف الباطل بالنسبة لأهل الحقّ كثيرة.
3 ـ يمكن أن يقال أنّ الكفّار ليس لهم نورٌ فيخرجوا منه، ولكن مع الإلتفات إلى أنّ نور الإيمان موجودٌ في فطرتهم دائماً فينطبق عليه هذا التعبير انطباقاً كاملاً.
4 ـ من الواضح أنّ الله تعالى لا يجبر المؤمنين للخروج من الظلمات إلى النور (ظلمات المعصية والجهل والصفات الذميمة والبعد عن الحقّ) ولا يكره الكفّار على خروجهم من نور التوحيد الفطري، بل أنّ أعمال هؤلاء هي التي توجب هذا المصير وتثمر هذه العاقبة.
* * *

ــ[267]ــ







الآية

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِيرَبِّهِ أَنْ ءَاتَـاهُ اللهُ الْمُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ قَالَ أَنّاْ أُحْي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ ƒ

التّفسير

محاجة إبراهيم مع طاغوت زمانه:

تعقيباً على الآية السابقة التي تناولت هداية المؤمنين بواسطة نور الولاية والهداية الإلهيّة، وضلال الكافرين لاتّباعهم الطاغوت، يذكر الله تعالى في هذه الآية: عدّة شواهد لذلك، وأحدها ما ورد في الآية أعلاه وهي تتحدّث عن الحوار الذي دار بين إبراهيم (عليه السلام) وأحد الجبّارين في زمانه ويدعى (نمرود) فتقول: (ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه).
وتعقِّب الآية بجمله اُخرى تشير فيها إلى الدافع الأساس لها وتقول: إنّ ذلك الجبّار تملّكه الغرور والكبر وأسكره الملك (أن آتاه الله الملك).

ــ[268]ــ


وما أكثر الأشخاص الذين نجدهم في الحالات الطبيعيّة أفراد معتدلين ومؤمنين، ولكن عندما يصلون إلى مقام أو ينالون ثروةً فأنّهم ينسون كلّ شيء ويسحقون كلّ المقدّسات.
وتضيف الآية أنّ ذلك الجبّار سأل إبراهيم عن ربّه: من هو الإله الذي تدعوني إليه؟ (إذ قال إبراهيم ربّ الذي يحيي ويميت).
الواقع أنّ أعظم قضيّة في العالم هي قضيّة الخلقة، يعني قانون الحياة والموت الذي هو أوضح آية على علم الله وقدرته.
ولكن نمرود الجبّار إتّخذ طريق المجادلة والسفسطة وتزييّف الحقائق لإغفال الناس والملأ من حوله فقال: إنّ قانون الحياة والموت بيدي (قال أنا أحيي واُميت).
ومن أجل إثبات هذه الدعوى الكاذبة استخدم حيلة كما ورد في الرواية المعروفة حيث أمر بإحضار سجينين أطلق سراح أحدهما وأمر بقتل الآخر، ثمّ قال لإبراهيم والحضّار: أرأيتم كيف أحيي وأُميت.
ولكنّ إبراهيم قدّم دليلاً آخر لإحباط هذه الحيله وكشف زيف المدّعي بحيث لا يمكنه بعد ذلك من إغفال النّاس فقال: (قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب) وهنا ألقم هذا المعاند حجراً (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
وبهذا اُسقط في يدي العدوّ المغرور، وعجز عن الكلام أمام منطق إبراهيم الحيّ، وهذا أفضل طريق لاسكات كلّ عدوّ عنيد. بالرغم من أنّ مسألة الحياة والموت أهم من قضيّة حركة الشمس وشروقها وغروبها من حيث كونها برهاناً على علم الله وقدرته، ولهذا السبب أورده إبراهيم دليلاً أوّل، ولو كان في ذلك المجلس عقلاء ومتفكِّرون لاَكتفوا بهذا الدليل واقتنعوا به، إذ أنّ كلّ شخص يعرف

ــ[269]ــ


أنّ مسألة اطلاق سراح سجين وقتل آخر لا علاقة له بقضيّة الإحياء والإماتة الطبيعيتين أبداً، ولكن قد يكون هذا الدليل غير كاف لأمثال هؤلاء السذّج، ويحتمل وقوعهم تحت تأثير سفسطة ذلك الجبّار المكّار، فلهذا قدّم إبراهيم (عليه السلام)دليله الآخر وهو مسألة طلوع وغروب الشمس لكي يتضح الحق للجميع(1).
وما أحسن ما صنع إبراهيم (عليه السلام) من تقديمه مسألة الحياة والموت كدليل على المطلوب حتّى يدّعي ذلك الجبّار مشاركة الله تعالى في تدبير العالم، ثمّ طرح مسألة طلوع وغروب الشمس بعد ذلك ليتّضح زيف دعواه ويحجم عن دعوى المشاركة.
ويتّضح ضمناً من جملة (والله لا يهدي القوم الظالمين) أنّ الهداية والضلالة بالرغم من أنّهما من أفعال الله تعالى، إلاّ أنّ مقدّماتهما بيد العباد، فارتكاب الآثام من قبيل الظلم والجور والمعاصي المختلفة تشكّل على القلب والبصيرة حجبٌ مظلمة تمنع من أدراك الحقائق على حقيقتها.
* * *

ملاحظات

1 ـ القرآن لا يذكر اسم هذا الشخص الذي حاجَّ إبراهيم، ويشير إليه بقوله: (أن آتاه الله الملك) أي أنّه لغروره بحكمه قام بمحاججة إبراهيم.
صاحب تفسير الدرّ المنثور نقل عن أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) رواية تذكر أنّه «النمرود بن كنعان» وكتب التاريخ تذكر هذا الإسم أيضاً.
2 ـ على الرغم من عدم تعرّض القرآن لذكر وقت هذا الحوار، فالقرائن تدلّ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ إن الاستدلال الثاني يبدأ بالغاءز وقد يكون إشارة إلى أن الاستدلال الثاني لا يعني صرف النظر عن الاستدلال الأوّل بل تضاف إليه.

ــ[270]ــ


على أنّه وقع بعد قيام إبراهيم بتحطيم الأصنام ونجاته من النار، إذ من الواضح أنّه قبل إلقائه في النار لم تكن لتجري أمثال هذه المجادلات، لأنّ عبدة الأصنام ما كانوا يسمحون له بالكلام وهم يعتبرونه مجرماً ينبغي أن ينال بأسرع وقت جزاءه على فعلته الشنيعة بتحطيم آلهتهم المقدّسة!
إنّهم سألوه عن سبب فعلته ثمّ أصدروا أمرهم بإحراقه وهم غاضبون، ولكن عندما خرج من النار سليماً على تلك الصورة العجيبة استطاع أن يصل إلى نمرود وأن يحاوره.
3 ـ يتبيّن جليّاً من الآية أنّ نمرود لم يكن في الواقع يبحث عن الحقيقة، بل كان يريد أن يظهر باطله بمظهر الحق. ولعلّ استعمال الفعل «حاجَّ» قصد به هذا المعنى، لأنّه يستعمل عادة في مثل هذه الحالات.
4 ـ يستدلّ من الآية بصورة واضحة أنّ جبّار ذلك الزمان كان يدعي الألوهيّة، لا ليعبدوه فحسب، بل ليؤمنوا به خالقاً لهذا العالم أيضاً، أي أنّه كان يرى نفسه معبوداً وخالقاً.
وليس في هذا ما يدعو إلى العجب، ففي الوقت الذي يسجد فيه الناس لأصنام من الحجر والخشب، وفضلاً عن عبادتها يعتبرونها مؤثرة في إدارة العالم وتساهم فيها، فإنّ الفرصة مناسبة لجبّار مخادع أن يستغفل الناس ويستغلّ سذاجتهم ويدعوهم إليه ويظهر نفسه بمظهر صنم يعبدونه ويعتبرونه خالقاً.
5 ـ تاريخ عبادة الأصنام
يصعب لنا بيان تاريخ لعبادة الأصنام وتعيين مبدأ له، فمنذ أقدم الأزمنة التيكانت عبادة الأصنام سائدة بين البشر الذين كانت أفكارهم منحطّة وعلى مستوى واطىء.
الواقع أنّ عبادة الأصنام نوع من التحريف في العقيدة الفطرية الطبيعية