ــ[226]ــ


وطالوت الذي كان يتّجه بجنوده للجهاد، كان لابدّ له أن يعلم إلى أيّ مدى يمكن الإعتماد على طاعة هؤلاء الجنود، وعلى الأخصّ أُولئك الذين ارتضوه واستسلموا له على مضض متردّدين، ولكنّهم في الباطن كانت تراودهم الشكوك بالنسبة لإمرته، لذلك يؤمر طالوت أمراً إلهيّاً باختبارهم، فيخبرهم أنّهم سوف يصلون عمّا قريب إلى نهر، فعليهم أن يقاوموا عطشهم، وألاَّ يشربوا إلاَّ قليلاً، وبذلك يستطيع أن يعرف إن كان هؤلاء الذين يريدون أن يواجهوا سيوف الأعداء البتّارة يتحمّلون سويعات من العطش أم لا.
وشرب الأكثرية كما قلنا في سرد الحكاية، وكما جاء بايجاز في الآية.
وهكذا جرت التصفية الثانية في جيش طالوت. وكانت التصفية الأُولى عندما نادى المنادي للإستعداد للحرب وطلب الجميع بالإشتراك في الجهاد إلاَّ الذين كانت لهم التزامات تجارية أو عمرانية أو نظائرها.
(فلمّا جاوَزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه).
تفيد هذه الآية أنّ تلك القلّة التي نجحت في الإمتحان هي وحدها التي تحرّكت معه، ولكن عندما خطر لهؤلاء القلّة أنهم مقدمون على مواجهة جيش جرّار وقوي، ارتفعت أصواتهم بالتباكي على قلّة عددهم، وهكذا بدأت المرحلة الثالثة في التصفية.
(قال الذين يظُنّون أنّهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين)(1).
«الفئة» أصلاً من «الفيء» بمعنى الرجوع، ويقصد بها الجماعة الملتحمة التي يرجع بعضهم إلى بعض ليعضده. تقول الآية: إنّ الذين كانوا يؤمنون بيوم القيامة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «فئة» من «فىء» في الأصل بمعنى الرجوع وبما أن كلّ جماعة تتعاضد فيما بينها وتعود أحدها على الاُخرى بالعون والمساعدة اطلقت كلمة «فئة».

ــ[227]ــ


إيماناً راسخاً قالوا للآخرين: ينبغي ألاَّ تلتفتوا إلى (الكم) بل إلى (الكيف) إذ كثيراً ما يحدث أنّ الجماعة الصغيرة المتحلّية بالإيمان والعزم والتصميم تغلب الجماعة الكبيرة بإذن الله.
ينبغي أن ننتبه إلى أنّ «يظنّون» هنا تعني يعلمون، أي أنّهم على يقين من قيام يوم القيامة، ولا يعني الظنّ هنا الإحتمال، وظنّ هذه تعني اليقين في كثير من الحالات، حتّى لو اعتبرناها بمعنى الإحتمال، فإنّها هنا تناسب المقام أيضاً، إذ في هذه الحالة يكون المعنى أنّ مجرّد احتمال قيام يوم القيامة يكفي، فكيف باليقين به حيث يحمل الإنسان على اتّخاذ قرار بالنسبة للأهداف الربّانية. إنّ من يحتمل النجاح في حياته ـ في الزراعة أو التجارة أو الصناعة أو السياسة ـ يمضي في مسيرته بكلّ عزم وتصميم.
أمّا لماذا يطلق على يوم القيامة يوم لقاء الله، فذلك ما أوضحناه في الجزء الأول من هذا التفسير.
في الآية التالية يذكر القرآن الكريم موضوع المواجهة الحاسمة بين الجيشين ويقول: (ولمّا برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربّنا أفرغ علينا صبراً وثبّت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين).
(برزوا) من مادّة (بروز) بمعنى الظّهور، فعندما يستعد المحارب للقتال ويتّجه إلى الميدان يقال أنّه برز للقتال، وإذا طلب القتال من الأعداء يُقال أنّه طلب مبارزاً.
تقول هذه الآية أنّه عندما وصل طالوت وجنوده إلى حيث ظهر لهم جالوت وجيشه القوي ووقفوا في صفوف أمامه رفعوا أيديهم بالدّعاء، وطلبوا من الله العليّ القدير ثلاثة اُمور، الأوّل: الصّبر والإستقامة إلى آخر حد، ولذا جاءت الجملة تقول: (أفرغ علينا صبراً).
و (الإفراغ) تعني في الأصل صبّ السائل بحيث يخلو الإناء ممّا فيه تماماً،

ــ[228]ــ


ومجيء (صبر) بصيغة النكرة يؤكّد هذا المعنى بشكل أكبر.
الإعتماد على ربوبيّة الخالق جلّ وعلا بقولهم (ربّنا) وكذلك عبارة (إفراغ) مضافاً إلى كلمة (على) التي تبيّن أنّ النزول من الأعلى، وكذلك عبارة (صبراً) في صيغة النكرة كلّ هذه المفردات تدلُّ على نكات عميقة لمفهوم هذا الدعاء وأنّه دعاء عميق المغزى وبعيد الأُفق.
الثاني: أنّهم طلبوا من الله تعالى أن يثبّت أقدامهم (وثبّت أقدامنا) حتّى لا يُرجّح الفرار على القرار، والواقع أنّ الدعاء الأوّل إتّخذ سمة الطلب النفسي والباطني، وهذا الدعاء له جنبة ظاهريّة وخارجيّة، ومن المسلّم أنّ ثبّات القدم هو من نتائج روح الإستقامة والصبر.
الثالث: من الاُمور التي طلبها جيش طالوت هو (وانصرنا على القوم الكافرين) وهو في الواقع الهدف الأصلي من الجهاد ويُنفّذ النتيجة النهائيّة للصبر والإستقامة وثبات الأقدام.
ومن المسلّم أنّ الله تعالى سوف لا يترك عبادة هؤلاء لوحدهم أمام الأعداء مع قلّة عددهم وكثرة جيش العدو، ولذلك تقول الآية التالية: (فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت).
وكان داوود في ذلك الوقت شابّاً صغير السن وشجاعاً في جيش طالوت. ولا تبيّن الآية كيفيّة قتل ذلك الملك الجبّار بيد داود الشاب اليافع، ولكن كما تقدّم في شرح هذه القصّة أنّ داود كان ماهراً في قذف الحجارة بالقلاّب حيث وضع في قلاّبه حجراً أو اثنين ورماه بقوّة وبمهارة نحو جالوت، فأصاب الحجر جبهته بشدّة فصرعه في الوقت، فتسّرب الخوف إلى جميع أفراد جيشه، فانهزموا بسرعة أمام جيش طالوت، وكأنّ الله تعالى أراد أن يظهر قدرته في هذا المورد وأنّ الملك العظيم والجيش الجرّار لا يستطيع الوقوف أمام شاب مراهق مسلّح بسلاح ابتدائي لا قيمة له.

ــ[229]ــ


تضيف الآية: (وآتاه الله الملك والحكمة وعلّمه ممّا يشاء) الضّمير في هاتين الجملتين يعود على داود الفاتح في هذه الحرب، وعلى الرّغم من أنّ الآية لا تقول أنّ داود هذا هو داود النبي والد سليمان (عليهما السلام) ولكنّ جملة (وآتاه الله الملك والحكمة وعلّمه ممّا يشاء) تدلّ على أنّه وصل إلى مقام النبوّة، لأنّ هذا ممّا يوصف به الأنبياء عادةً، ففي الآية 20 من سورة ص نقرأ عن داود (وشددنا ملكه وآتيناه الحكم) كما أنّ الأحاديث الواردة في ذيل هذه الآية تشير إلى أنّه كان داود النبي نفسه.
وهذه العبارة يمكن أن تكون إشارةإلى العلم الإداري وتدبير البلاد وصنع الدّروع ووسائل الحرب وأمثال ذلك حيث كان داود (عليه السلام) يحتاج إليها في حكومته العظيمة، لأنّ الله تعالى لا يُعطي منصباً ومقاماً لأحد العباد إلاّ ويؤتيه أيضاً الاستعداد الكامل والقابليّة اللاّزمة لذلك.
وفي ختام الآية إشارة إلى قانون كلّي فتقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكنّ الله ذو فضل على العالمين).
فالله سبحانه وتعالى رحيم بالعباد ولذلك يمنع من تشرّي الفساد وسرايته إلى المجتمع البشري قاطبة.
وصحيح أنّ سنّة الله تعالى في هذه الدنيا تقوم على أصل الحريّة والإرادة والإختيار وأنّ الإنسان حرٌّ في اختيار طريق الخير أو الشر، ولكن عندما يتعرّض العالم إلى الفساد والإندثار بسبب طغيان الطّواغيت، فإنّ الله تعالى يبعث من عباده المخلصين من يقف أمام هذا الطغيان ويكسر شوكتهم، وهذه من ألطاف الله تعالى على عباده. وشبيه هذا المعنى ورد في آية 40 من سورة الحج (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد...).
وهذه الآيات في الحقيقة بشارة للمؤمنين الّذين يقفون في مواقع أماميّة من مواجهة الطّواغيت والجبابرة فينتظرون نصرة الله لهم.

ــ[230]ــ


ويرد هنا سؤال، وهو أنّ هذه الآية هل تشير إلى مسألة تنازع البقاء التي تعتبر أحد الأركان الأربعة لفرضية داروِن في مسألة تكامل الأنواع؟ تقول الفرضيّة أنّ الحرب والنّزاع ضروريٌّ بين البشر، وإلاّ فالسّكون والفساد سيعم الجميع، فتعود الأجيال البشريّة إلى حالتها الاُولى، فالتّنازع والصّراع الدائمي يؤدّي إلى بقاء الأقوى وزوال الضعفاء وانقراضهم، وهكذا يتمّ البقاء للأصلح بزعمهم.
الجواب:
إنّ هذا التفسير يصح فيما إذا قطعنا صله هذه الآية لما قبلها تماماً، وكذلك الآية المشابهة لها في سورة الحجّ ولكنّنا إذا اخذنا بنظر الإعتبار هذه الآيات رأيناها تدور حوّل محاربة الظّالمين والطّغاة، فلولا منع الله تبارك وتعالى لملؤوا الأرض ظلماً وجوراً، فعلى هذا لا تكون الحرب أصلاً كليّاً مقدّساً في حياة البشريّة.
ثمّ أنّ ما يقال عن قانون (تنازع البقاء) المبني على المبادىء الأربعة لنظريّة داروِن في (تطوّر الأنواع) ليست قانوناً علميّاً مسلّماً، به بل هو فرضيّة أبطلها العلماء، وحتّى الّذين كانوا يؤيّدون نظريّة تكامل الأنواع لم يعد أيّاً منهم يعوّل عليها ويعتبرون تطوّر الأحياء نتيجة الطفرة(1).
وإذا ما تجاوزنا عن كلّ ذلك واعتبرنا فرضيّة تنازع البقاء مبدءً علميّاً فإنّه يمكن أن يكون كذلك فيما يتعلّق بالحيوان دون الإنسان، لأنّ حياة الإنسان لا يمكن أن تتطوّر وفق هذا المبدأ أبداً، لأنّ تكامل الإنسان يتحقّق في ضوء التّعاون على البقاء لا تنازع البقاء.
ويبدو أنّ تعميم فرضيّة تنازع البقاء على عالم الإنسان انّما هو ضربٌ من الفكر الاستعماري الّذي يؤكّده بعض علماء الإجتماع في الدول الرأسمالية لتسويغ حروب حكوماتهم الدمويّة البغيضة وإطفاء الطّابع العلمي على سلوكياتهم

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ لمزيد من الإطلاع راجع الكتاب «الفرضية الأخيرة في التكامل».

ــ[231]ــ


وجعل الحرب والنزاع ناموساً طبيعياً لتطوّر المجتمعات الإنسانية وتقدّمها، أمّا الأشخاص الّذين وقعوا دون وعي تحت تأثير أفكار هؤلاء اللاّإنسانيّة وراحوا يطبّقون هذه الآية عليها فهم بعيدون عن تعاليم القرآن، لأنّ القرآن يقول بكلّ صراحة: (يا أيّها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافّة)(1).
ومن العجب أنّ بعض المفسّرين المسلمين مثل صاحب المنار وكذلك (المرائي) في تفسيره وقعوا تحت تأثير هذه الفرضيّة إلى الحدّ الذي اعتبروها أحد السنن الإلهيّة، ففسّروا بها الآية محلّ البحث وتصوّروا أنّ هذه الفرضيّة من إبداعات القرآن لا من ابتكارات واكتشافات داروِن، ولكن كما قلنا أنّ الآية المذكورة ليست ناظرة إلى هذه الفرضيّة، ولا أنّ هذه الفرضيّة لها أساس علمي متين، بل أنّ الأصل الحاكم على الروابط بين البشر هو التعاون على البقاء لاتنازع البقاء.
وآخر آية في هذا البحث تقول: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحقّ وإنّك لمن المرسلين).
تشير هذه الآية إلى القصص الكثيرة التي وردت في القرآن بشأن بني إسرائيل وأنّ كلاَّ منها دليلاً على قدرة الله وعظمته ومنزّهة عن كلّ خرافة واُسطورة (بالحقّ) حيث نزلت على نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت إحدى دلائل صدق نبوّته وأقواله.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ البقرة: 208.

ــ[232]ــ







الجزء الثالث
من


القُرآن الكريم


من الآية 253
من سورة البقرة

ــ[233]ــ







الآية

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـات وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَـتِ وَأَيَّدْنَـاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ƒ

التّفسير

دور الأنبياء في حياة البشر:

هذه الآية تشير إلى درجات الأنبياء ومراتبهم وجانباً من دورهم فيى حياة المجتمعات البشرية، تقول الآية: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض).
«تلك» اسم إشارة للبعيد. والإشارة إلى البعيد ـ كما نعلم ـ تستعمل أحياناً لإضفاء الإحترام والتبجيل على مقام الشخص أو الشيء المشار إليه، هنا أيضاً أُشير إلى الرسل باسم الإشارة «تلك» لتبيان مقام الأنبياء الرفيع.
واختلف المفسّرون في المقصود بالرسل هنا، هل هم جميع الرسل والأنبياء؟

ــ[234]ــ


أم هم الرسل الذين وردت أسماؤهم أو ذكرت حكاياتهم في ما سبق من آيات هذه السورة فقط، مثل إبراهيم، موسى، عيسى، داود، اشموئيل؟ أم هم جميع الرسل الذين ذكرهم القرآن حتّى نزول هذه الآية؟
ولكن يبدو أنّ المقصود هم الأنبياء والمرسلون جميعاً، لأنّ كلمة «الرسل» جمع حلّيَ بالألف واللام الدالّتين على الإستغراق، فتشمل الرسل كافّة.
(فضّلنا بعضَهم على بعض).
يتّضح جليّاً من هذه الآية أنّ الأنبياء ـ وإن كانوا من حيث النبوّة والرسالة متماثلين ـ هم من حيث المركز والمقام ليسوا متساوين لإختلاف مهمّاتهم، وكذلك مقدار تضحياتهم كانت مختلفة أيضاً.
(منهم من كلّم اللهُ).
هذه إشارة إلى بعض فضائل الأنبياء، وواضح أنّ المقصود بالآية موسى (عليه السلام)المعروف باسم «كليم الله»، كما أنّ الآية 163 من سوره النساء تقول عنه (وكلّم الله مُوسى تكليماً).
أمّا القول بأنّ المقصود هو نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ التكليم المنظور هنا هو التكليم الذي كان في ليله المعراج مع الرسول، أو أنّ المراد هو الوحي الإلهي الذي ورد في آية 51 من سورة الشورى (وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحي...)حيث اُطلق عليه عنوان التكلّم، فإنّه بعيد جدّاً، لأنّ الوحي كان شاملاً لجميع الأنبياء، فلا يتلائم مع كلمة «منهم» لأنّ (من) تعبضيّة.
ثمّ تضيف الآية (ورفع بعضهم درجات)
ومع الإلتفات إلاّ أنّ الآية أشارت إلى التفاضل بين الأنبياء بالدّرجات والمراتب، فيمكن أن يكون المراد في هذا التكرار إشارة إلى أنبياء معيّنين وعلى

ــ[235]ــ


رأسهم نبيّ الإسلام الكريم لأنّ دينه آخر الأديان وأكملها، فمن تكون رسالته الابلاغ أكمل الأديان لابدّ أن يكون هو نفسه أرفع المرسلين، خاصّةً وأنّ القرآن يقول فيه في الآية 41 من سورة النّساء (فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)(1).
والشاهد الآخر على هذا الموضوع، وهو أنّ الآية السابقة تشير إلى فضيلة موسى (عليه السلام)، والآية التالية تبيّن فضيلة عيسى (عليه السلام)، فالمقام يتطلّب الإشارة إلى فضيلة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ كلّ واحد من هؤلاء الأنبياء الثلاثة كان صاحب أحد الأديان الثلاثة العظيمة في العالم. فإذاكان اسم نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جاء بين اسميهما، فلا عجب فيذلك، أوَليس دينه الحدّ الوسط بين دينيهما وأنّ كلّ شيء قد جاء فيه بصورة معتدلة ومتعادلة؟ ألا يقول القرآن: (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً)(2)!
ومع ذلك، فإنّ العبارات المتقدّمة في هذه الآية تدلّ على أنّ المقصود من (رفع بعضهم درجات) هم بعض الأنبياء السابقين، مثل إبراهيم إذ يقول سبحانه في الآية التالية: (ولو شاءَاللهُ ما اقتتل الذين من بعدهم) أي لو شاء الله ما أخذت اُمم هؤلاء الأنبياء تتقاتل فيما بينها بعدرحيل أنبيائها.
(وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس).
أي أنّنا وهبنا عيسى (عليه السلام) براهين واضحة مثل شفاء المرضى المزمنين وإحياء الموتى والمعارف الدينيّة الساميّة.
أمّا المراد من (روح القدس) هل هو جبرئيل حامل الوحي الإلهي، أو قوى اُخرى غامضة موجودة بصورة متفاوتة لدى أولياء الله؟ تقدّم البحث مشروحاً في الآية 87 من سورة البقرة، وعندما تؤكّد هذه الآية على أنّ عيسى (عليه السلام) كان مؤيّداً

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ النساء: 41.
2 ـ البقرة: 143.

ــ[236]ــ


بروح القدس فلأنّه كان يتمتّع بسهم أوفر من سائر الأنبياء من هذه الرّوح المقدّسة.
وتشير الآية كذلك إلى وضع الاُمم والأقوام السالفة بعد الأنبياء والإختلافات التي جرت بينهم فتقول: (ولو شاء الله ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات) فمقام الأنبياء وعظمتهم لن يمنعا من حصول الإختلافات والإقتتال والحرب بين أتباعهم لأنّها سنّة إلهيّة أن جعل الله الإنسان حرّاً ولكنّه أساء الإستفادة من هذه الحريّة (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر).
ومن الواضح أنّ هذا الإختلاف بين الناس ناشىءٌ من اتّباع الأهواء والشّهوات وإلاّ فليس هناك أيّ صراع واختلاف بين الأنبياء الإلهيّين حيث كانوا يتّبعون هدفاً واحداً.
ثمّ تؤكّد الآية أنّ الله تعالى قادرٌ على منع الإختلافات بين النّاس بالإرادة التكوينيّة وبالجبر، ولكنّه يفعل ما يريد وفق الحكمة المنسجمة مع تكامل الإنسان ولذلك تركه مختاراً (ولو شاء الله ما أقتتلوا ولكنّ الله يفعل ما يريد).
ولا شكّ في أنّ بعض الناس أساء استخدام هذه الحريّة، ولكنّ وجود الحريّة في المجموع يُعتبر ضروريّاً لتكامل الإنسان، لأنّ التكامل الإجباري لا يُعدّ تكاملاً.
وضمناً يُستفاد من هذه الآية الّتي تعرّضت إلى مسألة الجبر مرّة اُخرى بطلان الإعتقاد بالجبر،حيث تثبت أنّ الله تعالى ترك الإنسان حرّاً فبعضٌ آمن وبعضٌ كفر.
* * *

مسألة:

هل الأديان تسبّب الإختلافات؟

يتّهم بعض الكتّاب الغربيين الأديان على أنّها هي سبب التفرقة والنزاع بين أفراد البشر، وهي السبب في إراقة الكثير من الدماء، فالتاريخ شهد الكثير من

ــ[237]ــ


الحروب الدينية، وهكذا سعوا إلى إدانة الأديان واعتبارها من الأسباب المثيرة للحروب والمخاصمات.
وإزاء هذا القول لابدّ من الإنتباه إلى ما يلي:
أولاً: أنّ الإختلافات ـ كما جاء في الآية المذكورة ـ لا تنشأ في الحقيقة بين الأتباع الصادقين لدين من الأديان، بل هي بين أتباع الدين ومخالفيه. وإذا ما شاهدنا صراعاً بين أتباع مختلف الأديان فإنّ ذلك لم يكن بسبب التعاليم الدينية، بل بسبب تحريف التعاليم والأديان وبالتعصّب المقيت ومزج الأديان السماوية بالخرافات.
ثانياً: إنّ الدين ـ أو تأثيره ـ قد انحسر اليوم عن قسم من المجتمعات البشرية، ومع ذلك نرى أنّ الحروب قد ازدادت قسوةً واتساعاً وانتشرت في مختلف أرجاء العالم. فهل أن الدين هو السبب، أم أنّ روح الطغيان فيمجموعة من البشر هي السبب الحقيقي لهذه الحروب، ولكنّها تظهر اليوم بلبوس الدين، وفي يوم آخر بلبوس المذاهب الإقتصادية والسياسية، وفي أيّام اُخرى بقوالب ومسمّيات أُخرى؟! وعليه فالدِين لا ذنب له في هذا، إنّما الطغاة هم الذين يشعلون نيران الحروب بحجج متنوّعة.
ثالثاً: إنّ الأديان السماوية ـ وعلى الأخصّ الإسلام ـ التي تكافح العنصرية والقومية، كانت سبباً في إلغاء الحدود العنصرية والجغرافية والقبلية، فقضت بذلك على الحروب التي كانت تثار باسم هذه العوامل. وعليه فإن الكثير من الحروب في التاريخ قد خمدت نيرانها بفضل الدين. كما أنّ روح السلام والصداقة والأخلاق والعواطف الإنسانية التي ترفع لواءها جميع الأديان السماوية، كان لها أثر عميق في تخفيض الخصومات والمشاكسات بين مختلف الأقوام.
رابعاً: أنّ من رسالات الأديان السماوية تحرير الطبقات المحرومة المعذّبة،وكانت هذه الرسالة هي سبب الحروب التي شنّها الأنبياء وأتباعهم على

ــ[238]ــ


الظالمين والمستغلّين، من أمثال فرعون والنمرود. إنّ هذه الحروب التي تعتبر جهاداً في سبيل تحرير الإنسان، ليست عيوباً تلصق بالأديان، بل هي من مظاهر فخرها واعتزازها وقوّتها. إنّ حروب رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين من العرب والمرابين في مكّة من جهة، ومع قيصر وكسرى من جهة أُخرى، كانت كلّها من هذا القبيل.
* * *

ــ[239]ــ







الآية

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَـاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـاعَةٌ وَالْكَـافِرُونَ هُمُ الظَّـالِمُونَƒ

التّفسير

الإنفاق من أهمّ أسباب النجاة يوم القيامة:

بعد أن تحدّثت الآيات السّابقة عن الاُمم الماضية وجهاد حكوماتها الإلهيّة والإختلافات الّتي حدثت بعد الأنبياء (عليهم السلام) تخاطب هذه الآية المسلمين وتشير إلى أحد الواجبات المهمّة عليهم الّتي تسبّب في تقوية بنيتهم الدّفاعيّة وتوحّد كلمتهم فتقول: (يا أيّها الّذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم).
جملة (ممّا رزقناكم) لها مفهوم واسع حيث يشمل الإنفاق الواجب والمستحب، وكذلك الإنفاق المعنوي كالتعليم وأمثال ذلك، ولكن مع الإلتفات إلى التهديد الوارد في ذيل الآية لايبعد أن يكون المراد به الإنفاق الواجب يعني الزكاة وأمثالها، مضافاً إلى أنّ الإنفاق الواجب هو الّذي يعزّز بيت المال ويقوّم كيان

ــ[240]ــ


الحكومة، وبهذه المناسبة يشير تعبير (ممّا) أنّ هذا الإنفاق يكون بجزء من المال الّذي يملكه الشخص لا كلّه.
وقد رجّح المرحوم (الطبرسي) في مجمع البيان شموليّة الآية للإنفاق الواجب والمستحب، وذهب إلى أنّ ذيل الآية لا يُعتبر تهديداً، بل هو إخبار عن الحوادث المخوفة يوم القيامة(1).
ولكن مع ملاحظة آخر جملة في هذه الآية الّتي تقول إنّ الكافرين هم الظالمون يتضح أنّ ترك الإنفاق نوع من الكفر والظلم، وهذا لا يكون إلاّ في الإنفاق الواجب.
ثمّ تضيف الآية (من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة)(2).
عليكم أن تنفقوا ما دمتم اليوم قادرين على ذلك، لأنّ العالم الآخر الذي هو محلّ حصاد ما زرعتموه في الدنيا لن يتسنى لكم فيه أن تفعلوا شيئاً، فلا معاملات ولا صفقات تجارية تستطيعون بها أن تشتروا السعادة والخلاص من العقاب، ولا هذه الصداقات المادّية التي تكسبونها في الدنيا بأموالكم تنفعكم في شيء هناك، لأنّ أصدقاءكم أنفسهم يعانون نتائج أعمالهم ولا يدفعون من أنفسهم للآخرين، ولا تنفعكم شفاعة، لأنكم بتخلّفكم حتّى عن الإنفاق الواجب لم تفعلوا ما هو جدير بأن يشفع لكم. وعليه فإنّ جميع أبواب النجاة مسدودة بوجوهكم.
(والكافرون هم الظالمون) لأنهم بتركهم الإنفاق والزكاة يظلمون أنفسهم ويظلمون الناس.
ويريد القرآن في هذه الآية أن يوضّح ما يلي:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 و ج 2 ص 360.
2 ـ «خُلّة» مأخوذة من مادة «خلل» بمعنى الفاصلة بين شيئين وبما أن المحبّة والصداقة تحل في وجود الإنسان وروحه وتملأ الفواصل لذا اُطلقت هذه المفردة على الصداقة العميقة.