ــ[181]ــ







الآيتان

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌƒ وَلاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ الِنّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَـابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ƒ

التّفسير

خرافات تبعث على تعاسة المرأة:

إنّ واحدة من المشاكل الرئيسية في حياة المرأة هي الزواج بعد موت زوجها. ولمّا كان بناء الأرملة بزوج جديد بعد موت زوجها السابق مباشرةً لا ينسجم مع ما تكنّه من حبّ واحترام لزوجها المتوفى، ولا مع الإطمئنان إلى عدم وجود

ــ[182]ــ


حمل في رحمها منه، وقد يؤدّي إلى جرح مشاعر أهل زوجها الأول، فقد جاءت الآية تشترط للزواج الجديد أن يمرّ على موت زوجها السابق أربعة أشهر وعشرةأيّام.
إنّ احترام الحياة الزوجية بعد موت أحد الزوجين أمر فطري، بحيث نجد في مختلف القبائل تقاليداً وطقوساً خاصّة بهذا الموضوع على الرغم من أنّ بعض هذه العادات كانت تبلغ حدّ الإفراط الذي يقيّد المرأة بقيود ثقيلة تبلغ حدّ القضاء على حياتها احتراماً لذكرى زوجها الراحل. كقيام بعض القبائل بحرق المرأة بعد موت زوجها، أو بدفنها حيّة معه في قبره. وبعض آخر كانوا يحرمون المرأة من الزواج بعد زوجها مدى الحياة، وفي بعض القبائل كان على المرأة أن تقضي بعض الوقت بجانب قبر زوجها تحت خيمه سوداء قذرة وفي ملابس رثّة بعيدة عن كلّ نظافة أو زينة أو اغتسال(1).
إلاَّ أنّ الآية المذكورة تلغي كلّ هذه الخرافات، ولكنّها تحافظ على احترام الحياة الزوجيّة بإقرار العدّة.
(والذين يُتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف).
وبما أنّ أولياء وأقرباء المرأة يتدخّلون أحياناً في أمرها أو يأخذون بمصالحهم بنظر الإعتبار في زواجها المجدّد تقول الآية في ختامها: (والله بما تعملون خبير)وسيُجازي كلّ شخص بما عمله من أعمال سيئة أو حسنة.
وجملة (لا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف) والتي تشير إلى أنّ المخاطب فيها هم الرّجال من أقرباء المرأة تدلّ على أنّهم كانوا يرون في تحرّر

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الإسلام وعقائد الإنسان: ص 617.

ــ[183]ــ


المرأة بعد وفاة زوجها عيباً وإثماً، ويعتقدون بأنّ التضييق عليها والتشدّد في أمرها من واجباتهم، فهذه الآية تأمر بصراحة بترك هذه الإمرأة حرّة في اختيارها ولا إثم عليكم من ذلك (ويستفاد ضمناً من هذه العبارة سقوط ولاية الأب والجد أيضاً عليها) ولكن في نفس الوقت تتضمّن الآية تحذيراً للمرأة بأنّه لا ينبغي أن تسيء الاستفادة من هذه الحريّة، بل تتقدّم إلى اختيار الزوج الجديد بخطّوات مدروسة واُسلوب لائق (بالمعروف).
وحسب ما وصلنا من أئمّة المسلمين فإنّ على الأرامل في هذه الفترة أن يحافظن على مظاهر الحزن، أي ليس لهنَّ أن يتزينَّ مطلقاً، بل ينبغي التجرّد من كلّ زينة، ولاشكّ أنّ فلسفة المحافظة على هذه العدّة توجب ذلك أيضاً.
لقد حرّر الإسلام المرأة من الخرافات الجاهليّة واقتصر على هذه العدّة القصيرة بحيث ظنَّ بعضهم أنّ لها أن تتزوّج حتّى خلال هذه الفترة، ومن ذلك أنّ امرأة قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تستجيزه أن تكتحل وهي في العدّة فنهاها رسول الله وذكّرها بما كان يفرض على المرأة في الجاهليّة خلال سنة كاملة بعد الوفاة من حداد شديد وإرهاق فظيع مشيراً إلى سماحة الإسلام في هذا الأمر(1)وإنّه ممّا يلفت النّظر أنّ الأحكام الإسلاميّة بشأن العدّة تأمر المرأة بإلتزام العدّة حتّى وإن لم يكن هناك أيّ احتمال بأن تكون حاملاً، حيث إنّ عدّتها لاتبدأ بتاريخ موت زوجها، بل بتاريخ وصول خبر موت زوجها إليها وإن يكن بعد شهور، وهذا يدلّ دلالة قاطعة على أنّ الهدف من هذا التشريع هو الحفاظ على احترام الحياة الزوجيّة وحرمتها إضافهً إلى ما لهذا التشريع من أهميّة بالنّسبة لاحتمال حمل المرأة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ المنار: ج 2 ص 422.

ــ[184]ــ


الآية الثانية تشير إلى أحد الأحكام المهمّة للنّساء في العدّة (بمناسبة البحث عن عدّة الوفاة في الآيات السّابقة) فتقول: (ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنّكم ستذكرونهنَّ ولكن لا تواعدوهنَّ سرّاً إلاّ أن تقولوا قولاً معروفاً).
فهذه الآية تبيح للرّجال أن يخطبوا النّساء اللّواتي في عدّة الوفاة بالكناية أو الإضمار في النّفس (أو أكننتم في أنفسكم) وهذا الحكم في الواقع من أجل الحفاظ على حريم الزّواج السّابق من جهة، وكذلك لايحرم الأرملة من حقّها في تعيين مصيرها من جهة اُخرى، فهذا الحكم يُراعي العدالة وكذلك حفظ احترام الطّرفين.
ومن الطّبيعي أن تفكّر المرأة في مصيرها بعد وفاة زوجها، وكذلك يفكّر بعض الرّجال بالزّواج بهنّ للشروط اليسيرة السهلة في الزّواج بالأرامل، ولكن من جهة لابدّ من حفظ حريم دائرة الزّوجيّة السّابقة كما ورد من الحكم آنفاً يدلّ بوضوح على رعاية كلّ هذه المسائل المذكورة، ونفهم من عبارة (ولكن لا تواعدوهنّ سرّاً) أنّه مضافاًإلى النهي عن الخطبة العلنيّة فإنّه لايجوز كذلك أن تصارحوهنّ بالخطبة سرّاً أيضاً إلاّ إذا كان الكلام بهذا الشأن يتّفق مع الآداب الإجتماعيّة في موضوع موت الزّوج، أي أن يكون الكلام بالكناية وبشكل مبطّن.
وعبارة (عرّضتم) من مادّة (التّعريض) والتي تعني كما يقول الرّاغب في المفردات: الحديث الّذي يُحتمل معنيين الصدق والكذب أو الظّاهر والباطن.
وعلى قول المفسّر الكبير المرحوم الطبرسي في مجمع البيان أنّ التّعريض ضدالتصريح، وهو في الأصل من مادّة (عرض) الذي هو بمعنى جانب الشيء(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 و 2، ص 338.

ــ[185]ــ


ويضرب أئمة الإسلام في تفسير هذه الآية بشأن الخطبة الخفيّة أو القول المعروف كما يقول القرآن أمثلة عديدة، من ذلك ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال (يلقاها فيقول إنّي فيك راغب وإنّي للنّساء لمكرم فلا تسبقيني بنفسك)(1).
وقد ورد هذا المضمون أو ما يماثله في كلام كثير من الفقهاء والجدير بالذّكر أنّ الآية أعلاه على الرّغم من أنها وردت بعد الآية التي تذكر عدّة الوفاة، ولكنّ الفقهاء صرّحوا بأنّ الحكم أعلاه لايختصّ بعدّة الوفاه بل يشمل غيرها أيضاً.
يقول المرحوم الفقيه والمحدّث المعروف صاحب الحدائق: (وقد صرّح الأصحاب بأنّه لا يجوز التعريض بالخطبة لذات العدّة الرجعية لأنّها زوجة، فيجوز للمطلّقة ثلاثاً من الزوج وغيره، ولايجوز التصريح لها منه ولا من غيره، أمّا المطلّقة تسعاً للعدّة ينكحها بينها رجلان فلا يجوز التعريض لها من الزوج ويجوز من غيره، ولا يجوز التصريح في العدّة منه ولا من غيره.
أمّا العدّة البائنة فيجوز التعريض من الزوج وغيره والتصريح من الزوج دونغيره)(2).
وإذا أردتم التفصيل راجعوا الكتب الفقهية بالأخص كتاب الحدائق في استمرار هذا البحث.
ثمّ تضيف الآية (ولا تعزموا عقدة النكاح حتّى يبلغ الكتاب أجله) فمن المسلّم أنّ الشخص إذا عقد على المرأة في عدّتها يقع العقد باطلاً، بل أنّه إذا أقدم على هذا العمل عالماً بالحرمة فإنّ هذه المرأة ستحرم عليها أبداً.
وبعد ذلك تعقّب الآية: (واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 232 ح 905.
2 ـ الحدائق: ج 24 ص 90.

ــ[186]ــ


أنّ الله غفور حليم).
وبهذا لابدّ أن تعلموا أنّ الله تعالى مطّلع على أعمالكم ونيّاتكم وفي نفس الوقت لايؤاخذ المذنبين بسرعة.
جملة (لاتعزموا) من مادّة (عزم) بمعنى قصد، فعندما تقول الآية (ولا تعزموا عقده النّكاح) فهو في الواقع نهيٌ مؤكّد عن الإقدام العملي على عقد الزّواج ويعني التّحذير حتّى من نيّة وقصد هذا العمل في زمان العدّة.
* * *

ــ[187]ــ







الآيتان

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ الِنّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَـاعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الُْمحْسِنِينَ ƒ وَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنتَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَنيَعْفُونَ أَو يَعْفُوَاْ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُلِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ أللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌƒ

التّفسير

كيفيّة أداء المهر:

في هاتين الآيتين نلاحظ أحكام اُخرى للطّلاق أستمراراً للأبحاث السّابقة.
تقول الآية في البداية (لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسّوهنّ(1) أو

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «مس»في اللغة بمعنى الملامسة،وهناكناية عن الجماع و«فريضة»بمعنى الواجب،وهناجاءت بمعنىالمهر.

ــ[188]ــ


تفرضوا لهنّ فريضة) وهذا يعني جواز طلاق النساء قبل المقاربة الجنسيّة وقبل تعيين المهر، وهذا في صورة ما إذا علم الرّجل أو كلا الزّوجين بعد العقد وقبل المواقعة أنّهما لا يستطيعان إستمرار الحياة الزّوجيّة هذه، فمن الأفضل أن يتفارقا في هذا الوقت بالذّات، لأنّ الطّلاق في المراحل اللاّحقة سيكون أصعب.
وعلى كلّ حال فهذا التعبير في الآية جوابٌ على من يتصوّر أنّ الطّلاق قبل المواقعة أو قبل تعيين المهر لا يقع صحيحاً، فالقرآن يقول أنّ هذا الطّلاق صحيح ولا إثم عليه (وقد يمنع من كثير من المفاسد).
وذهب البعض أن (جناح) في هذه الآية بمعنى (المهر) الّذي يثقل على الزّوج، يعني أنّ الرّجل حين الطّلاق وقبل المقاربة الزوجيّة وتعيين المهر ليس مكلّفاً بدفع أي شيء بعنوان المهر إلى المرأة، وبالرّغم من أنّ بعض المفسّرين(1) أورد كلاماً طويلاً حول هذا التفسير، ولكن استعمال كلمة «جناح» بمعنى المهر يعتبر غريباً وغير مأنوس.
واحتمل آخرون أنّ معنى الجملة أعلاه هو جواز طلاق المرأة قبل المقاربة الجنسيّة في جميع الأحوال (سواء كانت في العادة الشهريّة أو لم تكن) والحال أنّ الطّلاق بعد المواقعة الجنسيّة يجب أن يكون في الزّمان الطّهر الّذي لم يواقعها فيه حتماً(2)، ولكن هذا التفسير بعيد جدّاً لأنّه لا ينسجم مع جملة (أو تفرضوا لهنّ فريضة).
ثمّ تبيّن الآية حكماً آخراً في هذا المجال وتقول: (ومتّعوهنّ) أي يجب أن تمنح المرأة هديّة تناسب شؤونها فيما لو جرى الطّلاق قبل المضاجعة وقبل تعيين المهر، ولكن يجب أن يؤخذ بنظر الإعتبار قدرة الزّوج الماليّة في هذه الهديّة،

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير الكبير: ج 6 ص 137.
2 ـ المصدر السابق.

ــ[189]ــ


ولذلك تعقّب الآية الشريفة بالقول (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقّاً على المحسنين).
(الموسع) بمعنى المقتدر والثّري و (المقتر) بمعنى الفقير (من مادّة قتر وكذلك وردت بمعنى البخل أيضاً) كقوله تعالى (وكان الإنسان قتورا)(1).
وجملة (متاعاً بالمعروف) يمكن أن تشير إلى جميع ما ذكرناه، أي أنّ الهديّة لابدّ أن تكون بشكل لائق وبعيدة عن الإسراف والبخل.
ومناسبة لحال المُهدي والمُهدى إليه.
ولمّا كان لهذه الهديّة أثر كبير للقضاء على روح الإنتقام وفي الحيلولة دون إصابة المرأة بعُقدَ نفسيّة بسبب فسخ عقد الزّواج، فإنّ الآية تعتبر هذا العمل من باب الإحسان (حقّاً على المحسنين)(2) أي أن يكون ممزوجاً بروح الإحسان واللّطف، ولا حاجة إلى القول بأنّ تعبير (المحسنين) لم يأت ليشير إلى أنّ الحكم المذكور ليس إلزاميّاً، بل جاء لإثارة المشاعر والعواطف الخيّرة في الناس للقيام بهذا الواجب الإلزامي.
الملاحظة الاُخرى في هذه الآية هي أنّ القرآن يعبّر عن الهدية الّتي يجب أن يعطيها الرجل للمرأة باسم (متاع) فالمتاع في اللّغة هو كلّ ما يستمتع به المرء وينتفع به، ويطلق غالباً على غير النقود، لأنّ الأموال لايمكن التمتّع بها مباشرةً، بل لابدّ أوّلاً من تبديلها إلى متاع، ولهذا كان تعبير القرآن عن الهديّة بالمتاع.
ولهذا العمل أثر نفسي خاص، فكثيراً ما يحدث أن تكون الهدية من المأكل أو الملبس ونظائرهما مهما كانت زهيدة الثمن أثر بالغ في نفوس المُهدى إليهم لا يبلغه أبداً أثر الهديّة النقديّة، لذلك نجد أنّ الروايات الواصلة إلينا عن أئمّة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الاسراء: 100.
2 ـ «حقّاً» يمكن أن تكون صفة لـ «متاعاً»، أو حال أو مفعول مطلق لفعل محذوف ـ «متاعاً» مفعول مطلق أيضاً عن جملة «ومتعوهن».

ــ[190]ــ


الأطهار(عليهم السلام)تذكر هذه الهدايا بصورة مأكل أو ملبس أو أرض زراعيّة.
كذلك يتّضح من هذه الآية أنّ تعيين المهر قبل إجراء العقد في النكاح الدائم ليس ضروريّاً إذ يمكن للطرفين أن يتّفقا على ذلك بعد(1) إذ كما تفيد الآية أيضاً أنّه إذا حصل الطّلاق قبل تعيين المهر وقبل المضاجعة فلا يجب المهر، بل يُستعاض عنه بالهديّة المذكورة.
ويجب الإلتفات إلى أنّ الزّمان والمكان مؤثّران في مقدار الهديّة المناسبة.
وتتحدّث الآية التالية عن حالة الطّلاق الّذي لم يسبقه المضاجعة ولكن بعد تعيين المهر فتُبيّن أنّ الحكم في هذا اللّون من الطّلاق الّذي يكون قبل المضاجعة وبعد تعيين المهر يوجب على الزّوج دفع نصف المهر المعيّن (وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنَّ وقد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم).
وهذا هو حكم القانوني لهذه المسألة، فيجب دفع نصف المهر إلى المرأة بدون أيّة نقيصة، ولكن الآية تتناول الجوانب الأخلاقيّة والعاطفيّة وتقول: (إلاّ أن يعفون أو يعفو الّذي بيده عقدة النكاح).
والمراد من ضمير (يعفون) هم الأزواج، أمّا في قوله (أو يعفو الّذي بيده عقدة النكاح) هو وليّ الصغير أو السفيه، ومن الواضح أنّ الوليّ ليس له الحقّ من أن يعفو أو يتنازل عن حقّ الصغير إلاّ إذا تضمّن مصلحة الصغير.
فعلى هذا يكون حكم دفع نصف المهر بغض النظر عن مسألة العفو والتنازل عن الحقّ، وممّا تقدّم يتّضح أن من له العفو هو الولي للصّغير أو السفيه لأنّه هو الّذي بيده أمر زواج المولّى عليه، ولكن بعض المفسّرين تصوّروا أنّ المراد هو الزّوج، بمعنى أنّ الزوج متى ما دفع تمام المهر قبلاً (كما هو المتعارف عند الكثير من

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ لاشكّ أنّ المهر لا يسقط إن لم يذكر في العقد الدائم بل يعبر (مهر المثل) أي المهر الذي يعادل مهور نساء مماثلات إلاّ إذا حصل الطلاق قبل الدخول عندئذ يتوجب تقديم هديّة كما ذكرنا.

ــ[191]ــ


العرب) فله الحقّ في أن يسترجع نصف المهر إلاّ أن يعفو ويتنازل عنه.
أمّا مع الملاحظة الدقيقة في مضمون الآية يتبيّن أنّ التفسير الأوّل هو الصحيح، وأنّ المخاطب في هذه الآية هم الأزواج حيث تقول: (وإن طلّقتموهنّ)في حين أنّ الضمير في جملة (أو يعفو الّذي بيده عقدة النكاح) جاء حكايةً عن الغائب ولا يتناسب ذلك مع عوده إلى الأزواج.
أجل، فإنّ الآية في الجملة التالية تقول (وإن تعفو أقرب للتّقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إنّ الله بما تعملون بصير).
فمن الواضح أنّ المخاطب في هذه الجملة هم الأزواج، فتكون النتيجة أنّ الحديث في الجملة السّابقة كان عن عفو الأولياء، وفي هذه الجملة تتحدّث الآية عن عفو الأزواج، وجملة (ولا تنسوا الفضل بينكم) خطاب لعموم المسلمين أن لا ينسوا المُثُل الإنسانية في العقو والصفح والإيثار في جميع الموارد.
وهذا ما ورد في الروايات الّتي وصلتنا من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) في تفسير هذه الآية، وكذلك نرى أنّ المفسّرين الشّيعة قد اختاروا هذا الرّأي بالتّوجه إلى مضمون الآية والرّوايات الشريفة، فذهبوا إلى أنّ المقصود في هذه العبارة هم أولياء الزّوجة.
ومن الطبيعي أن تطرأ ظروف تجعل الإضطرار إلى أخذ نصف المهر حتّى قبل الدّخول أمراً قد يُثير مشاعر الرّجل وأقرباءه ويجرح عواطفهم وقد ينزعون إلى الإنتقام، ويُحتمل أن تتعرّض سمعة المرأة وكرامتها إلى الخطر، فهنا قد يرى الأب أنّ من مصلحه ابنته أن يتنازل عن حقّها.
جملة (وأن تعفوا أقرب للتقوى) تبيّن جانباً آخر من واجبات الزّوج الإنسانيّة، وهو أن يظهر الزّوج التنازل والكرم فلا يسترجع شيئاً من المهر إن كان قد دفعه، وإن لم يكن دفعه بعد فمن الأفضل دفعه كاملاً متنازلاً عن النصف الّذي

ــ[192]ــ


هو من حقّه، وذلك لأنّ المرأة الّتي تنفصل عن زوجها بعد العقد تواجه صدمة نفسيّة شديدة، ولا شكَّ أنّ تنازل الرجل عن حقّه من المهر لها يكون بمثابة البلسم لجرحها.
ونلاحظ تأكيداً في سياق الآية الشريفة على أصل (المعروف) و (الإحسان) فحتّى بالنّسبة إلى الطّلاق والإنفصال لا ينبغي أن يكون مقترناً بروح الإنتقام والعداوة، بل ينبغي أن يتم على أساس السماحة والإحسان بين الرّجل والمرأة، لأنّ الزوجين إذا لم يتمكنّا من العيش سويّة وفضّلا الإفتراق بدلائل مختلفة، فلا دليل حينئذ لوجود العداوة والبغضاء بينهما.
* * *

ــ[193]ــ







الآيتان

حَـافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَـانِتِينَƒ فإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَƒ

سبب النّزول

تذرّع جمع من المنافقين بحرارة الجو لإلقاء التفرقة في صفوف المسلمين، فلم يكونوا يشتركون في صلاه الجماعة، فتبعهم آخرون وأخذوا يتخلّفون عن صلاة الجماعة، فقلّ بذلك عدد المصلّين، فتألّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك كثيراً حتّى أنّه هدّدهم بعقاب أليم، وفي حديث عن زيد بن ثابت قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يؤدّي صلاة الظهر جماعة والحرّ على أشدّه ممّا كان يثقل على أصحابه كثيراً بحيث أنّ صلاة الجماعة أحياناً لم تتجاوز صفاً واحداً أو صفّين، فهنا هدّد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هؤلاء المنافقين ومن لم يشترك صلاة الجماعة بإحراق منازلهم، فنزلت الآية أعلاه وبيّنت أهميّة صلاة الظهر جماعةً بصورة مؤكّدة(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير مجمع البيان: ج 1 و 2 ص 342 ـ وبنفس المضمون في تفسير «الدّر المنثور» في ذيل الآية المبحوثة حسب نقل الميزان.

ــ[194]ــ


وهذا التأكيد يدلّ على أنّ مسألة عدم المشاركة في صلاة الجماعة لم تكن بسبب حرارة الجو فقط، بل أنّ جماعة أرادوا تضعيف الإسلام بهذه الذّريعة وإيجاد الفرقة في صفوف المسلمين بحيث دعى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يتّخذ مثل ذلك الموقف الحازم من هؤلاء.

التّفسير

أهميّة الصّلاة وخاصّةً الوسطى:

بما أن الصلاة أفضل وسيلة مؤثرة تربط بين الإنسان وخالقه، وإذا اُقيمت على وجهها الصحيح ملأت القلب بحبّ الله واستطاع الإنسان بتأثير أنوارها أن يتجنّب الذنوب والتلوّث بالمعصية، لذلك ورد التأكيد في آيات القرآن الكريم عليها، ومن ذلك ما ورد في الآية محل البحث حيث تقول: (حافظوا على الصلاة والصلوات الوسطى وقوموا لله قانتين).
فلا ينبغي للمسلمين أن يتركوا هذا الأمر المهم بحجّة البرد والحرّ ومشكلات الحياة ودوافع الزوجة والأولاد والأموال.
أمّا ما هو المراد بقوله (الصلـوة الوسطى)؟ ذكر المفسّرون معان مختلفة للمراد من الصلواة الوسطى، وذكر صاحب تفسير مجمع البيان ستّة أقوال، والفخر الرّازي ذكر في تفسيره سبعة أقوال، وبلغ بها القرطبي في تفسيره إلى عشرة أقوال، أمّا تفسير روح المعاني فذكر لها ثلاثة عشر قولاً.
فالبعض يرى أنّها صلاة الظهر، وآخر صلاة العصر، وبعض صلاة المغرب،وبعض صلاة العشاء، وبعض صلاة الصبح، وبعض صلاة الجمعة، وبعض صلاة اللّيل أو خصوص صلاة الوتر، وذكروا لكلّ واحد من هذه الأقوال أدلّة وتوجيهات مختلفة، ولكنّ القرائن المختلفة المتوفّرة تثبت أنّها صلاة الظهر، لأنّها فضلاً عن

ــ[195]ــ


كونها تقع في وسط النّهار، فإنّ سبب نزول هذه الآية يدلّ على أنّ المقصود بالصّلاة الوسطى هو صلاة الظهر التي كان الناس يتخلّفون عنها لحرارة الجو، كما أنّ هناك روايات كثيرة تصرّح بأنّ الصلاة الوسطى هي صلاة الظّهر(1). والتأكيد على هذه الصّلاة كان بسبب حرارة الجو في الصّيف، أو بسبب انشغال الناس في اُمور الدنيا والكسب فلذلك كانوا لا يعيرون لها أهميّة، فنزلت الآية آنفة الذكر تبيّن أهميّة صلاة الوسطى ولزوم المحافظة عليها(2).
(قانتين) من مادّة (قنوت) وتأتي بمعنيين.
1 ـ الطاعة والإتّباع.
2 ـ الخضوع والخشوع والتّواضع.
ولايبعد أن يكون المعنيان مرادين في هذه الآية، كما ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية (وقوموا لله قانتين) قال: «إقبال الرّجل على صلاته ومحافظته على وقتها حتّى لا يلهيه عنها ولايشغله شيء».
وفي رواية اُخرى قال:
وفي الآية الثانية تؤكّد على أنّ المسلم لا ينبغي له ترك الصلاة حتّى في أصعب الظروف والشّرائط كما في ميدان القتال، غاية الأمر أنّ الكثير من شرائط الصّلاة في هذا الحال تكون غير لازمة كالإتّجاه نحو القبلة وأداء الرّكوع والسّجود بالشكل الطبيعي، ولذا تقول الآية (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً).
سواءً كان الخوف في حال الحرب أو من خطر آخر، فإنّ الصّلاة يجب أداءها

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر الكتب الفقهية للأستزادة.
2 ـ المشهور بين فقهاء الشيعة أن المراد منها «صلاة الظهر» بل ادعي الإجماع على ذلك ومن عدّة روايات معتبرة وردت في كتاب وسائل الشيعة: ج 3 ص 14 الباب 5 أو هناك قول شاذ وضعيف بأن المراد منها صلاة العصر «وذهب أغلب فقهاء أهل السنّة إلى هذا الرأي» واستدلوا على ذلك بعدّة روايات ضعيفة السند وقد اعرض الأصحاب عنها (لمزيد الإيضاح راجع الكتب الفقهية).