ــ[136]ــ
ويحتمل أيضاً أنّ الطهارة هنا عدم التلوّث بالذنب، يعني أنّ الله تعالى يحب من لم يتلوّث بالذنب، وكذلك يحب من تاب بعد تلوّثه.
ويمكن أن تشير مسألة التوبة هنا إلى أنّ بعض الناس يصعب عليهم السيطرة على الغريزة الجنسيّة فيتلوّثون بالذّنب والإثم خلافاً لما أمر الله تعالى، ثمّ يعتريهم النّدم على عملهم ويتألمون من ذلك، فالله سبحانه وتعالى فتح لهم طريق التوبة كيلا يصيبهم اليأس من رحمة الله(1).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تحدّثنا تفصيلاً عن حقيقة «التوبة» وشرائطها في المجلد الثالث في ذيل الآية (17) من سورة النساء، وفي المجلد 14 ذيل الآية (5) من سورة النور.
ــ[137]ــ
الآيتان
وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لاّيْمَـانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ƒ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَـانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ƒ
سبب النّزول
حدث خلاف بين صهر أحد الصحابة وابنته، وهذا الصحابي هو «عبدالله بن رواحة» حيث أقسم أن لا يتدخّل في الإصلاح بين الزّوجين، فنزلت الآية تنهى عن هذا اللّون من القسم وتلغي آثاره.
التّفسير
لاينبغي القسم حتّى الإمكان:
كما قرأنا في سبب النّزول أنّ الآيتين أعلاه ناظرتان إلى سوء الإستفادة من القسم، فكانت هذه مقدّمة إلى الأبحاث التالية في الآيات الكريمة عن الإيلاء
ــ[138]ــ
والقسم وترك المقاربة الجنسيّة.
في الآية الاُولى يقول تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرّوا وتتقوا وتُصلحوا بين النّاس والله هو السميع)(1).
(الأيمان) جمع (يمين) و (عُرضة) بضم العين، تقال للبضاعة وأمثالها التي تعرض أمام الناس في السوق. وقد تطلق العُرضة على موانع الطريق لأنّها تعترض طريق الإنسان.
وذهب البعض إلى أنّ المراد بها ما يشمل جميع الأعمال، فالآية تنهى عن القسم بالله في الاُمور الصغيرة والكبيرة وعن الإستخفاف باسمه سبحانه، وبهذا حذّرت الآية من القسم إلاّ في كبائر الاُمور، وهذا ما أكّدت عليه الأحاديث الكثيرة، وقد روي عن الصادق (عليه السلام) (لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنّ الله سبحانه يقول: (ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم))(2).
وهناك أحاديث متعدّدة وردت في هذا المجال(3).
ولو أخذنا سبب نزول الآية بنظر الإعتبار يكون مؤدّاها أنّ القسم ليس بعمل مطلوب في الأعمال الصالحة، فكيف بالقسم بترك الأعمال الصالحة؟!
وفي الآية التالية نلاحظ تكملة لهذا الموضوع وأنّ القسم لا ينبغي أن يكون مانعاً من أعمال الخير فتقول: (لا يُؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) أي عن إرادة وإختيار.
في هذه الآية يشير الله تعالى إلى نوعين من القَسَم:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ طبقاً لهذا التفسير «لا» مقدرة وفي الأصل «لئلا تبرو» وهذا المعنى مطابق تماماً لشأن النزول ويحتمل أيضاً أن «عرضة» بمعنى المانع يعني لا تجعلوا القسم بالله مانعاً لأداء الأعمال الصالحة والإصلاح بين الناس «بتقدير: لا تجعلوا الله بسبب ايمانكم حاجزاً أن تبروا وتتقوا» ولكنّ التوجيه الأوّل أنسب.
2 ـ الكافي حسب نقل تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 218 ح 833، وسائل الشيعة: ج 16 ص 116 ح 5.
3 ـ راجع نفس المصدر: ح 832 و 834، وسائل الشيعة: ج 16 ص 115 وما بعد.
ــ[139]ــ
الأوّل: القَسَم اللغو الذي لا أثر له، ولا يبعأ به، هذا النوع من القَسَم يتردّد على ألسن بعض الناس دون التفات، ويكرّرونه فيكلامهم عن عادة لهم، فيقولون: لا والله... بلى والله... على كلّ شيء، وإنّما سمّي لغواً لأنّه لا هدف له ولم يطلقه المتكلّم عن عزم ووعي، وكلّ عمل وكلام مثل هذا لغو.
من هنا فالقَسَم الصادر عن الإنسان حين الغضب لغو (إذا أخرجه الغضب تماماً عن حالته الطبيعية). وحسب الآية أعلاه لا يؤاخذ الإنسان على مثل هذا القَسَم، وعليه أن لا يرتّب أثراً عليه، ويجب الإلتفات إلى أنّ الإنسان يجب أن يتربّى على ترك مثل هذا القَسَم وعلى كلّ حال فإن العمل بهذا القسم غير واجب ولا كفّارة عليه، لأنه لم يكن عن عزم وإرادة.
النوع الثاني: القَسَم الصادر عن إرادة وعزم، أو بالتعبير القرآني هو القَسَم الداخل في إطار كسب القلب، ومثل هذا القَسَم معتبر، ويجب الإلتزام به، ومخالفته ذنب موجب للكفّارة إلاّ في مواضع سنذكرها. وقد أشارت الآية (89) من سورة المائدة إلى هذا النوع من القسم بقولها «ما عقدتم الايمان».
الأيمان غير المعتبرة:
الإسلام لا يحبّذ القَسَم كما أشرنا آنفاً، لكنّه ليس بالعمل المحرّم، بل قد يكون مستحبّاً أو واجباً تبعاً لما تترتّب عليه من آثار.
وهناك أيمان لا قيمة لها ولا اعتبار في نظر الإسلام، منها:
1 ـ القَسَم بغير اسم الله وحتّى القسم باسم النبي وأئمّة الهدى (عليهم السلام) مثل هذا القَسَم غير المتضمّن اسم الله تعالى لا أثر له ولا يلزم العمل به ولا كفّارة على مخالفته.
2 ـ القَسَم على ارتكاب فعل محرّم أو مكروه أو ترك واجب أو مستحب،
ــ[140]ــ
حيث لا يترتّب عليه شيء. كأن يقسم شخص على عدم أداء دين، أو على قطع رحم، أو على فرار من جهاد، وأمثالها أو يترك إصلاح ذات البين مثلاً كما نلاحظ ذلك لدى بعض الأشخاص الذين واجهوا بعض السلبيات من إصلاح ذات البين فأقسموا على ترك هذا العمل. فإن أقسم على شيء من ذلك فعليه أن لا يعتني بقَسَمه ولا كفّارة عليه، وقيل إنّ هذا هو معنى قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم).
أمّا الأيمان ـ التي تحمل اسم الله ـ على أداء عمل صالح أو مباح على الأقل، فيجب الإلتزام به، وإلاَّ وجبت على صاحبه الكفّارة، وكفّارته كما ذكرته الآية (89) من سورة المائدة، إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
* * *
ــ[141]ــ
الآيتان
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ƒوَإنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌƒ
التّفسير
القضاء على تقليد جاهلي:
القَسَم على ترك وطء الزوجة أو الإيلاء(1) تقليد جاهلي كان شائعاً بين العرب، واستمرّ معمولاً به عند المسلمين الجدد قبل نزول حكم الطلاق.
كان الرجل في الجاهلية ـ حين يغضب على زوجته ـ يقسِم على عدم وطئها، فيشدّد عليها بهذه الطريقة الفضّة، لا هو يطلق سراحها بالطلاق لتتزوج من رجل آخر، ولا يعود إليها بعد هذا القَسَم ليصالحها ويعايشها. وطبعاً لا يواجه الرجل غالباً صعوبة في ذلك لأنه يتمتع بعدة زوجات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ كلمة «ايلاء» من مادة «اَلو» بمعنى القدرة والعزم، وبما أن القسم نموذج من هذا المعنى ولذا اطلق على الطلاق.
ــ[142]ــ
الآية الكريمة وضعت لهذه القضية حدّاً، فذكرت أنّ الرجل يستطيع خلال مدّة أقصاها أربعة أشهر أن يتّخذ قراراً بشأن زوجته: إمّا أن يعود عن قَسَمه ويعيش معها، أو يطلّقها ويخلّي سبيلها.
(للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر).
والغاية من الامهال أربعة أشهر هو إعطاء الفرصة للزوج ليفكر في أمره مع زوجته وينقذها من هذا الحال. ثمّ تضيف:
(فإن فاءوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ).
أي إن عادوا وجدوا الله غفوراً رحيماً، والعبارة تدلّ أيضاً أنّ العودة عن هذا القَسَم ليس ذنباً، بالرغم من ترتب الكفّارة عليه.
(وإن عزموا الطلاق فإنّ الله سميعٌ عليمٌ) أي فلا مانع من ذلك مع توفّر الشروط اللازمة.
وفيما لو أهمل الزوج كلا الطريقين ولم يختر أحدهما، فلم يرجع إلى الحياة الزوجية السليمة، ولم يطلّق. ففي هذه الصورة يتدخّل حاكم الشرع ويأمر بالقاء الزوج في السجن، ويشدد عليه حتّى يختار أحدهما، وينقذ الزوجة من حالتها المعلّقة.
ينبغي التأكيد هنا على أنّ الإسلام، وإن لم يلغ حكم الإيلاء نهائياً، فقد أزال آثار هذه الظاهرة، لأنّه لم يسمح للرجل أن ينفصل عن زوجته بالإيلاء. وتعيينه مدّة للذين يؤلون من نسائهم لا يعني إلغاء حقّ من حقوق الزوجيّة، لأنّ حقّ المرأة على زوجها ـ في إطار الوجوب الشرعي ـ الوطء كلّ أربعة أشهر، هذا طبعاً في حالة عدم انجرار المرأة إلى الذنب على أثر طول المدّة، وإلاَّ يجب أن تقلّل المدّةإلى مقدار تأمين الحاجة الجنسية وخاصّة بالنسبة للمرأة الشابّة التي يخشىانحرافها.
* * *
ــ[143]ــ
بحوث
1 ـ الإيلاء حكم استثنائي
تقدّم الحديث في الآيات السّابقة عن القسم اللّغو، وقلنا أنّ كلّ قسم على فعل ما يخالف الشّريعة المقدّسة فهو من مصاديق اللّغو في القسم، فلا إشكال من نقضه، وعلى ذلك فالقسم على ترك الواجبات الزوجيّة لا أثر له إطلاقاً، في حين أنّ الإسلام قد جعل له كفّارة(1) (وهي كفّارة نقض القسم واليمين المذكورة في الأبحاث السّابقة) وهذا في الحقيقة عبارة عن عقوبة لبعض الرجال الّذين يتوسّلون بهذه الذريعة لتضييع حقوق الزّوجة حتّى لا يقوموا بتكرار هذا العمل مرّةاُخرى.
2 ـ الإيلاء في حكم الإسلام والغرب
في اُوروبا نلاحظ وجود ما يشبه الإيلاء ويُطلقون عليه الإنفصال البدني وتوضيحه: أنه بما أن الطلاق كان محضوراً في الديانة المسيحية لذا قام الغربيّين بعد الثورة الفرنسيّة الكبرى باستخدام ظاهرة الإنفصال الجسمي بين الزوجين باعتبارها إحدى سبل الطّلاق، وذلك بأن يعيش الرجل في مكان والمرأة في مكان آخر عند عدم وجود الوفاق بينهما، وتبقى كلّ الحقوق الزوجيّة محفوظة سوى نفقة الرجل وتمكين المرأة، فالرجل لا يستطيع أن يتزوّج بإمرأة اُخرى ولا المرأة كذلك على أن لا تتجاوز مدّة الإنفصال ثلاث سنوات يجب على الزوجين بعدها أن يعودا إلى حياتهم الزوجيّة(2)، فالبرّغم من أنّ القانون الغربي سمح للزّوجين أن ينفصلا في ثلاث سنين، إلاّ أنّ الإسلام لم يسمح لهذا الإنفصال أن
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ إذا جامع الرجل قبل الأربعة أشهر فإن الكفّارة واجبة عليه إجماعاً وإذا جامع بعد الأربعة أشهر فإن هذا الحكم مشهور بين الفقهاء، رغم أن البعض انكروا الكفّارة في هذه الصورة.
2 ـ حقوق المرأة في الإسلام وآوروبا.
ــ[144]ــ
يستمر أكثر من أربعة أشهر واستمرار هذه المدّة جائز حتّى مع عدم القسم، وبعد هذه المدّة يجب على الرجل أن يعيّن أمره، فإذا أراد أن يماطل أكثر من هذه المدّة فإنّ الحكومة الإسلاميّه تستدعيه وتُرغمه على اتّخاذ قراره النّهائي.
3 ـ الصّفات الإلهيّة في ختام كلّ آية
ممّا يلفت النّظر أنّ الكثير من آيات القرآن تختتم أبحاثها بصفات الله تعالى وهذه الصفات لها ارتباط مباشر بمحتوى الآيات دائماً، ومن جملة هذه الآيات ما نحن فيه، فعندما كان الحديث عن الإيلاء والتصميم على نقض هذا القسم الممنوع تذكر الآية بعدها جملة (غفور رحيم) وهي إشارة إلى أنّ هذا السلوك السليم سبب لغفران الله تعالى وشمول رحمته لهؤلاء الأشخاص، وعندما كان الحديث يدور حول التصميم على الطّلاق كانت العبارة (سميع عليم) يعني أنّ الله تعالى يسمع كلامكما ومطّلع على دوافع الطّلاق والفُرقة وسوف يجازيكم وفقاً لهذا العمل.
* * *
ــ[145]ــ
الآيـة
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ƒ
التّفسير
حريم الزّواج أو العدّة:
كان الكلام في الآيه السّابقة عن الطّلاق، وهنا تذكر الآية بعض أحكام الطّلاق وما يتعلّق به حيث ذكرت خمسة أحكام له في هذه الآية.
في البداية ذكرت الآية عدّة الطّلاق (والمطّلقات يتربّصن في أنفسهن ثلاثة قروء).
(قروء) جمع (قُرء) تُطلق على الحيض وعلى النقاء منه، ويُمكن الإستفادة من كلا هذين المعنيين مفهوماً كليّاً يجمع بينهما، وهو الإنتقال من حالة إلى حالة
ــ[146]ــ
اُخرى ويرى «الرّاغب» في المفردات أنّ «القرء» في الحقيقة هي كلمة يُراد منها الإنتقال من حالة الحيض إلى الطّهر، وبما أنّ كلا هذين العنوانين مأخوذان في معنى الكلمة، فتُستعمل أحياناً بمعنى الحيض واُخرى بمعنى الطّهر، ويُستفاد من بعض الرّوايات وكثير من كتب اللّغة أنّ القُرء تعني الجمع بين الحالتين، وبما أنّ حالة الطّهر يجتمع في المرأة مع وجود دم الحيض في رحمها فتطلق هذه المفردة على الطّهر وعلى كلّ حال فقد ورد التّصريح في الروايات أنّ المقصود بالقروء الثلاثة في الآية أن تطهر المرأة ثلاث مرّات من دم الحيض(1).
وبما أنّ الطّلاق يُشترط فيه أن تكون المرأة في حالة الطّهر الّذي لم يجامعها زوجها فيه فيُحسب ذلك الطّهر مرّة واحدة، وبعد أن ترى المرأة دم الحيض مرّة وتطهر منه حينئذ تتم عدّتها بمجرّد أن ينتهي الطّهر الثالث وتشرع ولو للحظة في العادة، فيجوز لها حينئذ الزّواج، ومضافاً إلى الروايات في هذا المجال يُمكن استنباط هذه الحقيقة من نفس الآية مورد البحث لأنّ:
أوّلاً: (قُرء) تستبطن جمعان: قروء وأقراء، وما كان جمعه قروء فهو طُهر، وما كان جمعه أقراء فهو بمعنى الحيض(2).
ثانياً: القُرء في اللّغة بمعنى الجمع، كما تقدّم وهي أنسب لحالة الطّهر، لأنّ الدم يتجمّع في هذه الحالة في الرّحم بينما يخرج ويتفرّق عند العادة الشهريّة(3).
الحكم الثاني المستفاد من هذه الآية هو قوله تعالى (ولا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر).
الإسلام قرّر أن تكون المرأة بنفسها هي المرجع في معرفة بداية العدّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ راجع تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 230 و 231.
2 ـ راجع قاموس اللّغة.
3 ـ لسان العرب: مادة «قُرء».
ــ[147]ــ
ونهايتها حيث إنّ المرأة نفسها أعلم بذلك من الآخرين، وفي الرّواية عن الإمام الصّادق(عليه السلام)في تفسير الآية محلّ البحث قال: «قد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطّهر والحمل»(1).
ويمكن أن يُستفاد من الآية هذا المعنى أيضاً، لأنّ الآية تقول (ولا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ) ويخبرن بخلاف الواقع، وهذا يعني أن كلامهنّ مقبول.
وجملة (ما خلق الله في أرحامهنّ) كما ذهب إليه جماعة من المفسّرين يمكن أن يراد بها معنيان: (الجنين) و (العادةالشهريّة) لأنّ كلا هذين المعنيين قد جعلهما الله في أرحام النساء أي يجب على المرأة أن لا تكتم حملها وتدّعي العادة الشهريّة بهدف تقليل مدّة العدّة (لأنّ عدّة الحامل وضع حملها) وهكذا يجب عليها أن لا تخفي وضع حيضها وتبيّن خلاف الواقع، ولا يبعد استفادة كلا هذين المعنيين من العبارة أعلاه.
الحكم الثالث المستفاد من الآية هو أنّ للزّوج حقّ الرّجوع إلى زوجته في عدّة الطّلاق الرّجعي، فتقول الآية: (وبعولتهنّ أحقّ بردّهنّ في ذلك إن أرادوا إصلاحاً)(2).
وبهذا يستطيع الزّوج استئناف علاقته الزوجية بدون تشريفات خاصّة إذا كانت المرأة في عدّة الطّلاق الرّجعي، فإذا قصد الرّجوع يتحصّل بمجرّد كلمة أو عمل يصدر منه بهذا القصد، وجملة: (إن أرادوا إصلاحاً) في الحقيقة هي لبيان أنّ هدف الرّجوع يجب أن يكون بنيّة الإصلاح لا كما كان عليه الحال في العصر
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 326 في ذيل الآية المبحوثة.
2 ـ «بعولة» جمع «بعل» بمعنى الزوج ويقول الراغب في مفرداته بأن البعض يرى اطلاقها على الزوج والزوجة. (تفسير الكبير: ج 6 ص 93) وقيل أن هذه المفردة تعطي معنى العلو والأفضلية.
ــ[148]ــ
الجاهلي من أنّ الزّوج يستخدم هذا الحق لغرض الإضرار بالزّوجة حيث يتركها في حالة معلّقة بين الزّواج والطّلاق.
فهذا الحقّ يكون للزّوج في حالة إذا كان نادماً واقعاً وأراد أن يستأنف علاقته الزّوجيّة بجديّة، ولم يكن هدفه الإضرار بالزّوجة.
ضمناً يُستفاد ممّا ورد في ذيل الآية من مسألة الرّجوع هو أنّ حكم العدّة والإهتمام بحساب أيّامها يتعلّق بهذه الطائفة من النساء، وبعبارة اُخرى أنّ الآية تتحدّث بشكل عام عن الطّلاق الرّجعي ولهذا فلا مانع من أن تكون بعض أقسام الطّلاق بدون عدّة أصلاً.
ثمّ تبيّن الآية حكماً رابعاً وتقول: (ولهنّ مثل الّذي عليهنَّ بالمعروف وللرّجال عليهنّ درجة).
يقول الطبرسي في مجمع البيان أنّه يستفاد من هذه العبارة العجيبة والجامعة فوائد كثيرة جدّاً(1)، فهي قد جرّت البحث إلى مسائل أهم بكثير من الطّلاق والعدّة، وقرّرت مجموعة من الحقوق المتبادلة بين الرّجال والنساء فتقول: كما أنّ للرّجال حقوقاً على النساء، فكذلك للنساء حقوق على الرّجال أيضاً، فيجب عليهم مراعاتها، لأنّ الإسلام اهتمّ بالحقوق بصورة متعادلة ومتقابلة ولم يتحيّز إلى أحد الطّرفين.
وكلمة (بالمعروف) التي تأتي بمعنى الأعمال الحسنة المعقولة والمنطقيّة تكرّرت في هذه السلسلة من الآيات اثنا عشر مرّة (من الآية مورد البحث إلى الآية 241) كيما تحذّر النساء والرّجال من عاقبة سوء الاستفادة من حقوق الطّرف المقابل، وعليهم إحترام هذه الحقوق والإستفادة منها في تحكيم العلاقة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجمع البيان: ج 1 327.
ــ[149]ــ
الزوجيّة وتحصيل رضا الله تعالى.
جملة (وللرّجال عليهنّ درجة) تكمّل القاعدة السابقة في الحقوق المتقابلة بين الرّجل والمرأة، وفي الواقع أنّ مفهومها هو أنّ مسألة العدالة بين الرّجل والمرأة لا تكون بالضّرورة بمعنى التساوي في الحقوق وأن يكونا في عرض واحد، فهل يلزم أن يكون الجنسان متساويين تماماً في الواجبات والحقوق؟
لو أخذنا بنظر الإعتبار الإختلافات الكبيرة بين الجنسين على صعيد القوى الجسميّة والروحيّة لاتّضح الجواب عن السؤال.
المرأة بطبيعة مسؤوليتها الحسّاسة في إنجاب الأبناء وتربيتهم تتمتّع بمقدار أوفر من العواطف والمشاعر والإحساسات، في حين أنّ الرجل وطبقاً لهذا القانون اُنيطت به مسؤولية الواجبات الإجتماعيّة التي تستلزم قوّة الفكر والإبتعاد عن العواطف والأحاسيس الشخصيّة أكثر، ولو أردنا إقامة العدالة فيجب أن نضع الوظائف الإجتماعيّة التي تحتاج إلى تفكّر وتحمّل أكثر بعهدة الرّجال، والوظائف والمسؤوليّات التي تحتاج إلى عواطف وإحساسات أكثر بعهدة النّساء، ولهذا السبب كانت إدارة الاُسرة بعهدة الرّجل ومقام المعاونة بعهدة المرأة، وعلى أيّ حال فلا يكون هذا مانعاً من تصدّي المرأة للمسؤوليّات الإجتماعيّة المتوائمة مع قدراتها الجسميّة وملكاتها البيولوجيّة فتؤدّي تلك الوظائف والمسؤوليّات إلى جانب أداء وظيفة الاُمومة في الاُسرة.
وكذلك لايكون هذا التفاوت مانعاً من تفوّق بعض النّساء من الجهات المعنويّة والعلميّة والتقوائيّة على كثير من الرّجال.
فما نرى من إصرار بعض المثقّفين على مقولة التساوي بين الجنسين في جميع الاُمور هو إصرار لا تؤيّده الحقائق على أرض الواقع حيث ينكرون في
ــ[150]ــ
دعواهم هذه الثّوابت العلميّة في هذا المجال، فحتّى في المجتمعات التي تنادي بالمساواة بين الجنسين في مختلف المجالات نشاهد عملاً بوناً شاسعاً مع نداءاتهم، فمثلاً الإدارة السياسيّة والعسكريّة لجميع المجتمعات البشريّة هي في عهدة الرّجال (إلاّ في موارد استثنائيّة) حيث يُرى هذا المعنى أيضاً في المجتمعات الغربيّة التي ترفع شعار المساواة دائماً.
وعلى كلّ حال، فالحقوق التي يختّص بها الرّجال مثل حقّ الطّلاق أو الرّجوع في العدّة أو القضاء (إلاّ في موارد خاصّة اُعطي فيها حقّ الطّلاق للزّوجة أو حاكم الشرع) ترتكز على هذا الأساس ونتيجة مباشرة لهذه الحقائق العمليّة.
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ جملة: (للرّجال عليهنّ درجة) ناظرة إلى مسألة الرّجوع في عدّة الطّلاق فقط(1)، ولكن من الواضح إنّ هذا التفسير لا يتوائم وظاهر الآية، لأنّ الآية ذكرت قبل ذلك قانوناً كليّاً حول حقوق المرأة ووجوب رعاية العدالة بجملة (ولهنّ مثل الّذي عليهنَّ بالمعروف) ثمّ أوردت العبارة مورد البحث بشكل قانون كلّي آخر بعد ذلك.
وأخيراً تقول الآية: (والله عزيز حكيم) وهذا إشارة إلى ما يرد في هذا المجال من إشكالات وتساؤلات وأنّ الحكمة الإلهيّة والتدبير الرّباني يستوجبان أن يكون لكلّ شخص في المجتمع وظائف وحقوق معيّنة من قبل قانون الخلقة ويتناسب مع قدراته وقابليّاته الجسميّة والرّوحيّة، وبذلك فإنّ الحكمة الإلهيّة تستوجب أن تكون للمرأة في مقابل الوظائف والمسؤوليّات الملقاة على عاتقها حقوقاً مسلّمة كيما يكون هناك تعادل بين الوظيفة والحقّ.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير في ظلال القرآن: ج 1 ص 360.